المناورات السياسية للحكومة الإسرائيلية - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 8:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

المناورات السياسية للحكومة الإسرائيلية

نشر فى : الثلاثاء 7 سبتمبر 2021 - 8:45 م | آخر تحديث : الثلاثاء 7 سبتمبر 2021 - 8:45 م
إن الحكومة الإسرائيلية الحالية برئاسة نفتالى بينت، تشكلت من ائتلاف بين عدة فرقاء ينتمى كل حزب منهم، صغيرا كان أم متوسطا، إلى اتجاه يكاد يكون معاكسا لاتجاهات الأحزاب الأخرى فى الائتلاف. واعتبرت حكومة إنقاذ للحياة السياسية فى إسرائيل من حالة الارتباك الشديد التى أدخلها فيها رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو، لسبب شخصى وهو البقاء على رأس الحكومة والتمتع بالحصانة فى مواجهة الاتهامات الموجهة إليه والتى يحاكم عليها. وتجمع الحكومة الحالية كل الأطياف السياسية من اليمين المتطرف، إلى اليمين المعتدل، إلى الوسط، واليسار، بل والفلسطينيين داخل إسرائيل لأول مرة. ولا تحظى الحكومة إلا بأغلبية هامشية فى الكنيست تجعل نتنياهو فى حالة تربص منتظرا أية فرصة لإسقاطها والعودة إلى السلطة من جديد، وهو احتمال بعيد المنال لأن الحكومة الحالية تدرك نقاط ضعفها وتغطيها بالمناورات والمزايدات السياسية على المستويين الداخلى والخارجى.
ومن بين المناورات السياسية التى تقوم بها الحكومة الإسرائيلية الحالية، أنه بعد أن كان رئيس الوزراء بينت لا يأذن لأعضاء حكومته بإجراء اتصالات مع السلطة الفلسطينية جريا على ما كان يتبعه رئيس الوزراء السابق نتنياهو على مدى 12 سنة، وافق بنيت على أن يلتقى وزير الدفاع ورئيس حزب أبيض أزرق، بينى جانتس مع الرئيس محمود عباس (أبو مازن) فى رام الله، وقد تم اللقاء يوم 30 أغسطس 2021، ولم يعلن عنه وما تمخض عنه من تفاهمات، إلا فى اليوم التالى للزيارة. وتسرب عن الجانبين أن جانتس وعباس اتفقا على عدة نقاط مهمة بالنسبة لإحداث انفراجة فى العلاقات المتوترة بين إسرائيل والشعب الفلسطينى من ناحية، وتيسر الحياة اليومية على الشعب الفلسطينى من ناحية أخرى. وقد أشار إليها بيان صدر عن وزارة الدفاع الإسرائيلية بأن اللقاء تمت فيه مناقشة إعادة تشكيل الواقع الأمنى والمدنى والاقتصادى فى الضفة الغربية وقطاع غزة، واتخاذ سلسلة من الإجراءات لتعزيز الاقتصاد الفلسطينى، واستمرار التواصل بين الطرفين بشأن مختلف القضايا المثارة. ومن بين ما تم الاتفاق عليه تخفيف الضغوط التى يمارسها الجيش الإسرائيلى ضد الشعب الفلسطينى فى المناطق المحتلة، وتوسيع التعاون الاقتصادى بزيادة تصاريح العمل للعمال الفلسطينيين الذين يعملون فى إسرائيل من 100 ألف عامل إلى 120 ألف عامل، واستئناف العمل فى عدة مشروعات اقتصادية فلسطينية، ومنح آلاف تصاريح بناء للفلسطينيين فى المنطقة (ج) فى الضفة الغربية المحتلة، والسماح بحصول نحو خمسة آلاف أسرة فلسطينية على الجنسية الفلسطينية من عديمى الجنسية وغيرها من الموضوعات. كما تم التشاور بشأن توريد إسرائيل متحصلات الجمارك والضرائب المالية التى تحصلها نيابة عن السلطة الفلسطينية بحكم كونها سلطة احتلال، دون أن تخصم منها ما يعادل ما تصرفه السلطة الفلسطينية شهريا لأسر الأسرى لدى إسرائيل، وأسر الشهداء الذين استشهدوا فى عمليات دفاعية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية، وذلك لأن اليمين الإسرائيلى يعتبر هؤلاء الشهداء والأسرى عناصر إرهابية تعمل ضد إسرائيل وأن صرف السلطة الفلسطينية رواتب لأسرهم يشجع غيرهم على القيام بنفس الأعمال. هذا علما أن الحكومات الإسرائيلية السابقة كانت تتأرجح على فترات ما بين توريد الحصيلة دون خصم فى أوقات انفراج العلاقات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وتوريدها ناقصة فى حالات التوتر والاحتقان.
***
ورغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيت قد أذن لجانتس بلقاء الرئيس محمود عباس، إلا أنه وفى إطار المناورات السياسية، وباعتباره أحد قادة اليمين المتطرف، وكان مدير مكتب نتنياهو وتولى حملته الانتخابية قبل تكوين حزبه «يمينا»، وكان رئيسا لاتحاد المستوطنات، فإنه ومجموعة من وزراء حكومته وأعضاء الكنيست المؤيدين للائتلاف الحكومى، يرون أن جانتس أثناء لقائه مع محمود عباس خرج عن النص، حيث إن بنيت وافق على اللقاء على أن يقتصر على تناول القضايا الاقتصادية والأمنية والمدنية لاسيما نقل المساعدات القطرية إلى غزة. ولكن جانتس تناول القضايا السياسية بناء على طلب الجانب الفلسطينى ليظهروا أن المفاوضات تتناول أيضا إقامة دولة فلسطينية، وهو الأمر الذى يرفضه ولا يؤمن به رئيس الوزراء بنيت والعديد من وزراء حكومته.
وقد أوضح عيساوى فريج وهو قيادى فى حزب ميريتس اليسارى المشترك فى الائتلاف الحكومى الإسرائيلى، أن حكومة بينت تعد حكومة تغيير، وصحيح أنها لن تستطيع بسبب تركيبتها التفاوض الآن على إقامة دولة فلسطينية، لكنها معنية بتغيير سياسة نتنياهو السابقة التى تسببت فى الجمود وانقطاع الاتصالات بين إسرائيل والجانب الفلسطينى على مدى 12 عاما لم يعقد خلالها اجتماع مشترك بينهما على هذا المستوى، وأن حكومة بنيت معنية بفتح آفاق تعيد الثقة وتخفف معاناة الشعب الفلسطينى، وأن حكومة نتنياهو قطعت المفاوضات مع السلطة الفلسطينية منذ سبتمبر 2010، ولكنها ظلت تفاوض حماس طيلة الوقت، وهذا غير طبيعى ولا يفيد أيا من الشعبين.
واستمرارا للمناورات السياسية الإسرائيلية، فقد هاجم قادة من اليمين الإسرائيلى لقاء جانتس مع الرئيس محمود عباس واعتبروه طعنة فى الظهر للمستوطنين الإسرائيليين الذين يتعرضون لأكبر هجمة من رجال فتح بقيادة محمود عباس فى الضفة الغربية. وطالب عدد من الوزراء مناقشة جانتس أثناء اجتماع الحكومة يوم 5 سبتمبر 2021 وما قطعه من وعود لمحمود عباس خاصة بشأن السماح ببناء بيوت للفلسطينيين فى المنطقة (ج) المحتلة، وفتح باب المواطنة لنحو خمسة آلاف أسرة فلسطينية فى إطار جمع شمل الأسرى. وأعلن أحد الوزراء الإسرائيليين بأنه لم يكن ليلتقى مع محمود عباس بأى شكل من الأشكال وهو الذى أنكر حدوث المحرقة اليهودية فى زمن النازية، والذى يحول أموالا لأسر الشهداء والأسرى الفلسطينيين الإرهابيين، وأنه لا ينتظر أن يبقى طويلا فى السلطة. ويرى أحد أعضاء الكنيست من حزب الصهيونية الدينية، أن ما أعلنه جانتس لتقوية السلطة الفلسطينية بحجة إضعاف حماس، هو خدعة تحتوى موقفا سياسيا خطيرا، وهو العودة إلى تسوية على أساس حل الدولتين، وأن من كانوا يعتبرون من اليمين الإسرائيلى يتخلون عن قيم ومبادئ اليمين، ويريدون تسليم الأراضى المقتطعة من جسد أرض إسرائيل إلى الفلسطينيين.

***
نوه جانتس بأهمية المقابلة مع محمود عباس، وأنها تمت بموافقة رئيس الوزراء، وقال أنه عندما فرضت حكومة الليكود عزلة على السلطة الفلسطينية فى رام الله، ازدادت قوة حماس وأصبحت صاحبة الشأن الأكبر فى الشارع الفلسطينى.
وقد هاجم عدد من الفصائل الفلسطينية لقاء جانتس ــ عباس، بشدة، ووصفته بأنه طعنة فى ظهر الشعب الفلسطينى من شأنها تعميق الانقسام وزيادة الوضع تعقيدا، واعتبرت حماس أن اللقاء مستنكر ومرفوض من كل الوطن الفلسطينى، وأن استمرار هذه اللقاءات هو استمرار لوهم السلطة فى رام الله بإمكانية إنجاز أى شىءللشعب الفلسطينى عبر مسار التسوية السياسية الفاشل، وأنه يزيد الانقسام الفلسطينى ويشجع بعض الأطراف فى المنطقة على التطبيع مع إسرائيل، وتضعف الموقف الفلسطينى الرافض لهذا التطبيع.
كما انتقدت فصائل من منظمة التحرير الفلسطينية التى يرأسها محمود عباس، هذا اللقاء، واعتبرته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بمثابة خضوع للرؤية الإسرائيلية المدعومة من أمريكا التى تركز على الحل الاقتصادى سبيلا وحيدا لحل الصراع.
ويلاحظ أن ثمة توافق فى الرأى بين عدة فصائل فلسطينية بأن تخفيض إسرائيل القيود المفروضة على المعابر والبحر وغيرها من الإجراءات التى اتخذتها عقب الحرب الأخيرة هى مجرد إلهاء لاحتواء تنامى المسيرات الحدودية، مؤكدين أن الفعاليات الشعبية الفلسطينية وأنشطة الإرباك الليلى على حدود غزة مستمرة. ورغم هذه الإجراءات إلا أن الغموض ما يزال يحيط بمستقبل التهدئة الممتدة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية فى غزة. وقد تزامن الإعلان عن إجراءات التخفيف الإسرائيلية، مع عودة نشاط المسيرات الحدودية وأنشطة الإرباك الليلى الفلسطينية على حدود غزة مع إسرائيل للمطالبة بكسر الحصار الإسرائيلى المفروض على غزة.
ويرى المراقبون أن كثيرا من التسهيلات الإسرائيلية، خاصة تلك التى تناولها جانتس فى لقائه مع محمود عباس، جاءت بناء على طلب أمريكى من رئيس الوزراء الإسرائيلى خلال لقائه مع الرئيس الأمريكى بايدن فى واشنطن، والذى طالبه بمنع تصعيد الأوضاع مع الجانب الفلسطينى. بينما يرى آخرون أن التسهيلات الإسرائيلية هدفها احتواء الأنشطة الشعبية الفلسطينية المتنامية على الحدود على غزة، وعلى وجه الخصوص فعاليات الإرباك الليلى التى تجرى خلالها تفجير قنابل يسمع دويها فى المستوطنات الإسرائيلية القريبة من غزة، وأن قمع إسرائيل العنيف لهذه المسيرات سيؤدى إن عاجلا أو آجلا إلى رد عسكرى من الفصائل الفلسطينية، خاصة وأن الفلسطينيين فى غزة يرون أن إسرائيل ما زالت تعرقل عملية إعادة الأعمار، وأن غزة فى حاجة إلى رفع الحصار المفروض عليها طوال 15 عاما، وأن يتم رفعه بشكل كامل والسماح بإعادة إعمار القطاع حتى تستعيد غزة عافيتها، لأن الحرب الأخيرة (10 مايو 2021) أدت إلى إلحاق دمار كبير بقطاع الصناعة والإنتاج فى غزة وهو أهم القطاعات الإنتاجية فى القطاع وتشغيل العمالة، وقد عمدت إسرائيل إلى تدميره.
***
وهكذا يتضح أسلوب المناورات السياسية الإسرائيلية بأن تشدد الحصار والقيود والإجراءات القمعية على الشعب الفلسطينى، وتفتعل المواجهات التى قد تتحول إلى عمليات عسكرية مع الفصائل الفلسطينية، ثم تبدأ فى تخفيف الحصار والقيود والإجراءات القمعية وتصحبها بحملة سياسية وإعلامية واسعة بدعوى أنها تقدم تنازلات للجانب الفلسطينى، وكأن السماح لهم ببناء بيوت على الأراضى الفلسطينية يعد تنازلا، وكأن السماح بمنح الجنسية الفلسطينية لعديمى الجنسية من الشعب الفلسطينى داخل وخارج الأراضى الفلسطينية يعد تنازلا من جانب إسرائيل.
إن الموقف الإسرائيلى الحقيقى واضح على لسان مسئولين إسرائيليين وهو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية بتكوينها لن تدخل فى مفاوضات تؤدى إلى حل الدولتين. وموقف إسرائيل واضح على لسان بعض وزراء هذه الحكومة بأن رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالى بنيت لا يعترف ولا يؤمن بحل الدولتين، ومن ثم فإن أقصى ما يمكن لحكومته القيام به سواء بالمفاوضات مع الجانب الفلسطينى مباشرة أو بطريق غير مباشر، هو اللجوء إلى المناورات السياسية بتخفيف الإجراءات الإسرائيلية المشددة. وقد كان هذا الموقف الإسرائيلى باديا خلال زيارة بنيت لواشنطن ولقائه مع بايدن حيث أخذ موضوع إيران سواء ملفها النووى أو وجودها فى عدد من دول المنطقة، ومباحثات الولايات المتحدة للعودة للاتفاق النووى مع إيران مساحة أكبر بكثير من حل موضوع الدولتين للقضية الفلسطينية. وأن إنجاز حل الدولتين يتوقف على مدى وجود رغبة حقيقية لدى الرئيس الأمريكى بايدن لإتمامه أو وضعه على طريق التحقق خلال مدة رئاسته الحالية التى قد لا تجدد لأسباب عديدة، وقد يرغب فى عمل جدى ومهم فى الشرق الأوسط لجبر ما أصاب بايدن من أضرار سياسية نتيجة الأوضاع فى أفغانستان.
رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات