الله يطول بعمرك - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 9:37 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

الله يطول بعمرك

نشر فى : الأربعاء 7 يونيو 2017 - 8:45 م | آخر تحديث : الأربعاء 7 يونيو 2017 - 8:46 م

استوقفنى أخيرا خيار موجود على شبكة التواصل الاجتماعى فيسبوك، يسأل فيه صاحب الحساب إن كان يريد أن يستمر الحساب بعد موته، أو هو بالأحرى يسأل عما يجب فعله إن توفى صاحب الشأن: هل يتم إغلاق الحساب إن طلب ذلك شخص خوله صاحب الشأن بذلك؟ توقفت عند السؤال. فعلا، هل أريد أن يستمر حسابى وصورتى فى التواجد على الشبكة إن رحلت؟ هل أتوقع أن يستمر أصدقائى بتمنى عيد ميلاد سعيد لى كل سنة حين يظهر على شاشاتهم تذكير باليوم؟

•••

فى السنوات الأخيرة، رحل بعض أصحاب أرقام الهواتف المخزنة فى ذاكرة هاتفى، كما ذهب بعض الأصدقاء الذين ما زالت أسماؤهم وصورهم تظهر لى حين أدخل على شبكة الفيسبوك. وعلى الرغم من أننى أعرف أنهم رحلوا بالفعل، إلا أننى أعود، وفى كل مرة أرى أسماءهم أو صورهم، وأقول لنفسى: «معقول يعنى بطلت شوفه؟ معقول بطلت أتصل فيها أسألها عن وصفة؟».
هل يقرأ من ذهب ما يكتبه أصدقاؤهم؟ أم أننا نعزى بعضنا البعض، ونعتبر الكتابة إلى شخص لم يعد معنا مزيجا من الرغبة فى الحفاظ على ذكراه ومن امتداد لمجلس العزاء، لكن بشكل أقل درامية وأكثر شاعرية؟
لا أنفى أننى حين أفكر فى الموت، فإننى لا أستوعب معنى أن يختفى شخص أحبه. لا أعرف كيف يتوقف شخص عن التواجد فى مكان أستطيع أن أصل له أو أتواصل معه. وقد زادت شبكة فيسبوك من ارتباكى فى كل مرة يظهر لى فيها وجه صديق أو صديقة يوم عيد ميلادهم مع طلب أن أتمنى لهم عمرا مديدا.

•••

أذكر حملة قامت بها إحدى المنظمات الحقوقية منذ سنوات للمطالبة بكشف مصير المختفين قسريا، فى بلاد خاضت حروبا أو عاشت تحت أنظمة تصدر أحكاما تعسفية بحق الناس. استخدمت الحملة صورا عائلية كصورة أم وأب وأطفال فى حديقة أو فى مناسبة اجتماعية، وأخفت شخصا من الصورة. فى البداية ننظر دون أن نستوعب أن ثمة فراغا قرب الأم، أو فراغا فى منتصف المجموعة، ثم يلتقط العقل شكل الفراغ فنرى فراغا على هيئة رجل مثلا، لنستوعب فورا أن الأم وحدها فى الصورة. أو قد نرى العائلة غير كاملة إذ لا نرى الابن الأكبر بينهم بل نرى أثرا بين باقى الإخوة.
هذا هو شعورى تجاه من ذهبوا دون عودة: مكانهم دوما محفور فى أى اجتماع أو مناسبة كانوا سوف يحضرونها، لكنهم لم يعودوا معنا فتركوا فراغا أراه كل مرة. كانت صديقتى مثالا على حسن الضيافة وحسن الأداء الاجتماعى، وكنت كثيرا ما ألجأ إليها للمشورة حول تنظيم دعوة للعشاء، أو حول مقادير طبخة، أو حول طريقة الرد على موقف حدث مع أحدهم. توفيت صديقتى منذ سنوات، إلا أننى مازلت فى كل مناسبة اجتماعية أذكرها وأشتاق لحركات أكاد أراها حتى فى غيابها، حركات خاصة بها، كأن تنظر نظرة جانبية إلى شىء فى تحذير صامت منها أنه غير مناسب، أو كأن تضع كفا فوق كف وهى تستمع إلى قصة وكأنها غير مقتنعة بما نقوله لها.

•••

من مدة قريبة انهمكت فى ترتيب جميع الأدراج فى غرفة نومى وفى مكتبى، تخلصت من أشياء كثيرة، وأعدت تصنيف وترتيب محتوى الأدراج بشكل يجعل كل ما فيها واضحا. أعدت فرز كل الأوراق التى كنت قد احتفظت بها على مدى سنوات، فرميت ما لم يعد لى فيه حاجة ووضعت ما بقى فى ملفات. تخلصت مما رأيته فجأة على أنه «كراكيب»، واحتفظت بالكثير مما له قيمة سواء أكان ماديا أو معنويا لى ولعائلتى. حين انتهيت، تفاجأت بفكرة اخترقتنى فجأة: إن رحلت لن يرتبك من حولى بأشيائى، فقد بات الآن كل شىء واضحا.
أفزعتنى الفكرة فأنا لا أريد الرحيل، إنما أصبحت ألاحظ تسارع الرحيل من حولى، إذ أننى بت ألاحظ أخيرا أننى صرت أرسل التعازى فى وتيرة أكثر تسارعا من ذى قبل. هنا أحد الأقارب من كبار السن، هناك شاب فى عمر الزهور قطفه المرض بشراسة، أخبار وأخبار عن شباب يموتون يوميا فى الحرب فى سوريا، يأخذون كلهم فى نظرى فجأة هوية حين أرى صورة أحدهم وأتعرف عليه، فيخرجون جميعا من خانة الموت الجماعى ويدخلون جميعا، حتى من لا أعرفهم وهم كثيرون، إلى خانة الفقدان الشخصى وكأنهم كانوا جميعا من أصدقائى.

•••

هكذا تأخذ جملة لطالما كنت أراها قديمة حين يرددها الناس من حولى، تأخذ معنى خاصا جدا: الله يطول بعمرك. أصبحت أنظر أخيرا فى وجه كل من أحب من حولى وأرى هذه الجملة وكأنها منقوشة فى هالة فوق رءوسهم. لا أريد أن أفكر فى اختبارات للصبر أو للإيمان، أو فى أى شىء بإمكانه أن يحاول تبرير رحيل من أحب، فالاختبار الذى أريد أن يخضع معه من حولى هو اختبار فى الحياة وليس فى الموت. أريد أن يبقوا معى، أن يعيشوا حولى، أن أتصل بوالدى أطلب منه شيئا فيذكرنى بأن للمكالمة أصولا، مثل أن نبدأ بالسلام قبل أن ندخل فى الموضوع. أريد أن أهاتف صديقتى فأجدها كما تركتها آخر مرة زرتها، تنتظرنى مع فنجان القهوة. لا أريد أى اختبار إلا اختبار أننى ومن أحب سوف نقدس الحياة والصداقات والحب والمحبة حتى نبرهن أننا نستحق أن نبقى هنا، معا.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات