التربية الإعلامية تقدم فرصا لتقدم العالم العربى - قضايا إعلامية - بوابة الشروق
الأربعاء 1 أبريل 2020 12:53 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

التربية الإعلامية تقدم فرصا لتقدم العالم العربى

نشر فى : الجمعة 7 أغسطس 2015 - 9:25 ص | آخر تحديث : الجمعة 7 أغسطس 2015 - 9:25 ص

منذ بدايتها فى منتصف القرن العشرين، أصبحت التربية الإعلامية ركنا أساسيا فى العديد من برامج الإعلام فى جميع أنحاء العالم. لكن العالم العربى بقى استثناء فى هذا المجال. فقبل عقدٍ من الزمن، لم توفر أية جامعة عربية برامج لمحو الأمية الإعلامية. حتى إن المصطلح كان غريبا بالنسبة لمعظم الأساتذة فى مجال الإعلام، بحسب الدراسة التى أجريتها عام 2005.

وعندما سألت بعض الزملاء حول فكرة إدخال مناهج وبحوث فى مجال محو الأمية الإعلامية ليتم تدريسها فى جامعتى – الجامعة الأمريكية فى بيروت – لم تكن ردودهم مشجعة، إذ قالوا بأن محو الأمية الإعلامية يعد مجالا حساسا بالنسبة للآباء والأمهات الذين يشعرون بالقلق حيال عادات مشاهدة التلفاز لدى أطفالهم. وبصفتى أب لثلاثة أطفال فأنا أشعر بالقلق حيال استهلاكهم للمواد الإعلامية، وأقوم بضبط القائمة بشكلٍ دقيق. ولكن وبصفتى أستاذ وناشط يشعر بالقلق إزاء أجيال من الأطفال العرب الذين يكبرون تحت تأثير وسائل إعلام مضللة، لذا شعرتُ بأن لمحو الأمية الإعلامية دورا فى غاية الأهمية.

•••

كانت أول حلقة دراسية حول محو الأمية الإعلامية تم إدخالها للجامعة الأمريكية فى بيروت فى عام 2009 مصاغة بشكلٍ تام تقريبا للمنهاج الذى طورته الأستاذة التى أشرفت على شهادة الدكتوراة الخاصة بى فى كلية الصحافة فى جامعة ميريلاند، كولج بارك. إذ غرست سوزان مولر فى منهاجها موضوعات متنوعة تتناول قضايا من الحياة اليومية للطلاب، بما فى ذلك ملكية وسائل الإعلام، وصياغة الأخبار والسياسة، والتصوير الفوتوغرافى والحرب، وصورة الجسد، وتقدير الذات، والعنف، والجنس، والعرق، والجنسانية، والدعاية الكاذبة «البروباجاندا». ساعدت أنا وزميلى بول ميهايليدس، وقد كان كلانا يدرس دكتوراه تحت إشراف الدكتورة مولر فى وقتها، الدكتورة فى تطوير المنهاج الدراسى. دفعنا معنا باتجاه منظور أكثر عالمية، وإدخال كفاءات لمحو الأمية الرقمية، وترسيخ هامش للنشاط المدنى. وأدخلنا فى المحاضرات النظرية مجموعة من المهام المتينة للطلاب.

كانت الفلسفة التى نسير على هديها تركز على كون محو الأمية الإعلامية أكثر بكثير من مجرد تعليم الطلاب على كيفية الوصول إلى، وتحليل وتقييم الرسائل الإعلامية. وقد كان هذا هو التعريف التقليدى لمحو الأمية الإعلامية طوال عقود.

وما يجب على محو الأمية الإعلامية والرقمية فعله هو التركيز على كيفية القراءة والمشاهدة والاستماع الناقد للرسائل الإعلامية، وفك شفرات الأيديولوجيات الكامنة وراءها، وتقييم النوايا الدعائية والسياسية والتجارية التى تتضمنها، ووقاية المستهلكين لوسائل الإعلام من بعضٍ من آثارها الخفية، والضارة، والمثيرة للكراهية. لكن محو الأمية الرقمية والإعلامية تمنح الأفراد أيضا القدرة على إدارة عاداتهم الإعلامية بذكاء، واستخدام الوسائل الرقمية بصورةٍ فعالة للأغراض الشخصية، والسياسية، والتجارية، والمشاركة فى النقاشات الوطنية والعالمية. حيث سيتعلم الأفراد التعبير عن آرائهم بشكلٍ فعال والدفاع عن معتقداتهم. كما سيوفر محو الأمية الرقمية والإعلامية المعرفة والكفاءات التى تحتاجها المجتمعات المهمشة والمحرومة لخلق حالة من التوازن تقابل قوة شركات الأعمال الكبرى، وتكدس الثروات، والسلطات الحكومية الجامحة.

إن محو الأمية الرقمية والإعلامية هو تثقيف إعلامى للجماهير. إنه يمثل الثورة الصامتة التى يمكن لها أن تواجه أيديولوجيات الجشع، والكراهية، والموت، والكفاح من أجل تعميم وعولمة العدالة الإجتماعية وأنظمة المساواة.

وما أن مر عام واحد فقط على إدخال المنهج إلى الجامعة، حتى لاقت مادة محو الأمية الإعلامية نجاحا فى أوساط الطلاب، لتصبح بعد فترةٍ وجيزة حلقة دراسية تثقيفية عامة ومفتوحة لعموم الحرم الجامعى. لكن وحتى العام 2011، ظل محو الأمية الإعلامية محدودا بشكلٍ كبير فى عددٍ قليل من جامعات النخبة فى المنطقة وبحاجة شديدة لأن يتم إعادة تركيزه على المستوى المحلى، مما يمكن إنجازه فقط من خلال إجراء أبحاث محلية. لذلك، بدأت مجموعة من الطلاب والأساتذة العرب والأجانب الشغوفين فى عام 2010 بتطوير أساليب تعليم محو الأمية الرقمية والإعلامية فى المنطقة العربية. كان العديد متشككين لأسبابِ مفهومة، بسبب الإرهاب، والحروب الأهلية، والثورات، والأنظمة الاستبدادية فى عموم أرجاء المنطقة. من الذى سينظر لمحو الأمية الإعلامية باعتبارها أولوية فى مثل هذا السياق الكئيب؟ ولكن منحا سخية من مؤسسات المجتمع المفتوح، ومن ثم من مؤسسة المونيتور للأخبار والهيئة الألمانية للتبادل الثقافى DAAD منحتنا بعض الأمل. فى عام 2011، عقدنا مؤتمرا تحت عنوان «محو الأمية الرقمية والإعلامية: الاتجاهات الجديدة». بعد ذلك، أصبح مصطلح «محو الأمية الإعلامية» مصطلحا يأخذه أساتذة الإعلام العربى على محمل الجد. لكن الكثيرين منهم قالوا إنهم يفتقرون للمهارات الرقمية التى تؤهلهم لتدريسه، وبأنهم يحتاجون أيضا للمناهج الدراسية المتعلقة بالموضوع باللغة العربية.

•••

لذا وفى عام 2013، أطلقنا أول أكاديمية للتربية الإعلامية والرقمية فى بيروت MDLAB للمساعدة فى هذه القضايا. كان الهدف تدريب العشرات أو نحو ذلك من أساتذة الإعلام العرب والقيام معا بوضع مناهج لمحو الأمية الإعلامية، ليس باللغة العربية فحسب، بل نابعا من الثقافات العربية أيضا.

فى البداية، ساورتنا الكثير من الشكوك. كيف سيتم استقبال المشروع؟ هل سينظر الأكاديميون العرب للأمر على أنه استيراد من قبل الجامعة الأمريكية لمنهج دراسى من الغرب؟ وهل سيكون فى إمكاننا مناقشة موضوعات حساسة – تمتد من الجنس والجنسانية وحتى الطائفية والإرهاب – فى غرفة مليئة بالأكاديميين العرب ممن ينتمون لشتى الأقسام الطائفية والثقافية والسياسية؟ كانت هنالك مجازفة من الإدارة فى بيروت فى وقتٍ كان فيه العنف السياسى والسيارات المفخخة روتينا يوميا تقريبا فى نشرات الأخبار. وقبل يومين فقط من انعقاد الأكاديمية، تم اختطاف طيار تركى فى لبنان، مما أثار أزمة دولية. وانفجرت سيارتان مفخختان على بعد خمسة أميالٍ فقط من الحرم الجامعى. فاعتقدت أننا سنكون محظوظين إذا نجحنا فقط فى استضافة الحدث لمرة واحدة. لكننى كنت مخطئا فى ذلك.

كان الصدى مذهلا. فقد حضر ضعف العدد المتوقع من المشاركين. وتبنى أساتذة وطلاب دراسات عليا من سوريا، وفلسطين، والعراق، والأردن، ولبنان من المتحمسين للتعلم والمشاركة فى النقاشات، أسس محو الأمية الرقمية والإعلامية. وسرعان ما أدركنا مدى حاجتنا الماسة لمحو الأمية الإعلامية فى العالم العربى. «يجب ألا تتوقف هذه الحركة،» قال أحد الأساتذة من جامعة دمشق: «نحن بحاجة ماسة لهذا النوع من التعليم أكثر من أى وقتٍ مضى إذا ما كنا نأمل فى مواجهة ثقافة الكراهية، والجهل، والموت فى منطقتنا». ففكرت فى داخل نفسى وقلت، «مدهش! هذا الرجل، الذى لا يعرف إذا ما كانت جامعته ستظل قائمة عندما يعود إلى سوريا، أو إذا ما كانت عائلته ستكون على قيد الحياة، أو حتى إذا ما كان بلده سيبقى موجودا عند مغادرته للبنان، يرى فى محو الأمية الإعلامية توجها يمكن أن ينتشل مجتمعاتنا من هذا الجحيم العميق الذى انحدرت إليه، لذا لا يمكن العودة للوراء».

وبعد عامٍ واحد، كانت جامعة دمشق من بين أولى المؤسسات فى إدخال مادة محو الأمية الرقمية والإعلامية فى مناهجها، وهو إنجازُ لا يمكن تصديقه نظرا للبيروقراطية التى يتوجب على الأكاديميين السوريين أن يناوروا معها من أجل إحداث أية تغييرات جوهرية فى المناهج الدراسية، ناهيك عن ظروف الحرب.

•••

اليوم، تقوم نحو عشرين جامعة عربية بتدريس محو الأمية الإعلامية. وقد أدخلت بعضٌ منها دورات كاملة. فيما قامت أخرى باستعمال الوحدات التى وضعتها أكاديمية التربية الإعلامية والرقمية فى بيروت MDLAB لتتخلل المواد المنهجية لمحو الأمية الإعلامية دورات الإعلام التقليدية الخاصة بهم. الأهم من ذلك، هو مساعدة أكاديمية التربية الإعلامية والرقمية فى بيروت MDLAB للعديد من الأكاديميين من أجل تركيز مناهج محو الأمية الإعلامية الخاصة بنا على أولويات المجتمعات العربية. ففى الجامعة الأمريكية فى بيروت، يتضمن المنهج الدراسى الأساسى الآن موضوعات حول الإرهاب، والطائفية، والتطرف، والحرب، ويؤكد على حقوق الإنسان، والتسامح، والمواطنة العالمية. ويعود الفضل فى هذا النجاح المدهش للعديد من الزملاء العرب والأجانب ممن ساهموا فى إنجاح هذا الجهد، بدءا من بعض النجوم العالميين البارزين فى مجال محو الأمية الإعلامية وحتى بعضٍ من طلابى السابقين.

•••

نحن متحمسون لكون أكاديمية التربية الإعلامية والرقمية فى بيروت MDLAB ستشمل من بين المشاركين فيها هذا العام مدرسين من الكلية الدولية فى بيروت، وهى مدرسة إعدادية تابعة للجامعة الأمريكية فى بيروت، وأول مدرسة عربية تعتبر محو الأمية الإعلامية أولوية استراتيجية بشكلٍ رسمى. يتمثل هدفنا بأنه وبحلول نهاية هذا العقد ستمتلك كل دولة عربية مدرسة واحدة وجامعة واحدة على الأقل تدرس محو الأمية الإعلامية كمنهجٍ دراسى أساسى.

لكننا لا نزال بعيدين عن تحقيق أهدافنا. حيث إن تقديم دورة واحدة أو أكثر على المستوى الجامعى ليس بالأمر الكافى. لأن تعليم الإعلام العربى نفسه بحاجة لتأصيل محو الأمية الرقمية والإعلامية، وتحتاج دورات محو الأمية الإعلامية لأن تكون أساسية على جميع طلاب الجامعة، وليس للمختصين فى مجال الصحافة والإعلام الجماهيرى فقط. نحن بحاجة لإنشاء المزيد من الوحدات والدورات المتوفرة على الإنترنت باللغة العربية من أجل الوصول إلى جمهورٍ أوسع. والأكثر من ذلك، هو حاجة التربية الرقمية والإعلامية للتحرك على طول الطريق وصولا إلى المدارس. نحن بحاجة لتأسيس مجموعة متميزة من الأساتذة، والأكاديميين، والباحثين القادرين على الارتقاء بالبحوث والتربية الإعلامية إلى المستوى التالى إلى المستوى الذى يمكننا فيه حقا مواجهة ثقافة الكراهية، والجهل، والموت فى منطقتنا.

لكل زملائى الموقرين المتشككين، أقول، أنتم على حق. الأمر برمته يتعلق بأطفالنا …وأحفادنا …وأطفالهم. وأى سببٍ أكثر أهمية منهم لنكرس أبحاثنا، وتعليمنا، وحياتنا من أجله؟

ينشر بالاتفاق مع مجلة الفنار للإعلام

جاد ملكى

أستاذ مشارك فى دراسات الصحافة والإعلام فى الجامعة الأمريكية فى بيروت

ومؤسس أكاديمية التربية الإعلامية والرقمية فى بيروت

التعليقات