تناقض السياسات فى قضايا البيئة - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الإثنين 17 يناير 2022 7:17 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


تناقض السياسات فى قضايا البيئة

نشر فى : الأحد 7 نوفمبر 2021 - 8:20 م | آخر تحديث : الأحد 7 نوفمبر 2021 - 8:20 م
لم تعد قضايا البيئة شأنا تهتم به الدول المتقدمة وحدها، فبعد قرابة نصف قرن من الاهتمام الدولى بهذه القضايا لم يعد للقول بأن الانشغال بها هو ترف لا تقدر عليه دول الجنوب أى مصداقية، واتسع الوعى بهذه القضايا فى دول الجنوب. صحيح أن نشاط المجتمع المدنى فى هذا المجال محدود نسبيا فى دول آسيا وإفريقيا ومعظم أمريكا اللاتينية بالمقارنة بالحشد الهائل الذى نجحت فى تعبئته فى دول الشمال حركة أرضنا بانضمام أجيال شابة تتولى قيادتها والتى برزت من بينها جريتا تونبرج، الفتاة السويدية التى لم تتجاوز سبعة عشر عاما والتى أصبحت الرمز البارز على قلق الشباب فى هذه الدول على بطء استجابة الحكومات لما يرونه مهام ملحة لا ينبغى التأخر فى القيام بها لإنقاذ البشرية من الأخطار الناجمة عن تدهور البيئة الذى يهدد بجعل سطح الأرض مكانا لا يطاق. ومع ذلك يصعب تصور أن يخرج فى الوقت الحاضر قائد جاد فى دولة آسيوية أو إفريقية لكى يسخر من النقاش حول قضايا البيئة والتلوث مدعيا أن الفقر هو أكبر مصدر للتلوث، ومحذرا من أن الانشغال بقضايا البيئة يعنى تهميش قضايا الفقر فى دول الجنوب. لم يعد لمثل هذه الادعاءات أى مصداقية، فالبيئة الطبيعية، إن لم يحسن البشر التعامل معها، يمكن أن تنتقم منهم بالفيضانات والزلازل والأعاصير وهيجان البحار وموجات الحر أو الجفاف التى لا تحتمل فيصبح همهم الأساسى ليس تحسين جودة حياتهم، ولكن مجرد الحفاظ على هذه الحياة. غضب الطبيعة لن يعفى دول الجنوب، كما أن دول الشمال قد ذاقت بعضا منه، وإن كانت هى أكثر قدرة على التعامل معه.
الوطن العربى ليس بعيدا عن غضب الطبيعة، حتى وإن كانت قد حبت بعض أقطاره على مدى القرون بمياه كافية، وبتنوع حيوى كبير، وفى القرن العشرين بمصدر للطاقة مكن بعض شعوبها من الارتقاء بمرافقها وخدماتها وتوفير مستويات معيشة لمواطنيها ومواطناتها تتفوق حتى على ما تعرفه الدول المتقدمة، وإن كان قد جلب عليها التحكم الأجنبى فى مصائرها بطرق مباشرة وأخرى غير مباشرة. ومع ذلك تشير الإحصاءات الدولية الموثوقة إلى أن الطبيعة لن تكون دائما رءوفًا بالشعوب العربية، ليس لأنها غاضبة عليهم، ولكن لأنهم لم يحسنوا التعامل معها، فهى ترد الصاع عليهم بأكثر من صاعين. مساحة الغابات الضرورية للحفاظ على التوازن البيئى وتنقية الهواء من ثانى أوكسيد الكربون الضار بالصحة وبالنباتات لا تتجاوز فى الوطن العربى الذى يتواجد فى مناطق جافة وشبه جافة فى معظمه أقل قليلا من خمس مساحته (18%) بينما تبلغ 31% من مساحة المعمور فى العالم، ولكن الخطير حقا أنه بينما تتسع مساحتها فى العالم بمعدل 10% سنويا، فإنها تنحسر فى الوطن العربى بمعدل 2% تقريبا كل سنة. أضيفوا إلى ذلك ــ وارتباطا به ــ أنه بينما يسحب العرب الذين يعيشون فى منطقة فقر مائى أكثر من ثلاثة أرباع كميات المياه المتجددة (77%) لا تسحب دول العالم أكثر من 7% وهو ما يعنى تجدد ما تحصل عليه هذه الدول من مياه بدرجة أكبر. ولا توجد بيانات عن مستوى جودة المياه فى الوطن العربى ككل أو مدى توافرها للزراعة، ولكن تتدهور التربة بسرعة فى البلاد العربية بمعدلات عالية سواء بسبب سوء المياه أو الإفراط فى استغلالها من جانب صغار المزارعين، ونتيجة ذلك هى أن مساحة التربة المتدهورة تصل إلى 7% من إجمالى المساحة المزروعة فى الوطن العربى، وهو مازال وضعا أفضل من المعدل العالمى الذى يصل إلى 20%.
إذا كانت مستويات تلوث الهواء والمياه فى الدول العربية أقل بكثير مما عليه الحال فى الدول المتقدمة، وذلك لمحدودية النشاط الصناعى فيها، فإن هذه المستويات تزداد بسرعة، وهى الأعلى فى الدول المصدرة للنفط وفى الاقتصادات العربية الكبيرة نسبيا. الدول العربية تعتمد بدرجة أكبر على مصادر الطاقة الأحفورية، وهى النفط أساسا والذى يمثل 95.5% من إجمالى مصادر الطاقة فيها، وهو من أكثرها توليدا لتلوث الهواء، بينما يعتمد عليه العالم بنسبة 80.6%، وتعتمد عليه الدول المتقدمة فى منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية بنسبة 79.6%، ولذلك يصل نصيب المواطن العربى من ثانى أوكسيد الكربون إلى 4.8 طن سنويا، أى أعلى قليلا من المعدل العالمى وهو 4.6%، وبالطبع أقل بمقدار النصف تقريبا من نصيب الفرد فى الدول المتقدمة، والذى يصل إلى 9.5 طن. ولذلك فإن الآثار السلبية لهذا التلوث الذى لم تعد الدول العربية نفسها لمواجهته هو أفدح. فمعدلات الوفيات بسبب تلوث الهواء أو المياه لكل مائة ألف من السكان تفوق بكثير معدلات الدول المتقدمة، وإن كانت لاتزال أفضل من المعدلات العالمية لأن دولا أخرى فى آسيا وإفريقيا تجد مرافقها وخدماتها الصحية فى وضع أسوأ مما يعرفه الوطن العربى. وهكذا يصل معدل الوفيات بسبب تلوث الهواء فى الدول العربية إلى 101 من كل مائة ألف من السكان، بينما يقل فى الدول المتقدمة إلى 20، ويرتفع على مستوى العالم إلى 114 وفى نفس الشرائح العمرية، وبينما تصل معدلات الوفيات بسبب تلوث المياه فى البلاد العربية إلى 7 من كل مائة ألف من السكان، تنخفض إلى أقل من نصف شخص (0.4) فى الدول المتقدمة، وترتفع إلى 11.7 على مستوى العالم. ومع ذلك فالطبيعة أقل رحمة بالعرب منها بأقاليم العالم الأخرى، وهو ما لاشك يدركه الشعبان السودانى والصومالى أكثر من غيرهم من العرب، فضحايا الكوارث الطبيعية من جفاف وسيول يصلون فى الدول العربية إلى 3.5 من كل مائة ألف بينما ينخفض هذا المعدل إلى 0.7 على مستوى العالم وفى الدول المتقدمة على السواء. بعبارة أخرى، ضحايا الكوارث الطبيعية فى الوطن العربى هم خمسة أمثال ضحاياها على مستوى العالم.
ويبدو وضع مصر بالنسبة لهذه المؤشرات أفضل فى بعضها من الحال العربى العام، بينما تتخلف فى بعض المؤشرات الأخرى، مع ملاحظة أن بعض هذه المؤشرات المأخوذة من تقرير التنمية البشرية العالمى تعود إلى سنوات 2015 أو 2017، باستثناء مؤشر واحد وهو معدل الوفيات الناجمة عن كوارث طبيعية والذى يصل إلى سنة 2019.
معدل إنتاج ثانى أوكسيد الكربون وهو 2.4 طن سنويا لكل فرد هو أقل من المعدل العربى (4.8) وأقل بكثير من السائد فى الدول المتقدمة (9.5 طن)، ومعدل الوفيات الناجمة عن شرب مياه غير صالحة هو أقل بنسبة الثلث تقريبا فهو 2 من كل مائة ألف من السكان مقارنة بـ7 على مستوى الوطن العربى، كما أن مساحة الأراضى المتدهورة تصل فى مصر إلى 1% من إجمالى المساحة وهى سبع المعدل العربى الذى يصل إلى 7%. كما أنه إذا كانت الغابات لا تتجاوز فى مصر 0.1% من إجمالى المساحة، إلا أن معدل زيادتها بفضل التشجير يصل إلى 67.3 % من هذه المساحة. ولكن بعض المؤشرات الأخرى تبعث على القلق، فنسبة السحب من مصادر المياه المتجددة تصل إلى 112% من إجمالى هذه المصادر، وهو ما يفوق المعدل العربى الذى لا يتجاوز 77%، وهو ما يعنى السحب من المياه التى يمكن أن تتوافر للأجيال المقبلة، كما أن معدل الوفيات الناجم عن تلوث الهواء يصل إلى 109 لكل مائة ألف من السكان، بالمقارنة بالمعدل العربى الذى كان 101 لنفس الفئة.

سياسات الحكومات التى تأخذ باليمين ما تعطى بالشمال
لا يمكن القول بأن الحكومات فى معظم بلاد العالم تعطى ظهورها لكل أبعاد قضايا التغير المناخى من تعاقب فترات الاحترار والبرودة وذوبان جليد القطبين الشمالى والجنوبى، وارتفاع مستوى سطح البحار واحتمال غرق مساحات واسعة من الأراضى تشمل فى الدول العربية مساحات واسعة من سواحل دول شمال إفريقيا بما فيها مصر وكذلك لبنان ودول الخليج، فضلا عن ندرة المياه والتصحر، ونقصان التنوع الحيوى وارتفاع مستويات تلوث المياه والهواء والتربة. ولكن التدابير التى اتخذتها تتسم بكثير من التناقض.
الدول الأربع الكبرى صاحبة النصيب الأكبر فى تلوث الهواء وهى على وجه التحديد الصين والولايات المتحدة والهند وروسيا كلها ادعت التزامها بخفض مستوى انبعاثات ثانى أكسيد الكربون بحيث لا ترتفع درجة حرارة الأرض عن 1.5 درجة، ولكنها كلها تزيد من إنتاجها لمصادر الطاقة الأحفورية مثل الفحم فى حالة كل من الصين والهند، والنفط فى حالة كل من الولايات المتحدة وروسيا فضلا عن المملكة العربية السعودية، وهو ما يؤدى بدوره إلى استمرار ارتفاع درجة حرارة الأرض بكل ما يترتب على ذلك من كوارث.
وفى حالة الدول العربية التى لا تعانى من احتلال أجنبى لأراضيها أو نزاعات أهلية مسلحة، فهى لاشك تتخذ خطوات مهمة لمواجهة هذه التحديات مثل إقامة محطات لتحلية مياه البحر فى دول الخليج وزيادة مساحة الأراضى المزروعة فى السعودية، وقد وضعت الحكومة المصرية خطة لمواجهة التغير المناخى، وشكلت لجنة وزارية لتنفيذها، وقامت ببناء حاجز صخرى للحيلولة دون امتداد مياه البحر إلى اليابسة فى الإسكندرية ودمياط. وتعد فى الوقت الحاضر استراتيجية جديدة لمواجهة التغير المناخى، ومع ذلك فالتدابير التى تتخذها تقلل، إن لم تكن تلغى بعض آثار هذه السياسات الإيجابية. وأضرب مثالين مهمين على ذلك.
تهتم الحكومة المصرية بزيادة مساحة الأراضى الزراعية، وأطلقت مشروعا طموحا لإضافة ما يسمى بدلتا جديدة إلى أراضى مصر، ولكنها من ناحية أخرى تختار لبعض طرقها السريعة أن تخترق أخصب الأراضى فى مصر. طريق منها التى يصل عرضها إلى أربع حارات على كل جانب (24 مترا على الأقل) وعلى امتداد يصل إلى خمسين كيلومترا فى طريق (القاهرة ــ بنها) وسبعين كيلو مترا فى طريق آخر(بنها ــ المنصورة) وهو ما سيبتلع على الأقل 8000 فدان من أجود الأراضى الزراعية فى مصر، وذلك فقط لبناء الطريقين، وذلك بالإضافة إلى ما يترتب على بناء الطريقين من تبوير مساحات من الأراضى الملاصقة لكل منهما لن تعود صالحة للزراعة. فبينما تقاوم الحكومة محاولات البناء على أراض زراعية، أو تبويرها لبيع تربتها، تقوم هى بنفسها بالتضحية بمساحات واسعة من أجود أراضى مصر. طبعا تسهيل النقل للأشخاص والسلع أمر مهم للاقتصاد الوطنى، ولكن ألم يكن من الممكن أن تسير هذه الطرق السريعة فى الحزام الصحراوى المحيط بالدلتا وأن تخدمه طرق فرعية أقل اتساعا بكثير تنقل المسافرين والمسافرات والبضائع إلى قرى ومدن الدلتا. فلنحسب الخسارة فى دخول المزارعين وفى الإنتاج الزراعى وكمية التلوث التى تنفثها السيارات وعربات النقل التى ستعبر هذه الطرق، وهل هناك تعويض فعال لهذه الخسارة.
مثل آخر هو مشروع أبراج ماسبيرو فى وسط القاهرة الذى يعانى من شدة الازدحام وارتفاع مستوى التلوث السمعى والبصرى والهوائى. تصوروا العدد الهائل من السيارات التى ستخرج وتدخل يوميا إلى عشرات الأبراج فى هذه المنطقة وبطوابقها التى تتجاوز العشرين. طبعا هذه ليست سيارات المقيمين والعاملين فى هذه الأبراج، ولكن الآلاف الذين سيترددون عليها للعمل أو للتفرج أو للسهر. هل كانت القاهرة ذات الملايين الست عشر بحاجة إلى مثل هذا المشروع، وهل سيضيف مشروع استغلال أرض الحزب الوطنى الذى اختفى غير مأسوف عليه مزيدا من الأبراج على ضفة النيل الشرقية، بكل ما يترتب على ذلك من ازدحام وتلوث.
لاشك فى حسن نوايا من فكروا فى مثل هذه المشروعات، ولكن هل أخذوا الاعتبارات البيئية فى الحسبان، وهل كان يمكن لوزارة البيئة قليلة الحيلة أن يكون لها صوت مسموع فى هذه المسائل؟ لا يبدو أن ذلك كان هو الحال.
مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات