عن تعلم اللغات فى المدارس - مدحت نافع - بوابة الشروق
الثلاثاء 22 أكتوبر 2019 5:45 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


عن تعلم اللغات فى المدارس

نشر فى : الإثنين 7 مايو 2018 - 10:10 م | آخر تحديث : الإثنين 7 مايو 2018 - 10:10 م

فى زيارة إلى الولايات المتحدة ضمن برنامج للتبادل الثقافى للقيادات الشابة، كان من المقرر أن نقوم بزيارة بعض البيوت الأمريكية لقضاء ليلة بين أصحاب تلك البيوت، ومعايشة اهتماماتهم عن قرب. كنت وحدى مدعوا على العشاء فى بيت محامية وسفيرة شعبية لدولة سويسرا وزوجها الذى مر على فى الفندق ليقلنى فى سيارة إنجليزية صغيرة كان شديد الفخر بامتلاكها. الأسرة مكونة من زوجين فى الخمسين وطفلة جميلة فى المرحلة الدراسية الابتدائية، كانت شديدة الشغف بزيارتى لأنها لم تلتقَ يوما بأحد من الشرق الأوسط، وكان ثلاثتهم حريصين على معرفة أشياء عن الحضارة المصرية. طوال الليل لا أستطيع أن أميز موضوعا واحدا حاز على دفة الحوار أكثر من تعلم اللغة. كانوا يستعرضون بحماس وزهو قدرة ابنتهم الصغيرة على تمييز بعض الكلمات باللغة الفرنسية، وعلى اعتزامها دراسة اللغة الألمانية أيضا. فى نفس الزيارة أذكر أن الكثير من المعاهد التى استضافت المجموعة المصرية أبدت تقديرها الشديد لإلمامنا بلغتهم، واعتذارهم عن كونهم لم يحرصوا على تعلم اللغة العربية كحرصنا على تعلم الإنجليزية وإتقانها.
بعض الشعوب الأخرى فى شرق أوروبا وشرق آسيا على وجه التحديد، لا يهتمون كثيرا بتعلم اللغات المؤثرة، ولا يجدون حرجا فى التحدث حصريا بلغاتهم الأم، والاكتفاء باصطحاب المترجمين فى زياراتهم الرسمية. أهم ما تتسم به تلك الشعوب من قواسم مشتركة هو مرورها بمرحلة من الانغلاق والانكفاء على الذات، ومعظمها سادته قيم شيوعية تزدرى الملكية الفردية وتحتقر الحضارة الغربية بمنتجاتها ولغاتها. لكن مصر لم تكن أبدا مرشحة لأن تنضم إلى هذا النوع من الدول، فهى بحكم الموقع والتاريخ وتعاقب الحضارات والثقافات عليها، بلد مفتوح قائم على التنوع والتعدد وإن انتكست فيه تلك الروح أحيانا بفعل فاعل، فلن تتغير جيناتها أبدا لتلتمس العزة فى غير التنوع والانفتاح على العالم.

***

فإن عدنا بالزمن إلى عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضى ربما صادفنا أبى فى أحد فصول مدرسة فؤاد الأول بحى العباسية، وهو يتلقى تعليم اللغة الانجليزية على يد أحد المدرسين البريطانيين وبلكنة إنجليزية صارمة لازمته حتى وافته المنية فى نهاية العام الأخير من القرن العشرين. وربما كافأنى الحظ فى طريق عودتنا إلى عصرنا هذا، فمررت به فى مدرسة الحقوق وهو يتلقى تعليمه للقانون المصرى ذى الأصل الفرنسى بلغة أهل باريس، حتى إنه كان يروى لى كيف كان الدكتور بطرس غالى معيدا عليه، وكان لدى انفعاله لا يتكلم إلا باللغة الفرنسية التى أجادها أكثر من العربية، وكان الطلاب يستمتعون بذلك ويفهمونه بالطبع.
لم يعد لى رصيد كبير من اللغة الفرنسية التى تعلمتها فى مدرستى كلغة أجنبية ثانية، ولكن بقيت لى بعض العبارات التى كان أبى يرددها فى مواقف مختلفة، أنطقها بلكنة منضبطة يحار لها أصدقائى الفرنسيون، ويحسبون أنى خادعهم كونى أتحدث إليهم بالإنجليزية متعللا لهم بعدم إجادتى للفرنسية. كان أبى معلمى الأول والأهم لكل الألسن، وكانت إجادته للغة العربية مبهرة، فلم يكن لتعلمه اللغات الأجنبية بالمدارس والجامعات «الأميرية» أى أثر سلبى على لسانه العربى المبين. لم يطمس المستعمر الإنجليزى الهوية الثقافية للشعوب التى خضعت له بخلاف الاستعمار الفرنسى كما نعلم جميعا، لكن الأهم من ذلك أن تلك الإدارة الأجنبية لنظام التعليم آنذاك، كانت شديدة الحرص على تدريس اللغة العربية نحوا وصرفا وأدبا وبلاغة على نحو لم يدرك إتقانه أى نظام تعليمى فى مصر طوال عقود لاحقة من التحرر من الاستعمار البريطانى!

***

أكتب هذا المقال وأنا مهموم بمسألة تطوير نظم التعليم التى تجرد لها اليوم وزير يتمتع برؤية جيدة فى النهوض بالعملية التعليمية فى مصر. مهموم بها كونى أبا لا كاتبا متخصصا، وقد ساءنى وأسعدنى فى ذات الوقت ما دار من جدل أخيرا حول تدريس اللغات فى نظم التعليم الوطنية. ساءنى أن يرتبط تعليم اللغات الحية فى مخيلة البعض بتراجع مستوى استيعاب اللغة العربية فى نظم التعليم الوطنية والتجريبية التى يعلم الجميع أنها لم تعد تجيد تدريس أى من اللغات، ناهيك عن تداخلها فى أذهان الطلاب وتأثيرها على لغتهم الأم ! وأسعدنى أن مسألة تعلم اللغات بصفة عامة استردت مكانتها فى حوارات المصريين بين موضوعات كرة القدم، وتقلبات المناخ، ومنافسات مسلسلات رمضان... بالتأكيد مس تصريح الوزير عن تطوير بعض الأنظمة التعليمية وترا مهما، خاصة عندما تطرق إلى تدريس بعض المواد باللغة الانجليزية فى المدارس التجريبية، والاكتفاء بتدريس اللغات الأجنبية كمقرر مستقل بعيدا عن المواد المتخصصة مثل الرياضيات والعلوم. الوتر الذى مسه تصريح الوزير أعمق من أن نستوعبه فى غير سياقه الصحيح، فالمدارس التجريبية وظروف نشأتها وتاريخها قبل «تأميمها» أو قل «تجريبها»، وما تمثله اليوم للطبقات المتوسطة والمتوسطة العليا من ملاذ آمن لتصدير صورة اجتماعية لأبنائها تنافس على استحياء التيار الجارف للمدارس الدولية باهظة التكاليف، والتى فعلت باللغة العربية والثقافة العربية ما لم تفعله نظم التعليم فى عهد الاحتلال، هى السبب فى حالة الغضب التى تملكت الأهالى من رؤية التطوير المعلنة لنظم التعليم. فى مدرسة كانت من أعرق مدارس الإرساليات فى مصر تلقيت تعليمى الأول، وقبل تخرجى ببضع سنوات تقرر تحول تلك المدرسة إلى النظام التجريبى! قلنا حينها مازحين لقد تم تأميم المدرسة. كانت تلك مدرسة خاصة، وكان التدريس بها يشترك مع المدارس البريطانية فى كثير من المقررات والكتب، أى إنها كانت «دولية» بمعايير الحاضر ومسمياته. بمضى الوقت بدأ تراجع مستوى التعليم فى تلك المدارس يقترن بغياب الإدارة الخاصة المسئولة، والتى نعلم جميعا أنها الأكثر حرصا على أموالها وإدارة مشروعاتها. مع ذلك لم تعد الخيارات واسعة أمام الأهالى من الطبقات ميسورة الحال، فتصور الناس نسقا متعدد الطبقات لنظم التعليم، وضعوا فى قاعدته التعليم الحكومى العام (الأميرى سابقا) والذى كان الخارج منه يعير فى زمن أبى، ووضعوا فوقه التعليم الخاص العادى، ثم التجريبى، ثم أخيرا التعليم الدولى. أى خلل سريع بهذا النسق التعليمى المتوهم من شأنه أن يستدعى الرفض والمقاومة. إذا نزعت بعض المحتوى باللغة الأجنبية من المدارس التجريبية، فأنت تحكم عليها بفقدان منزلتها فى هذا النسق، لتستوى مع مدارس الحكومة (كما يسميها الناس).
التعليم الدولى لا ينتج بالضرورة طالبا أفضل أو أكثر تعلما وثقافة، ولكنه بالتأكيد يمنح فرصا أفضل فى سوق العمل. فى اقتصاديات الموارد البشرية هناك ما يعرف باستخدام الإشارات Signaling أى ما ترسله الشهادة التى حصلت عليها من إشارات جيدة فى سوق العمل بما يساعدك فى الحصول على وظيفة. حتى لو لم يكن تعليمك على القدر الذى تحمله الإشارة الجيدة، فإنك تسعى لتحصيل هذه الشهادة أو تلك كى تميزك عن منافسيك وتمنحك بعض النقاط التى تساعدك فى الحصول على وظيفة بين عدد محدود من الوظائف المعروضة فى الأسواق. بالتالى تساعد تلك الشهادة صاحب العمل فى عملية الانتقاء Screening لاختيار المرشح الأنسب للوظيفة إذا تساوت المعايير الأخرى. بالتأكيد تتمتع المدارس الدولية بأكثر من السمعة التى تطلق بها الإشارات، فهى تنعم بانخفاض أعداد الطلاب فى الفصول، وتحسن بيئة التدريس، وتوافر الإمكانيات المادية والمدرسين الأفضل تأهيلا... لكنها لا تحمل بالضرورة النظام التعليمى الأنسب ولا المقررات الدراسية الأفضل والأهم، بل وربما وقع اختيار إدارتها على مدرسين يتحدثون الإنجليزية أو الفرنسية ببراعة لكنهم لا يملكون أى مقومات للتدريس، والمعلم فى رأيى هو أهم دعامة للمنظومة التعليمية.

***

تطوير المنظومة التعليمية فى مصر يتطلب أكثر من الجرأة والرؤية الثاقبة، يتطلب تدرجا فى تنفيذ هذه الرؤية وممارسة تلك الجرأة. ربما كان الأنسب فى التدرج ما أشار إليه أستاذى الدكتور أحمد يوسف أحمد أحد أعمدة التعليم فى مصر، فى مقال حديث نصح خلاله وزير التعليم باختبار رؤيته فى الإصلاح على نظام واحد من نظم التعليم المتعددة فى مصر، قبل التوسع فى تحقيق ثورة تعليمية شاملة فى بلد تراكمت فيه أسباب التأخر فى التعليم عبر عقود.
ما زلت أرى أن وزير التعليم الحالى هو الأنسب بين البدائل للقيام بمهمة النهوض بالتعليم، خاصة إذا اقتحم المشكلات الأكثر إلحاحا والأشد ضررا بالتعليم، وجردها من التفاصيل الشكلية، مثل شكل الكتاب المدرسى ولغة تدريس الرياضيات... وإذا تدرج فى اختبار رؤيته التحديثية مصداقا لتوصية الأستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد والكثير من أصحاب الرأى وأصحاب المصلحة. المعلم هو أهم ما يجب أن تبدأ به تطوير منظومة التعليم، فمعلم مخلص مؤهل فى كتاب، أو فى صحراء قاحلة يمكنه أن ينشئ جيلا من قادة الأمم، والتاريخ زاخر بالعبر.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات