«حارس الموتى» الذى خذله السرد! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 7:33 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

«حارس الموتى» الذى خذله السرد!

نشر فى : الخميس 7 يوليه 2016 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 7 يوليه 2016 - 9:20 م
مثل حصان جامح وطموح ينقصه المران، تبدأ رواية «حارس الموتى» لجورج يَرَق، والتى وصلت إلى قائمة البوكر القصيرة 2016، بداية سريعة وجذابة، ثم تنطلق عدوًا فى طريقها، ولكن سرعان ما ينهكها السير، فتفقد قوة دفعها، وتصل إلى مستوى لا يليق بفكرتها اللامعة.

الرواية الصادرة عن منشورات ضفاف والاختلاف، ترسم ملامح مجتمع الحرب الأهلية اللبنانية من خلال بطل شاب فى العشرين من عمره، ينتقل من الضيعة/ القرية إلى العاصمة بيروت. عامان تقريبا من زمن الحرب الطاحنة هما 1978 و1979، لا نعرف بالضبط لماذا تم اختيارهما بالتحديد، ولكن الأهم بالنسبة لى هو هذا الجدل بين مأساة الشاب «عابر حبيب ليطانى»، ومأساة وطن بأكمله يعيش لحظة جنون كراهية الآخر، فى ظل غياب الدولة، بينما تتغّول الأحزاب التى أصبحت تمتلك «ميليشيات» خاصة.

الفكرة تكتسب جمالها فى أنك لا تستطيع أن ترى فى «عابر حبيب ليطانى» مجرد فرد خاص، ولكنه يبدو كما لو كان ترجمة لحال الكثيرين من الشباب اللبنانى الذين انخرطوا فى الحرب وتداعياتها، دون أن يكون لهم موقف سياسى ما، وإنما أرادوا فرصة للعيش: سرير وأكل وحماية، وكأن المعركة هى الوسيلة الوحيدة للحياة فى حدها الأدنى المتاح.

تعبّر هذه الفكرة عن نفسها فى متابعة رحلة «عابر» من ضيعة البيادر، هروبًا من تورط بالصدفة فى جريمة ذات بعد طائفى، دون أن يكون للشاب ــ الذى يهوى الصيد ــ أى علاقة بما حدث، وفى بيروت ينضم «عابر» بعد تشرده إلى ميليشيات أحد الأحزاب، ثم يترك الميليشيا ليعمل فى مستشفى، وبالتحديد كحارس لبرّاد/ ثلاجة المستشفى حيث مكان حفظ الجثث، وكمساعد أيضا فى إجراء العمليات الجراحية.

فى كل مكان، يطارد «عابر»، وله من اسمه نصيب، شبح الحرب وكابوسها، سواء وهو يصطاد الطيور فى قريته، فيجد شخصا مغطى الوجه بالدماء، وتكون تلك بداية معاناته، أو عندما يقيم «عابر» الهارب فى الثكنة وسط محاربى الحزب، أو حين يعمل قناصًا، أو وقت مشاركته الرفاق لعبة الموت أمام المتاريس، أو فى علاقته بالجثث داخل ثلاجة المستشفى، أو حتى فى هواجسه من المطاردة، تصفيةً لموقف قديم، كان شاهدًا ومتفرجًا عليه، ولم يكن مشاركًا فيه كالمعتاد.

أفضل ما فى الرواية هو هذا الخط الواضح، بالحديث عما يمثله «عابر» من أبناء جيل، وجدوا أنفسهم متورطين، رغم أنهم كانوا أصلا أقرب إلى الفرجة. «عابر» رسمت شخصيته بكثير من التفاصيل، وبطريقة رمادية تتفادى الأبيض والأسود، فنراه فى لحظات قوته وضعفه: يرفض اغتصاب فتاة، ولكنه يسرق إيرادات المستشفى، ثم يسرق الذهب من أسنان وأضراس الجثث، يكره قنص البشر، ولكنه يستمع ببساطة إلى ما يفعله قناص محترف، يقتل ليلهو ويسعد. «عابر» ليس مسيّسا مثل صديقة «عزيزى» الذى سيخبره بسر ثلاثة دفاتر تركها، تسجل يوميات الحرب، وترصد أيضا مخازى بعض المقاتلين وجرائمهم. عندما يُقتل «عزيزى»، يعتبر «عابر» نفسه مطاردا، وكأنه تورُّط جديد، يشابه التورُّط القسرى، الذى جعل «عابر» هاربا من قريته البعيدة.

كل ذلك جيد وطموح، وينجح فى أن يثير اهتمامنا، وخصوصا أن هناك نماذج إنسانية رسمت بشكل بارع أحيانا، مثل زملاء «عابر» المحاربين، أصحاب الأسماء المستعارة، ومثل الراهبة «كريستين» التى تشرف على العمل فى المستشفى، والتى تدرّب «عابر» بنفسها على حشو الجثث وتنظيفها وحلاقة ذقونها، ومثل رفيق البرّاد الممرض «روبير» الذى يحاول أن يخلق لنفسه دخلا إضافيا، فى زمن الحرب والموت.

ولكن الرواية تفقد قوة دفعها عندما يستغرق جورج يَرَق فى وصف حياة المستشفى، بدون أن يلتحم ذلك مع خطين مهمين سابقين، هما: حياة الضيعة، ووقائع تجربة الثكنة العسكرية، ولذلك تجىء النهاية أشبه بالقفزة الكاملة: رجال غامضون يخطفون «عابر»، دون أن يعرف أو نعرف هويتهم، بالطبع كان يتوقع أنه مطارد، ولكن الأحداث كانت قد أخذتنا تماما إلى ما يشبه يوميات المستشفى، حتى الحرب كانت تظهر ثم تختفى، بدا لى فى بعض الفصول أننا أمام معاناة عامل مشرحة، بصرف النظر عما إذا كان الأمر متعلقا بالحرب أم لا.

حصان السرد أنهكه طول المشوار، فتح الكاتب خطوطا لم يستطع أن يوظفها أو أن يدمجها فى البناء، لتعطى للحبكة شكلا متماسكا، فاضطر إلى ما هو أسوأ: أن ينهى الرواية بأى طريقة، بينما كانت لديه خطوط ثرية للغاية، مثل مصير دفاتر «عزيزى» ومحتواها والتى تنقل إلينا صورة مهمة من وجوه الحرب، وخط علاقة الراهبة كريستين بعابر الذى أحبها بالفعل، ولكن السرد يأخذنا فجأة إلى علاقة «عابر» بممرضة أخرى تدعى «نهلا».

ربما تكون أخطر قرارات أى روائى أن يحدد فى نصّه ما هو أساسى، وما هو فرعى، ولكن «حارس الموتى» رواية تفتقد ذلك بشدة، بالذات فى نصفها الثانى، عندما يصبح «عابر» حارسا لثلاجة المستشفى. صرنا تقريبا أمام رواية جديدة، تفتقد تلك الجسور القوية بما قبلها، مع أن الرحلة واحدة، والمعاناة أيضا.

طريقة السرد عموما كانت أقرب إلى العناوين الإخبارية التى لا تتعمق كثيرا، وباستثناء ذكر بعض كوابيس تطارد «عابر»، فإن مؤلف الرواية لا يستقصى المشاعر النفسية الدقيقة، وإنما يزحم النص بتأملات فلسفية للبطل، لا أعرف بالضبط كيف يمكن أن تصدر عن شخص كان يكره دروس الفلسفة، وأقصى ما نعرفه عن ثقافته أنه يقرأ روايات أجاثا كريستى.

يمتلئ النص بالعبارات الإنشائية، بعضها مزعجٌ للغاية؛ لأنه يذكّرنا بموضوعات التعبير الطلاّبية. هذه فقط مجرد نماذج: «العقول والنفوس تُفرغ ما فيها كى تصعد إلى السماء خاوية من هموم الأرض»، «مجحفٌ فى حق البشرية أن تموت محتويات العقل ومكنونات النفس بموت البدن. افتراضا أن هذا المشروع قابل للتنفيذ، فمن يدرك مقدار الغنى الذى سيزخر به التاريخ الإنسانى، وعدد المنجزات التى سيشهدها الغد البعيد. فكم من عالم مات، والأفكار التى لم ينفذها، ماتت برحيله، وكم من شاعر فارق وعشرات القصائد لم يتسنّ له تدوينها، وكم من عاشق لقى وجه ربه، وفى قلبه الكثير مما لم يقله لحبيبته»، «بقيتُ فى أرجوحة الحيرة، وقد طالت هذه الحالة حتى اعتدتُها. فالحيرة تخنقُ الحب إن لم تلمع نجمة اليقين من وراء الظنون».

تطاردنا أيضا بعض الألفاظ المعجمية، وتساؤلات يطرحها السارد الشاب على نفسه من طراز يذكرك بقصص الألغاز للناشئة: «من خطفنى؟ ولماذا؟ كيف اختطفتُ من المستشفى، وتحديدا من داخل البرّاد؟ هل كانت الأخت كريستين حاضرة لدى ضربى واختطافى، وماذا كان رد فعلها؟ كم واحدا كانوا؟ وكيف هى أشكالهم؟».

هذه رواية أضعفتها الكتابة الصحفية السريعة، وأفسد فكرتها افتقاد حرفة السرد، وافتقاد صنعة البناء، فدخلت القصة فى البرّاد مع بطلها المطارد سواء بسواء.
التعليقات