متعة أن تعيش فى اللا دولة - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 3:18 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


متعة أن تعيش فى اللا دولة

نشر فى : السبت 7 ديسمبر 2013 - 8:20 ص | آخر تحديث : السبت 7 ديسمبر 2013 - 8:20 ص

منذ 18 فبراير 2011 وحتى اليوم ومصر تعيش فيما يسمى باللا دولة، أو بحسب المصطلحات السياسية (دولة هشة أو ضعيفة)، والمشكلة فى هذا أن كثيرين من الشعب المصرى يستمتعون بهذه الحياة، يمارسون حياتهم بحرية وسعادة ويرفضون أن تعود الدولة، والسبب، بحسب رأيى، أن الغالبية من المصريين كانوا فى ظل الدولة مهمشين ومقموعين من الأقلية الحاكمة وعندما سقطت الدولة رأينا كيف زحف البائعون الجائلون والذين كانت الدولة بأنظمتها وشرطتها تطاردهم رأيناهم فى قلب العاصمة التجارية يعرضون بضائعهم أمام محلات تقدر أثمانها بالملايين وإيجاراتها بعشرات الآلاف، ولا يجرؤ أحد على منعهم، وتكرر ذلك فى جميع محافظات ومدن مصر، كذلك تشجع الكثير من الشباب العاطل على أن يوقفوا (يثبتوا) أى شخص شاهرين فى وجهه السلاح سالبين منه ماله.

هؤلاء الشباب لم يكونوا يوما مجرمين، لكنهم فى ظل اللا دولة رأوا أن هذا الأمر فى منتهى السهولة، لأن الضحية لن يتوانى فى أن يهبهم كل ما معه خوفا، رغم أنهم، ربما لا يستطيعون أن يفعلوا معه شيئا لو أنه رفض، لكن بسبب غياب الدولة أصبحت الضحية جبانة أكثر من اللازم، بل هناك من الشباب العاطل من كون عصابات لسرقة السيارات، ويقومون بتوقيف السيارة بالسلاح وينزلون أصحابها منها ويقودونها إلى مكان مجهول، ثم يساومون على إعادتها، أو يخطفون طفلا أو شابا ويساومون عليه ولأنهم غير محترفين يطلبون مليون جنيه كفدية للنفس أو مائة ألف جنيه فدية للسيارة ثم يهبطون بالفدية بعد المساومة إلى عشرين أو ثلاثين ألف جنيه وهذا أمر مثير للسخرية. إن كل هؤلاء لم يكونوا من المحترفين لكن قواعد اللا دولة شجعتهم على القيام بتلك الأعمال، أما أولئك الذين فتحت لهم طاقة القدر من خلال التظاهرات فحدث ولا حرج فمنهم من تدرب على كيفية القيام بالتظاهرات وإرهاق الشرطة قبل ثورة 25 يناير وبعدها سواء فى داخل مصر أو خارجها على يد محترفين عالميين، داخل فروع جمعيات دولية ومعاهد متخصصة، بهدف القيام بثورات سلمية فى بلدانهم.

•••

هنا انتقل مثل هؤلاء نقلة نوعية اجتماعية واقتصادية، واستطاعوا أن يدربوا آخرين للقيام بإضرابات وتظاهرات، هذا فضلا عن الألتراس الرياضى الذى استخدم أحدث التقنيات من شعارات وحركات وأناشيد خلاقة ومبدعة لتشجيع فرقهم الرياضية، لكن بسبب اللا دولة تحولوا بمواهبهم وأناشيدهم لتشجيع تيارات سياسية بعينها، هذا فضلا عن عموم الشعب الفقير الذى عرف، لأول مرة، أن الخروج فى مظاهرة يمكن أن يكون بمقابل مادى للفرد لذلك يقوم رب الأسرة باصطحاب الزوجة والأولاد معه، وهكذا يقبض كأسرة ألف جنيه أو أكثر وهو ما لم يكن يحلم أن يقبض مثل هذا المبلغ فى شهر بكامله، وعندما تتأمل مثل هؤلاء سوف تكتشف أنهم لا يدركون الكثير من الشعارات التى يرفعونها، ثم إنهم لا ينتمون إلا لمصدر الأموال مهما كان هذا المصدر ورغم بساطة معظم الأخيرين، وحرفية معظم الأولين وثقافتهم ومستواهم الاجتماعى، ومتانة وقوة الأوسطيين (الألتراس) إلا أن جميعهم يرون أن عودة الدولة سوف تفقدهم الكثير مما حصلوا عليه، فالأولون صاروا نجوما إعلامية، يعلنون عن مواقفهم كثوار ولا تستطيع أن تميزهم عن الثوار الحقيقيين، إلا عندما تراهم يهتزون بشدة أمام وقع أقدام الدولة، التى تحاول أن تتقدم بثبات فيغيرون شعاراتهم ويهاجمون كل ما تقوم به، فيعلنون دون خجل أنهم نزلوا إلى الشارع رافضين قانون التظاهر، لا لشيء إلا لاختبار الشرطة فى كيفية تعاملها مع المتظاهرين!! أو ينادون أنهم لن يخضعوا لا لهذا القانون ولا لغيره، حتى تظل الدولة مرتعشة غير قادرة على الحسم.

•••

ولا شك أنه من إيجابيات إعلان قانون التظاهر فى هذا التوقيت الذى رفضه معظم السياسيين، أنه قام بعملية فرز فاصطف الذين ضد الدولة معا وانكشفوا، وتستطيع الدولة الآن أن تقدر حجم أعدائها بدقة وتتعامل معهم بحرفية، وأنا لا أستطيع أن أجزم إن كانت الدولة تقصد ذلك أم أنه جاء بالمصادفة. أما الألتراس والذين من الواضح أنهم يستخدمون تحت شعار حق الشهداء، فمن الواضح أن أكثرهم يتذكر أسماء قليلة جدا من الشهداء، فى َالوقت الذى فيه لا يذكرون شهداء الشرطة أو حقوقهم، وهو أمر يدعو للتساؤل، وإذا قبض على أحدهم أو بعضهم ثار الناس لأنهم صبية صغار السن، أما الأخيرون فعودة الدولة سوف تفقدهم الأموال المتدفقة عليهم بطريقة أو أخرى، وهم قد رتبوا حياتهم على دخل ثابت، هذا فضلا عن بعض الصحفيين وأساتذة الجامعة الذين سافروا لإحدى الدول المجاورة، وتفرغوا لمهاجمة الدولة على إحدى القنوات الفضائية التى تهاجم مصر ويساندهم نظراؤهم فى مصر.

•••

أما على المستوى الشخصى، فقد لاحظت أصدقاء ممن يطلق عليهم، (المحترمون) فى المجتمع سواء لمستواهم الثقافى أو الاجتماعى أو الدينى المتميز، يقودون سياراتهم عكس الطريق وهم سعداء، ويكسرون إشارات المرور وهم أكثر سعادة، ويركنون سياراتهم فى صف ثالث فى نهر الطريق، ويفعلون أشياء غريبة مثل تحرشهم بالكلام مع الفتيات، وأصبحت تعبيراتهم متدنية، فرغم مراكزهم وتقدمهم فى العمر فقد تحرروا من وقارهم ونسوا أحاديثهم السابقة، عندما كانت الدولة دولة، بأنهم يخضعون للقوانين عن مبدأ وأخلاق ودين وليس خوفا من القانون أو كلام الناس، وإذا بكل هذا يتلاشى، وتراهم يتمايلون طربا بما يقولون ويفعلون.

•••

ألا ترى معى أن الغالبية العظمى من المصريين سعداء؟ لقد خرج الشعب المصرى بأعداد لم يسبق لها مثيل فى 30 يونيو ثم فى 27 يوليو على أمل أن يتحقق حلم25 يناير، لكنهم اليوم يعلنون بحزن شديد أنهم على استعداد للتنازل عن هذا الحلم فى سبيل عودة الدولة، بأى شكل من الأشكال، ولكنى متيقن أن الدولة ستعود ومعها الحلم وهذا يحتاج من الأقلية التى لم تلوث ولم تستمتع باللا دولة لمزيد من الصبر والقدرة على التصحيح المستمر لتحقيق حلمها على مدى أطول، وذلك بالنضال المستمر الواثق والهادئ الذى لا يتزعزع، حيث سيسقط كل من ادعى الثورة إن آجلا أو عاجلا، وساعتها ستنضم إليهم الأغلبية الساحقة من شعب مصر العظيم كما حدث مع الشعوب العظيمة من قبلنا حيث لا يصح إلا الصحيح.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات