المرض الهولندى - محمد الهوارى - بوابة الشروق
الخميس 4 يونيو 2020 1:36 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

المرض الهولندى

نشر فى : السبت 8 فبراير 2020 - 8:40 م | آخر تحديث : السبت 8 فبراير 2020 - 8:40 م

المرض الهولندى أو الداء الهولندى هو لفظ ابتدعته مجلة الأيكونوميست العالمية فى عام ١٩٧٧ لوصف متاعب القطاع الصناعى الهولندى فى جراء اكتشاف حقل غاز «جرونينجن» العملاق عام ١٩٥٩. فى عام ١٩٨٢، قام العالمان الاقتصاديان ماكس كوردن وبيتر نيرى بعمل دراسة ونموذج اقتصادى لتوصيف الداء الهولندى. أما عما تعنيه هذه النظرية فهو باختصار انتعاش اقتصادى فى قطاع يؤثر سلبا على قطاعات أخرى. وفى التعريف الواسع لكلمة قطاع، وصفت النظرية أنها قد تعنى أى تطور ينتج عنه واردات كبيرة من العملة الصعبة بما فيها أسعار المواد الخام والمعونة الأجنبية والاستثمار الأجنبى. أما لماذا نتكلم عن الداء الهولندى فهو لأن شركة كاپيتال إيكونوميكس الانجليزية نشرت مؤخرا ورقة بحثية مختصرة لخطورة تعرض مصر للداء الهولندى وذلك كنتيجة لاكتشافات الغاز الأخيرة وأيضا بصورة أكبر بسبب تعاظم حجم السيولة من العملة الصعبة جراء تهافت المستثمرين الأجانب على أدوات الدين المصرية.
وجهة نظر كاپيتال إيكونوميكس فى ورقتها البحثية أن ارتفاع سعر الجنيه مقابل الدولار جراء زيادة الاستثمارات الأجنبية فى أدوات الدين من شأنها أن تؤثر سلبا على تنافسية المنتجات المصرية بالخارج وأيضا بالداخل. وتتوقع الشركة أن ينتج عن ذلك زيادة فى عجز ميزان المدفوعات مما سينتج عنه ضغط على العملة، وكذلك ضعف فى القطاع الصناعى وربما الخدمى على المدى الطويل.
والحقيقة أننا كما كررنا كثيرا فإن نجاح مصر فى جذب استثمارات أجنبية لأدوات الدين لأكثر من ثلاث سنوات الآن، يشار إليه بالبنان فى عالم الاستثمار الأجنبى. قد لا يخلو تحليل لفرص الاستثمار العالمية فى الأسواق الناشئة من الإشارة لأدوات الدين المطروحة بالجنيه المصرى كاستثمار ناجح وجاذب. ليس هذا فقط ولكن مؤخرا ومع انخفاض التضخم وبالتالى انخفاض سعر الفائدة، أصبح بإمكاننا الحصول على التمويل بسعر فائدة أقل من سعر الفائدة قبل تعويم الجنيه وذلك إنجاز هام وتأثيره الايجابى ملحوظ.
ومع هذا الانجاز المهم، يتبقى لنا تحد حقيقى وهو أن ننعش حركة السوق خاصة فى الجانب الصناعى، حيث يستمر مؤشر مديرى المشتريات فى الإشارة لحركة انكماش مستمرة فى حجم النشاط الصناعى والتصديرى انكماشا شبه مستمر قلما يتحول للتمدد. وهنا نسأل: ما هو التوازن المثالى لسعر الصرف الذى يخلق استقرارا فى الأسعار ويقوى القدرة الشرائية وفى نفس الوقت يحقق ميزة تنافسية للتصدير والسياحة. قد لا تكون الإجابة سهلة، ولكن مسئوليتنا أن ننبه عندما يكون هناك مخاطر حتى يتنبه صانع القرار لجميع الجوانب. تحديد سعر الصرف متروك كما نعلم للعرض والطلب ولكن الدولة لديها بعض الآليات للتحكم فى العرض والطلب مثل سعر الفائدة والذى يحدده البنك المركزى.
وبينما تقدم نظرية المرض الهولندى طرق لحماية القطاعات المتضررة من زيادة السيولة الأجنبية فالتنفيذ ليس سهلا، لأن المعطيات كثيرة ومعقدة. بعض الاقتراحات تدور حول تحويل السيولة لجهة مستقلة مثل الصناديق السيادية، وذلك حتى لا تصل السيولة الزائدة للأسواق. اقتراح آخر يدور حول دعم القطاعات المتضررة ولكن ثمن ذلك عادة يكون أضعاف التنافسية فى هذه القطاعات لفترة أطول؛ لأنها تصبح معتمدة كليا على هذا الدعم مثل المريض الذى تعود على التنفس الاصطناعى. فى النهاية، بالتأكيد مصر وهى فى طور النمو تحتاج لكل مليم والتحصل على التمويل معناه بالتأكيد أننا سوف نستخدمه فورا. وهنا تأتى المعضلة والتى نكرر أنه لا يستطيع أن يجاوب عنها سوى المتخصصين المطلعين على الداخليات المالية للدولة.
وبعيدا عن النظريات الاقتصادية نجد أن الحكومة لها مؤخرا إنجازان مهمان فى إدارة ملف الدين المحلى: أولا، نجحت فى إطالة عمر الدين المطروح، فبدلا من طرح أغلب الدين فى صورة أذونات قصيرة الأجل تحولت الحكومة أكثر إلى سوق السندات طويلة الأجل ونوعت فى الطروحات وعملاتها بصورة محمودة. حتى إننا نسمع الآن أن الحكومة بصدد إصدار «سندات خضراء» Green Bonds وهى سندات مقصود بها الصرف على مشاريع الطاقة المتجددة ومصر أصبحت من الدول الرائدة فى المجال. ثانيا نجحت مصر فى إدارة ملف الدين لتخفيضه على مدار عدة سنوات ونجحت فى الوصول لمستهدفاتها. والمقصود بتخفيض الدين هنا ليس تخفيضه بصورة مطلقة أو مجردة ولكننا فى علم الاقتصاد غالبا ما ننظر للأمور بصورة نسبية. فعندما نقول إن الحكومة نجحت فى تخفيض نسبة الدين المحلى، فالمقصود هو تخفيضه نسبة للناتج المحلى الاجمالى، وهذا هو المهم.
المرحلة القادمة شديدة الأهمية والحساسية وسيتحدد على ضوئها نجاح مصر فى مرحلة مهمة من مراحل الاصلاح الاقتصادى، وهى مرحلة ما بعد شد الحزام. فهل نرخيه، أم نستمر فى الشد أم نحقق توازنا يمكننا من استكمال إجراءات الإصلاحات الهيكلية بينما نترك الفرصة للقطاعات المنتجة للمنافسة فى السوق المحلية والأجنبية.

محمد الهوارى مدير صناديق استثمار دولية
التعليقات