الحكومة العراقية الجديدة واختبارات القوة - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الإثنين 23 نوفمبر 2020 6:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

الحكومة العراقية الجديدة واختبارات القوة

نشر فى : الثلاثاء 7 يوليه 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 7 يوليه 2020 - 8:15 م

استغرق تشكيل الحكومة العراقية الجديدة نحو خمسة أشهر بعملية أشبه بولادة قيصرية، واختيار رئيس لها من خارج التكتلات والأحزاب السياسية، وهو مصطفى الكاظمى الذى شكل الحكومة على مرحلتين إلى أن اكتملت منذ نحو شهر وهو رجل المخابرات السابق وكاتب ولديه خبرات واسعة، ويسعى لأن يكون بعيدا عن أى استقطاب عرقى أو دينى أو سياسى، أو إقليمى أو دولى، وآن تعمل حكومته مع الجميع من أجل إعادة بناء عراق قوى مستقل متعاون مع الجميع.
وقد أعلن رئيس الحكومة فى 25 /6/ 2020 أن حكومته تواجه تحديات كبيرة سواء على المستوى الاقتصادى والاجتماعى والسياسى، أو فى مواجهة وباء كورونا وتبعاته، وعلى مستوى تحديد الهوية الوطنية، ومعالجة الفشل المتراكم طوال نحو 17 عاما فى ظل نظام المحاصصة والتى تعتمد على الحزبية بالدرجة الأولى. وقد أدى هذا إلى عدم القدرة على بناء مؤسسات الدولة الحقيقية والقوية، وعدم وجود نظام اقتصادى يسمح بمواجهة التحديات، والاعتماد على موارد النفط بما يزيد على 95% من الدخل القومى على مدى سنوات طويلة.
وطالب رئيس الوزراء الجميع بالاتحاد سواء كانت الحكومة، أو البرلمان، والمجتمع لمواجهة هذه التحديات، ووقف الصراعات الطائفية وأن تكون المواطنة هى المعيار الوحيد، وأهمية الاستعداد للانتخابات المبكرة والتى لابد أن تتوافر لها البيئة المناسبة لتكون نزيهة وليست تحت تهديد السلاح واغتيال المرشحين، وهذا يتطلب إصلاح النظام السياسى، وإطلاق حملة للسيطرة على المنافذ الحدودية، وعدم السماح بالتدخلات الخارجية التى تهدد الوحدة الوطنية ونسيج المجتمع العراقى، وعدم السماح بأى مغامرات على أرض العراق من أى طرف كان. وأن العراق فقد عدة منافذ حدودية بسبب سيطرة المجاميع المسلحة وقطاع الطرق عليها.
***
وقد أمكن بلورة عدة أمور خلال الحوار الاستراتيجى العراقى الأمريكى والذى أجرى يومى 11 و12 يونيو 2020 والمفترض أن يستكمل أواخر يوليو أو أوائل أغسطس القادم، وفى مقدمة هذه الأمور التأكيد على السيادة الوطنية العراقية والتى على ضوئها تتحدد طبيعة العلاقات المستقبلية بين بغداد وواشنطون. كما تم خلال الحوار جدولة انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وسيجرى التفاوض بشأن القوات الأمريكية التى ستبقى فى العراق فى المستقبل، حيث أن العراق يحتاج إلى دعم أمنى وعسكرى، ولكنه ليس فى نيته القيام بمغامرات عسكرية، ولن يسمح بذلك. كما تم بحث ضرورة العمل على مكافحة الطائفية، بل وتجريمها والقضاء عليها، حيث فشل النظام التوافقى الذى انتج المحاصصة الحزبية، وأن معيار المشروع الوطنى المطلوب هو المواطنة بحيث يشترك فيه الجميع، وأن أبواب العراق مفتوحة أمام جميع أبنائه.
وقد قامت القوات الأمنية الحكومية لأول مرة فى إطار تجربة تطبيق مطلب توحيد السلاح فى يد الدولة، بمهاجمة ميليشيات كتائب حزب الله العراقى المعروفة بولائها الشديد لولاية الفقيه الإيرانية، وذلك فى منطقة الدورة جنوب غربى بغداد فجر يوم 26/6/2020، وألقت القبض على 14 عنصرا كان من بينهم خبير تصنيع صواريخ إيرانى الجنسية. وقد تم الإجراء وفق مذكرة من القضاء العراقى حسب قانون مكافحة الإرهاب باعتبار أن التهمة الموجهة إليهم هى إطلاق صواريخ الكاتيوشا على المنطقة الخضراء، والمعسكرات التابعة للجيش العراقى وقوات التحالف الدولى، والسفارة الأمريكية. وسبق أن حذرتهم الحكومة بمعاملتهم طبقا لأحكام قانون مكافحة الإرهاب.
وحظيت عملية إلقاء القبض على عناصر من كتائب حزب الله بدعم وتأييد يشبه الإجماع على المستويين الشعبى والرسمى حيث أيدتها معظم القوى السياسية والفعاليات المدنية التى تشتكى منذ سنوات من استفحال نفوذ الفصائل المسلحة.
ولكن سرعان ما روج معارضى العملية بأنها ليست ذات جدوى أو أهمية، وأنها نفذت بمساعدة الولايات المتحدة، والتحالف الدولى، وهو ما نفته الحكومة وواشنطون والتحالف الدولى. وأكدت الحكومة أنها عملية استباقية نفذت بأياد عراقية دون تدخل من أى جهة أجنبية.
ورغم أن بعض الفصائل المسلحة خائفة، إلا أنها لم تكن سعيدة بما حدث نظرا لأن الصراع والتنافس شديد بين تلك الفصائل، وسعى كل طرف منها إلى الاستحواذ على النصيب الأكبر من الدعم الإيرانى. والتزمت بعض الفصائل المسلحة الصمت حيال ما يجرى. ويتوقع البعض أن تعمق عملية استهداف الحكومة للجماعات المسلحة من حدة الخلافات داخل محور المقاومة، وتزيد من حدة الانقسامات التى كرسها بشكل واضح مقتل القائد السابق لفيلق القدس الإيرانى قاسم سليمانى، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبى العراقى أبو مهدى المهندس.
وقد تم الإفراج عن عناصر كتائب حزب الله المحتجزين دون علم الحكومة ودون موافقتها، وقيل أنهم فى حماية إحدى الميليشيات المسلحة، وأنه لم يبق معتقلا منهم إلا شخص واحد. وأثار صمت الحكومة دهشة وامتعاضا حيال ما اعتبر أنه بمثابة إهانة رمزية للقائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الحكومة مصطفى الكاظمى، خاصة وأن المفرج عنهم رفعوا شعار النصر بزيهم العسكرى للحشد الشعبى وأهانوا صور رئيس الوزراء، وهو ما جعل البعض يرى أن الأمر تحول من فرحة وارتياح إلى غضب وامتعاض لدى قطاعات شعبية عريضة.
وصدرت تصريحات عن زعماء الميليشيات المسلحة برفضهم مقولة حصر السلاح فى يد الدولة، وأن سلاح المقاومة الإسلامية هو أصل الشرع والشرعية، وطالبوا بصم الآذان عن «الأصوات النشاز» على حد قولهم «المطالِبة بنزع السلاح»، وضرورة تعزيز قدراتهم وإمكانياتهم بشكل أكبر من السابق للاستعداد كما أسموه – للملحمة الكبرى.
***
وتحدث هادى العامرى ــ زعيم تحالف الفتح ــ قائلا إن القبول بمصطفى الكاظمى رئيسا للحكومة كان اضطراريا، وأنه كان يتعين عليه منذ تكليفه إيجاد حلول لأزمات العراق، وهى الأزمة المالية الحادة، والأزمة الصحية وتداعياتها، واتهم قوات الأمن بتوجيه تهم كيدية لعناصر كتائب حزب الله التى ألقت القبض عليهم، وأنه سيتم رفع دعوى خطف ضد رئيس الوزراء.
وتركز كتلة تحالف الفتح على ضرورة إجراء الانتخابات المبكرة، ومطالبة الحكومة بالتغاضى عن استهداف الميليشيات للمصالح الأمريكية كما كانت تفعل الحكومات السابقة، وتهتم بإعادة هيبة الدولة.
***
ويلاحظ وجود حالة من الانقسام فى البيت الشيعى حيث أن هادى العامرى زعيم تحالف الفتح، ونور المالكى رئيس ائتلاف دولة القانون ورئيس الحكومة الأسبق، وفالح فياض رئيس هيئة الحشد الشعبى، فى ناحية ويمثلون التيار العام الموالى لإيران، وعلى الجانب الآخر المؤيدون للحكومة وهم التيار الصدرى بزعامة مقتدى الصدر، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وائتلاف النصر برئاسة حيدر العبادى رئيس الوزراء الأسبق.
وقد أعلن عمار الحكيم فى 30/6/2020 عن تشكيل تحالف برلمانى جماهيرى كبير نواته 40 عضوا فى البرلمان، وهو تحالف نابع من الدولة وعابر للطائفية والقومية كما يقول، وهدفه دعم حكومة مصطفى الكاظمى، بعيدا عن المحاصصة والأجندات الفئوية، ويعمل على تلبية مطالب المتظاهرين الحقة ودعمها، وتمكين منهج الاعتدال لدعم الاستقرار السياسى، وإبعاد العراق عن التحالفات الإقليمية والصراعات الدولية، وأن يكون للعراق دورا أساسيا للتقارب بين الأشقاء والأصدقاء وحل الأزمات والتقاطعات فى المنطقة، وإجراء انتخابات مبكرة نزيهة وعادلة تضمن حقوق الجميع بلا تميز أو تضليل، ودعم جهود الإصلاح والتطوير الحقيقى للنظام السياسى برمته، والتخلص من آثار التوافقية غير المجدية والمعطلة لمسار الإصلاح والبناء وإعادة الإعمار، وتقديم الدعم والخدمات للمحافظات الجنوبية والمناطق المحررة وعودة النازحين والمهاجرين. وقد أطلقوا على التحالف اسم «تحالف عراقيون».
وتعرض هذا التحالف الجديد لهجوم من عدد من نواب قوى سياسية محسوبة على إيران، واتهموه بأنه تحالف مصالح يسعى لتحقيق مكاسب من وراء تأييده للحكومة وإطلاقه نفس المطالب الواردة فى برنامج رئيس الوزراء.
ويرى بعض الباحثون السياسيون العراقيون أن رئيس الوزراء لديه القوة الحقيقية والأعلى، وهو ما يجعله يتفوق على الآخرين فى تطبيق برنامجه للإصلاح الشامل.
***
وتواجه الحكومة العراقية إلى جانب هذه الصراعات سواء مع الميليشيات المسلحة أو الكتل السياسية المنقسمة، تحدى مكافحة بقايا تنظيم داعش فى بعض المناطق والذى يعمل على إعادة جمع صفوفه والانطلاق مرة أخرى. كما تواجه تحدى الاعتداءات التركية المتواصلة على المناطق الشمالية الكردية من العراق بدعوى مطاردة العناصر المسلحة لحزب العمال الكردستانى التركى الهاربة إلى العراق، ولا تكتفى بشن غارات عسكرية بل تسعى لإقامة نقاط ارتكاز للقوات التركية على الأراضى العراقية فى انتهاك سافر لسيادة العراق.
كما أن الحكومة العراقية لا تواجه فقط التدخل الإيرانى المعتمد على الأنصار من الكتل السياسية العراقية، بل والتدخل الأمريكى، وصراعهما معا على الأراضى العراقية، وتواجه برنامجا مزدحما من المطالب العاجلة فى ظروف بالغة الصعوبة، وفى إطار مهلة زمنية قصيرة محكومة بمطلب، بل وعد رئيس الحكومة نفسه بإجراء انتخابات مبكرة وهو ما يضع خطواته على طريق الإصلاح على المحك وفى ظل ظروف بالغة الصعوبة داخليا وخارجيا.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات