فى زمن الجائحة.. من له حق التحدث باسم «العلم»؟ - نبيل مرقس - بوابة الشروق
السبت 15 أغسطس 2020 12:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

فى زمن الجائحة.. من له حق التحدث باسم «العلم»؟

نشر فى : الثلاثاء 7 يوليه 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : الأربعاء 8 يوليه 2020 - 11:25 ص

‏لقد أثبتت جائحة كوفيدــ١٩ أن هناك طلبا اجتماعيا فى ساحة الجدل العام عمن يمثل المتحدث الرسمى باسم «مؤسسة العلم» لإعلام رجل الشارع المأزوم والمتحير بحقائق محددة ومنضبطة عما يهدده من مخاطر صحية وكيفية التعامل معها فى حياته اليومية. ولأول مرة فى التاريخ الحديث أصبح الإنصات إلى «رجل العلم» مثل «د. أنتونى فاوشى» فى الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، لا يقل إمتاعا ومهابة عن الإنصات لرجال السياسة أو الدين أو الفكر. وأصبح المتلقى يميز بين المحتوى الشعبوى المخاطب للغرائز لرجل السياسة مثل أحاديث رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أو رئيس البرازيل، والمحتوى المنضبط والموضوعى المخاطب للعقل (وغير الخاضع لتلاعبات ومصالح الطبقة السياسية الحاكمة) لأحاديث رجال العلم مثل د. أنتونى فاوشى Anthony Fauci فى الولايات المتحدة الأمريكية ود. كريس ويتى Chris Whitty فى بريطانيا.
***
فقدت مؤسستا «السياسة» و«الدين» كثيرا من هيبتهما المستحقة وشرعيتهما المجتمعية حين حاولتا فى سذاجة منافسة «رجال العلم» على أرضية تفسير الحقائق وتهدئة الخواطر المضطربة، مثل محاولة بعض رجال الدين المسيحيين والمسلمين فى مصر الادعاء جهلا بأن الصلاة وحدها تمنع الإصابة بالوباء، رغبة فى إشباع احتياج رجل الشارع إلى الحديث الواضح المطمئن عن كيفية الخروج الآمن من هذه الأزمة المستعصية. فحتى فى المجتمعات محدودة النمو مثل مصر والسعودية والأردن أصبحت الأرقام والإحصاءات اليومية ــ بغض النظر عن مدى دقتها ــ عن عدد الإصابات وأعداد المتوفين تلقى اهتماما شعبيا يؤكد أهمية الإنصات إلى مؤسسة العلم وصوتها المنضبط بشرط عدم خضوعها لألاعيب رجال السياسة وأن يكون صوتها واضحا شجاعا ونزيها.
أصبح لزاما على «رجال العلم» تطويع مصطلحاتهم المعقدة مثل مصطلح الـ R0 الذى تردد أخيرا والذى يعبر عن حدة انتشار العدوى، بلغة يسهل وصولها إلى رجل الشارع ذى الثقافة المحدودة. وأصبح من المطلوب أيضا وجود رقابة علمية جادة ذات طابع مؤسسى على طوفان الأخبار التى تعتمد على أنصاف الحقائق وعلى القراءة المتعجلة غير الواعية لبعض التقارير العلمية التى خرجت من أدراج العلماء إلى ساحة الجدل العام قبل تدقيقها وإنضاج محتواها العلمى بشكل رصين. راجع على سبيل المثال سيل المعلومات المتداولة على صفحات التواصل الاجتماعى عن علاجات ناجعة لمرض الكوفيدــ19 ثبت عدم دقتها وتم رفضها بعد ذلك من الدوائر العلمية المتخصصة، مثل إشكالية تقييم استخدامات دواء الهيدروكسى كلوروكين.
ظهر نجوم جدد فى ساحة الجدل العام يلعبون دور الوسيط بين «رجال العلم» المختفين عن الأنظار والجمهور العام، فى لحظات انقطاع التواصل والتحرق إلى المعلومات الصحيحة فى وسط دوامات الإغراق المعلوماتى عن الجائحة على صفحات الفيسبوك. ونجح شخص مثل بيل جيتس رجل الأعمال والمبدع فى عالم تكنولوجيا الإتصال أن يلعب هذا الدور وأصبح منافسا لرجال السياسة فى الساحة الإعلامية. فاضطر المناوئين له إلى قصف صورته الإعلامية الجذابة باستخدام سلسلة من الإشاعات والمؤامرات الكونية لتشويه حضوره أمام الجمهور العام، مثل شائعة استخدام اللقاح بواسطة جيتس ومؤسساته الخيرية لحقن كل عموم الناس بالشريحة الإلكترونية التى سوف تتحكم فى سلوك البشر عن بعد.
ربما يكون من المناسب الإشارة فى هذا السياق العام بأثر رجعى إلى الكتابات الرائدة والمبكرة لـJohn Desmond Bernal عالم البيولوجيا الجزيئية البريطانى وأشهر من كتب فى القرن العشرين عن «الوظيفة الاجتماعية للعلم» (راجع كتاب Andrew Brown – JD Bernal A Sage of Science) بحكم دوره الطليعى فى إدراك التفاعل إيجابا وسلبا بين مؤسسة العلم بصورتها الموضوعية المثالية Ideal Type التى نحترمها ونجلها جميعا، والمجتمع الرأسمالى الحديث بصراعات المصالح والأيديولوجيات داخله التى تؤثر حتما فى «المنتج العلمى» باعتباره منتج بشرى يجرى إنتاجه من قبل مجموعة من البشر يتأثرون بما حولهم من صراعات وتحيزات ثقافية واقتصادية وطبقية ومفاهيمية.
***
الملاحظة الأخيرة تتعلق بالحق المزعوم لمؤسسة العلم فى إزاحة كل المعارف الثقافية التقليدية «ما قبل الحديثة» باعتبارها عبئا على التقدم والحداثة. أظن أن هذا الأمر يتعلق فى جوهره بالحقوق الثقافية والأخلاقية لكل مجتمع بشرى فى أية مرحلة من مراحل تطوره الإنسانى أن يُعَبِر عن وجوده ونمط حياته وهويته الإنسانية بالطريقة التى يختارها. فلا يستطيع أحد فى المجتمع الأمريكى الحديث بكل تقدمه العلمى والصناعى أن يعترض على حق مجتمع الآميش Amish فى ممارسة أسلوب حياتهم ومعيشتهم التى تتخلى عن الإغراق فى الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة. وأيضا لا يستطيع أحد فى المجتمع الأمريكى الحديث أن يشكك فى «قدسية» الثقافة الهندية القديمة فى ذهن وعقيدة أصحاب الأرض الأصليين ونظرتهم التكاملية الأخلاقية إلى الحياة والطبيعة والإنسان التى قد نحتاج إلى التعلم منها لإعادة التوازن إلى عالمنا الحديث المغرق فى ممارساته المادية الاستعمالية اللاأخلاقية للإنسان والطبيعة، مثل قرار ترك بيوت المسنين فى المجتمعات الأوروبية والأمريكية ليجتاحها الفيروس دون أية استعدادات مسبقة باعتباره شرا لا بد منه (راجع Carlos Castenada فى كتابه الشهير The Teachings of Don Juan – A Yaqui Way of Knowledge).

نبيل مرقس باحث بمعهد التخطيط القومي (سابقاً)
التعليقات