مسئولية على عاتق التونسيين - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 5:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


مسئولية على عاتق التونسيين

نشر فى : السبت 7 سبتمبر 2019 - 8:30 م | آخر تحديث : السبت 7 سبتمبر 2019 - 8:30 م

دعت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات فى تونس إلى إجراء الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية يوم الأحد القادم 15 سبتمبر. المرشحون للمنصب الرفيع يبلغون الستة والعشرين هم الذين قبلت الهيئة أوراق ترشحهم. كان المفترض أن تنعقد هذه الانتخابات فى شهر نوفمبر المقبل إلا أن وفاة الرئيس الباجى قائد السبسى فى شهر يوليو الماضى عجلت بها حيث ينص الدستور التونسى لسنة 2014 على أن الرئيس المؤقت لا يمكنه أن يشغل منصب الرئاسة الشاغر لأكثر من تسعين يوما. إجراء الانتخابات فى منتصف سبتمبر يسمح باحترام مهلة التسعين يوما لأنه مفروغٌ منه أن انتخاب رئيس جديد للجمهورية التونسية سيحتاج إلى عقد دورة ثانية لأن أيا من المرشحين لن يمكنه الحصول على الأغلبية المطلقة من أصوات الناخبين فى الدورة الأولى. قبل الخوض فى تناول الانتخابات الرئاسية، يجدر ملاحظة أن الضغط سيكون معتبرا على مجموع الناخبين التونسيين وعلى المجتمع السياسى التونسى وعلى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات فى الشهرين القادمين حيث إنه تحدد الأسبوع الأول من شهر أكتوبر لإجراء الانتخابات التشريعية، وهو التوقيت الذى كان محددا لها بالفعل من قبل وفاة الرئيس السبسى. ما تغير هو ترتيب الانتخابات، فالآن ستسبق الرئاسيةُ التشريعيةَ وليس العكس كما كان مخططا.
الانتخابات الرئاسية التونسية يُنظر إليها من منظورين على الأقل، الأول تونسى والثانى عربى. فى المنظور التونسى، الأمر يتعلق باختيار شخصية تقود البلاد فى الفترة الدقيقة لتكريس التحول الديمقراطى الممتد منذ سنة 2011. صحيحٌ أنه فى السلطة التنفيذية ذات الرأسين بمقتضى دستور سنة 2014، يمارس رئيس الحكومة أغلب السلطات التنفيذية من رئاسة مجلس الوزراء، واختيار أعضاء الحكومة وتغييرهم وتحديد اختصاصاتهم، مرورا باقتراح اسم محافظ البنك المركزى على رئيس الجمهورية إلى إنشاء الوزارات والمؤسسات وإلغائها. ومع ذلك، فإن رئيس الجمهورية له صلاحيات يعتد بها تشمل أمور السياسة الخارجية والدفاع، بعد استشارة رئيس الحكومة، مرورا بتعيين مفتى الجمهورية إلى رئاسة مجلس الأمن القومى الذى يدعو هو إليه رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب. ولرئيس الجمهورية كذلك الحق فى التعيينات فى الوظائف الدبلوماسية والعسكرية العليا، وإن كان ذلك بعد استشارة رئيس الحكومة. غير أن أهم صلاحيات رئيس الجمهورية هى تلك التى يمارسها عندما لا توجد أغلبية فى مجلس نواب الشعب تمنح الثقة للحكومة التى يُكَلَفُ بتشكيلها مرشحُ الحزب السياسى أو الائتلاف الانتخابى الحاصل على أكبر عدد من المقاعد فى المجلس. عندما لا يمكن لهذا المكلف بتشكيل الحكومة الحصول على الثقة، فإن رئيس الجمهورية يقوم فى خلال عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية من أجل تكليف الشخصية الأقدر بتكليف حكومة فى خلال مهلة أقصاها الشهر الواحد. هذه سلطة تقديرية عظيمة الأهمية فى الظروف التى لا تكون فيها ثمة أغلبية فى المجلس. هذه الصلاحية مارسها الرئيس قائد السبسى عندما عين الحبيب الصيد فى يناير 2015 ثم وبشكل خاص يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الحالى فى أغسطس سنة 2016، وجمع لهما أغلبية تؤازرهما بالثقة فى الحكومة التى شكلها كل منهما. فى حالة يوسف الشاهد بالذات وفر الرئيس السبسى بممارسة سلطته التقديرية نوعا من الاستقرار لتونس بعد تواتر تغيير الحكومات فيما بين 2011 و2014 وفى فترة شديدة الاضطراب أمنيا واقتصاديا حيث نشط الإرهاب وانحسرت السياحة، المصدر الأول للعملة الأجنبية فى البلاد. أغلب التقديرات تذهب إلى أن انتخابات شهر أكتوبر التشريعية لن تفضى إلى فوز أى حزب بالأغلبية المطلقة فى مجلس نواب الشعب وأن اتفاق الأحزاب على تشكيل ائتلافات بينها سيكون من الصعوبة بمكان وهو ما من شأنه أن يؤدى إلى أن يمارس رئيس الجمهورية الجديد السلطة التقديرية التى يخولها له الدستور. يذكر أخيرا بصدد صلاحيات رئيس الجمهورية التونسية أنه إن فشلت حتى سلطته التقديرية فى تأمين الثقة للحكومة فى غضون أربعة أشهر من تكليف رئيسها بتشكيلها، فإن له حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة خلال فترة أقصاها تسعين يوما.
***
استعراض أسماء المرشحين لتولى الرئاسة التونسية يبين التعددية والتنوع بينهم. فيهم امرأتان، وسبعة رجال أعمال وسيدة أعمال واحدة، ومنهم نقابى واحد، وثلاثة أساتذة أكاديميين، وثلاثة أطباء، وأربعة مهندسين، وأربعة محامين منهم محامية، وخمسة عرفوا أنفسهم بأنهم سياسيون فقط. من بين المرشحين رئيس الحكومة الحالى، ورئيس مجلس نواب الشعب بالإنابة الحالى وعضوة بالمجلس، ورئيس أسبق للجمهورية، وثلاثة رؤساء حكومة سابقين، وثمانية وزراء حاليين أو سابقين، ومالك ومالكة لقناتين تلفزيونيتين. يُلاحَظُ أنه لا يشكك أحد من المرشحين فى شرعية ترشح منافسيه وهذا فى حد ذاته علامةٌ على التقدم على طريق الديمقراطية.
من بين الستة والعشرين، يبرز عدد من المرشحين. أول هؤلاء هو رئيس الوزراء الحالى يوسف الشاهد، ويحسب له شبابه فهو لم يبلغ بعد الرابعة والأربعين من العمر فضلا عن الخبرة التى اكتسبها فى حكم البلاد فى السنوات الثلاث الأخيرة. هو خرج عن الحزب العلمانى الأكبر، نداء تونس، وأسس حزبه الصغير، «تحيا تونس».. كما أنه يواجَهُ بمعارضةِ الاتحاد العام التونسى للشغل ذى الوزن الاجتماعى والسياسى المعتبر، ولكنه من جانب آخر ينتمى على أى حال للتيار العلمانى ويحظى بتأييد دوائر غير «النداء» فيه وبعلاقات تعاونية مع حزب «حركة النهضة» الذى سانده فى مجلس نواب الشعب المنتهية ولايته ومكنه من الاستمرار فى الحكم. وتذكر للشاهد أيضا علاقاته الإقليمية والدولية المساندة له. عبدالكريم الزبيدى، وزير الدفاع فى حكومة يوسف الشاهد، وهو طبيب، مرشح مستقل ولكنه يبرز بتأييد «نداء تونس» و«آفاق تونس» له. نبيل القروى، رجل الأعمال وصاحب قناة «نسمة» التلفزيونية يعتمد على أعماله «الخيرية» بين الفقراء والمحتاجين، غير أنه قيد السجن فى الوقت الحالى متهما بالفساد. رئيس الجمهورية الأسبق، منصف المرزوقى، بارز بشخصه ولكن لا تبدو له حظوظ فى المرور إلى الدورة الثانية فى الانتخابات فالعلمانيون لا يرتاحون إليه وهو لا يمكنه أن يعول على «النهضويين» فى وجود مرشح لهم. يوجد ثلاثة مرشحين يساريين، الأول هو مرشح الجبهة الشعبية، منجى الرحوى، والثانى، حمة الهمامى، تقدم كمستقل بعد أن انفصل عن الجبهة أخيرا. عبيد البريكى هو التقدمى الثالث وهو مرشح حركة «إلى الأمام تونس» المكونة من عدد من الأحزاب التقدمية الصغيرة، وهو قيادى سابق فى الاتحاد العام التونسى للشغل. الانقسام بين التقدميين لا يبشر بخير لهم. بين التيار الإسلامى، يبرز عبدالفتاح مورو، رئيس مجلس نواب الشعب بالإنابة. هو مرشح حزب «حركة النهضة» الذى صار يفضل على صفة «الإسلامية» اللصيقة به اعتباره حزب الديمقراطيين الإسلاميين، تأسيا بالديمقراطيين المسيحيين الأوروبيين. اختيار مورو كمرشح للحزب هو تعبير عن ذلك، فهو المعروف عنه «ليبراليته» المستمدة، ربما، من دراسته للحقوق وعمله السابق كقاض ومحام، وعلاقاته الودودة بالعلمانيين. ومع ذلك، فيبدو أن دوائر «النهضة» تدرك أن مجموع الهيئة الناخبة التونسية ليس مستعدا بعد، على الأقل، لانتخاب رئيس إسلامى. حمادى الجبالى رئيس الحكومة الأسبق تقدم كمرشح مستقل بعد أن استقال من حزب «حركة النهضة»، الذى كان قد شغل منصب الأمين العام له. بدون تنظيم سياسى متين كسند له، لا تتراءى أى فرصة لحمادى الجبالى.
***
المرشحون البارزون يندرجون إذن فى أربعة اتجاهات ثلاثة منها علمانية، يمثلها يوسف الشاهد، وعبدالكريم الزبيدى، وكلاهما ليبراليان بشكل عام، ونبيل القروى ويمكن اعتباره شعبويا، بمعنى تقديم تلبية الاحتياجات المباشرة للناس فى الأجل القصير ولو على حساب الاستدامة والأجل الطويل والمبادئ الديمقراطية، والاتجاه العلمانى الثالث هو الذى يشكله اليسار المنقسم بين ثلاثة مرشحين هم الرحوى والهمامى والبريكى. الاتجاه الرابع هو التيار الإسلامى ومرشحه المعتبر الوحيد هو مورو. ويثور السؤال: من هما المرشحان اللذان يمكنهما الوصول إلى الدورة الثانية؟ هل يكون كلاهما علمانيين أم يكون أحدهما مورو؟ لا يمكن أن يكون لأى مرشح يسارى فرصة إلا أن توحد اليسار. فإن لم يتوحد فإما أن يصل واحد من الليبراليين الاثنين ومعه القروى، المرشح الشعبوى، وإما أن يواجه أحدهما مورو. فى الحالتين، حظوظ المرشح الليبرالى هى الأوفر، خاصة إن كان هو الشاهد. إن كان خصم الشاهد هو القروى، فإن ناخبى «النهضة» الذى تعاون معه سيمنحونه أصواتهم، وإن كان مورو فإن العلمانيين سيلتفون حوله، وهو ما من شأنه أن يحدث أيضا لو كان الزبيدى هو الليبرالى الذى يصل إلى الدورة الثانية. المأزق الحقيقى سينشأ إن وصل إلى الدورة الثانية كل من الشعبوى القروى، والنهضوى مورو على الرغم من خصاله الشخصية الحميدة.
فى كل الحالات إتمام الانتخابات الرئاسية ثم استكمالها بتشكيل حكومة يقدر الرئيس المنتخب فرص حصولها على ثقة أغلبية نواب الشعب، ويشترك هو فى تأمين هذه الثقة لها، سيكون انتصارا لمجمل الشعب فى تونس وتكريسا للديمقراطية فيها، لعل تحسن الظروف الاقتصادية يسهم أيضا فى تحقيقه.
المتطلعون إلى رفعة الإنسان وازدهاره فى العالم العربى يتابعون بأمل الانتخابات التنافسية الحقة فى واحد من بلدانهم، تونس، ويتوقون إلى نجاح نموذج الديمقراطية التعددية فيه.
هذا النجاح مسئولية تقع على عاتق التونسيين، والتونسيات، وهم أهل لها.

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات