«أي زمنٍ هذا؟» - أيمن الصياد - بوابة الشروق
الخميس 29 أكتوبر 2020 3:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

«أي زمنٍ هذا؟»

نشر فى : الأحد 7 أبريل 2019 - 7:50 ص | آخر تحديث : الأحد 7 أبريل 2019 - 4:34 م

في مثل تلك الأيام قبل عام بالضبط، غادرنا أحمد خالد توفيق، الأديب الذي لم يعترف (أو بالأحرى لم يعرف به) المثقفون، الذين نعرف إلا بعد أن رحل.

كشف رحيله، وما بدا يومها من أن بين «المثقفين» من تفاجأ أصلا بوجوده (رغم جماهيريته بين أجيال عريضة من شباب هذا البلد) عن عمق أزمة الكيانات المنفصلة «والجزر المنعزلة»؛ جبرًا، أو اختيارا، أو ربما تعاليا أو انفصالا عن الواقع، والذي تصادف أن كان موضوعا لروايته، أو قل «نبوءته» الأشهر: «يوتوبيا»، التي كتبها قبل عشرة أعوام كاملة، والتي وجدتُ، بعد تلك الأعوام العشرة أن هناك مائة سبب لأن أعود لقراءتها الآن.

ـــــــــــــــــــــــــ

ككل «نبوءة» صادقة، لابد وأن يأتي اليوم الذي تقترب فيه ملامحها ظلالا وأصداءً وإن ضاعت دلالاتها وسط صخب الأضواء والاحتفالات والشعارات

«أي زمنٍ هذا؟».. سؤال الشاعر الملحمي الكبير برتولت بريخت؛ المثقل بألم الحيرة، وأحاسيسها الغامضة، والذي صدَّر به أحمد خالد توفيق روايته، ربما كان فيه تلخيص عبقري للقصة كلها. أو ربما لتلك اللحظة التي تنبأ بها.

عالمان .. منعزلان. تتباعد بينهما المسافة: في الجغرافيا.. وفي الضمير كل يوم.

لم يكن أحمد خالد توفيق بالتأكيد وهو يكتب روايته (صدرت طبعتها الأولى ٢٠٠٨، قبل أن تعيد «الشروق» إصدارها في ٢٠١٤) قد اطلع على تقريري Carnegie و Global Construction Review عن المدينة «المعزولة» في الصحراء (نشرا قبل أسابيع). أو على كتاب ‘Egypt’s Desert Dreams’ by David Sims (2015)، أو حتى على مقالة Eric Denis ذات العنوان الدال ‘Cairo as New-Liberal Capital? From Walled City to Gated Communities’ والتي تضمنها كتاب Cairo Cosmopolitan الصادر في ٢٠٠٩ ونشرناها في «وجهات نظر». لم يكن أحمد خالد توفيق قد اطلع بالتأكيد على كل هذه الكتب والدراسات «الأكاديمية» التي تناولت «الموضوع»، ولكنه قبلها جميعا، وفي سرد روائي/ واقعي مؤثر «حكى» لنا القصة.

***

مجتمعٌ بلا أمل هو مجتمع مهيأ للانفجار

يصغرني بسنوات .. «الزميل» الذي ذهب مبكرا. وكنت قد دخلت منزله قبل أن يلتحق هو بالكلية التي كنت درست بها لسنوات. البيت ككل بيوت مصريي «الطبقة الوسطى»، حينما كان لدينا طبقة وسطى تمثل لُحمة المجتمع، وقاطرته.. وثقافته. وككل متفوقي الطبقة الوسطى أيامنا، وحينما كان «تكافؤ الفرص» الحقيقي مكفولا، التحق طالب الثانوية (العامة) بكلية «الطب» المجاورة (في الشارع ذاته) ليصبح في النهاية أستاذا بها، وإن ظل يمارس هوايته التي أحب (وأدمن)؛ القراءة والكتابة، ليصبح خارجها أستاذا لجيل بأكمله.

في رائعته المؤلمة «يوتوبيا» يحذرنا أحمد خالد توفيق من الذي نعرف جميعا خطورته: «الاستقطاب» الثقافي والمجتمعي، من ناحية، و«انحسار الطبقة الوسطى»، من ناحية أخرى. يصف اللحظة (أو بالأحرى الزمن الأسود في سؤال بريخت): «دعك بالطبع من ذوبان الطبقة الوسطى التي تلعب في أى مجتمع دور قضبان الجرافيت في المفاعلات الذرية .. إنها تبطئ التفاعل ولولاها لانفجر المفاعل .. مجتمع بلا طبقة وسطى هو مجتمع مؤهل للانفجار».. انتهى الاقتباس، ولعل صديقي القديم يسمح لى بأن أكمل: «مجتمعٌ بلا أمل هو مجتمع مهيأ للانفجار».

حذارِ من الاستقرار الكاذب. أو بكلماته: «هذه العبارة: (لا تقلق فكل شيء تحت السيطرة) تعنى أن عليك أن نقلق جدا».

لا تفرح إذن بأنهم فقدوا القدرة على الغضب، فهم سيفاجئوك بأنهم «يهتاجون أحيانًا بلا سبب ولا مبرر واضح»..

***

في العام ٢٠٠٨، قبل عشر سنوات كاملة من ملامح النبوءة كتب الأديب الطبيب القادم من قلب دلتا النيل رائعته «الصحراوية»، التي كما كانت للجالس إلى مكتبه في شارع البحر بقلب الدلتا بعيدة جغرافيا، ولذلك المنتمي إلى الطبقة الوسطى بعيدة ثقافيا، إلا أنها ككل «نبوءة» صادقة، لابد وأن يأتي اليوم الذي تقترب فيه ملامحها ظلالا وأصداءً وإن ضاعت دلالاتها وسط صخب الأضواء والاحتفالات والشعارات.

«أنا لست اقتصاديا ولا سياسيا.. حتى إنني لم أتلق تعليما منتظما منذ دخلت الجامعة المجانية.. فقط كانت هناك مؤشرات مخيفة وكان على المجتمع أن يتنبه لها.. عندما تشم رائحة الدخان ولا تنذر من حولك فأنت بشكل ما ساهمت في إشعال الحريق.. فلماذا لم يفعل أحد شيئا؟» انتهى الاقتباس 

للعنصرية أشكال عدة، منها ما قد لا نلتفت إليه من أنماط ثقافية ومجتمعية وطبقية. ينبهنا أحمد خالد توفيق في روايته إلى نذر النار تحت الرماد. ويحذرنا مما قد يلجأ إليه «المنعزلون» في الصحراء، ربما دون أن يدركوا خطورته، من خلق وضع شبيه «بالمكارثية» التي عانت منها الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الماضي، ظنًا من متبنييها بأنها وسيلة للحفاظ على الوطن مما يتصورون أنه يهدد كيانه، فكان في النهاية أن لم يحفظ للوطن قوته غير شفائه من داء «المكارثية»، وإدراك أن في الوطن متسع للجميع.

للانقسام المجتمعي وخطورته مظاهر عدة ومحاور عدة لا تقتصر قطعا على ما تتحدث عنه يوتوبيا على خطورته. عندما صدمتنا قبل سنوات أغنية علي الحجار «احنا شعب .. وانتوا شعب» (كلمات مدحت العدل)، رغم واقعيتها، وصراحتها، ودقة تصويرها لواقع صرنا إليه، لم نستمع جيدا لجرس الإنذار، بل جعلنا من الأغنية يومها سببا إضافيا للانقسام والاستقطاب. استنكرها «المتبرئون»، رغم معرفتهم بحقيقتهم، ونفخ فيها «الآخرون»، الذين باتوا يتباهون بمكارثيتهم. وللأسف، غفل هؤلاء وهؤلاء، ومن قبلهم إعلامٌ مسير، ودعاية خرقاء من الجانبين عن أهمية «التجانس المجتمعي» (وأساسه بناء الجسور، لا الأسوار) لصحة المجتمع ومستقبله.
ربما لم تتناول «يوتوبيا» (التي كتبت في ٢٠٠٨) هذا البعد تحديدا للانقسام والاستقطاب «والاغتراب»، ولكن ما تتحدث عنه من أسوار في الصحراء قد لا يبتعد كثيرا.

 

***

تحدثنا «يوتوبيا» عن الشرق الأوسط الجديد: المثلث الذي حلمت به إسرائيل كثيرًا؛ مال خليجي .. وذكاء إسرائيلي.. وأيد عاملة عربية رخيصة

انتهى الروائي من روايته، ولم تكن أحاديث «الصفقة» قد ملأت الدنيا بعد، بل لم تكن حتى مقدماتها. لكن «يوتوبيا» تتحدث في ٢٠٠٨ عن ما لم نكن نريد أن نراه على حقيقته: «الشرق الأوسط الجديد.. المثلث الذي حلمت به إسرائيل كثيرًا.. مال خليجي (قبل أن ينضب).. ذكاء إسرائيلي.. أيد عاملة مصرية رخيصة». هكذا نقرأ في الرواية، التي تحكي لنا عن هؤلاء  الحريصين على تجنب إزعاج أنفسهم بذكريات الحرب مع الصهاينة. فالاستقرار لديهم قرين السلام «الذي يتوهمونه»، لا العدل «الذي لا استقرار واقعيًا بدونه». 

«نحن الفقراء لم نكف يوما عن اعتبار إسرائيل عدوًا»، يذكرنا بها في الرواية أحد الذين، رغم بساطتهم يدركون (عكس هؤلاء الواهمين) المعنى الحقيقي «للأمن القومي»، دونما الحاجة إلى أن يلوكوا المصطلح إعلاميا كل يوم. أولئك الذين عرفناهم بعد ذلك بسنوات في شباب مصري لم يتردد (حين أتاحت له الثورة حرية التعبير) أن ينزل العلم الإسرائيلي من أعلى مبنى سفارتها. بالمناسبة، عوقب الشباب على «موقف شبيه»، بعد ذلك ، وما يزالون يعاقبون على كل مبادئهم وأحلامهم «المشروعة»

***

لم يكن أحمد خالد توفيق يكتب لجيل بعينه، ولكن بوصفه الأكثر براءة وصدقًا، قرأه جيل؛ بحكم التعريف وسنوات العمر هو الأكثر براءة وصدقًا.

«يوتوبيا»، ربما كانت الأشهر. قرأها، على الأرجح كل جيل قرائه، الذي كُتب عليه (أو قضينا عليه) بأن يكون المعذب بأحلامه، وطموحاته.. وإحباطاته. ولكن ربما لم يقرأها كثير من قراء هذه الجريدة، الذين ينتمون لجيل أكبر، شاءت الظروف أن يكون جيل صناع القرار، سواء في سدة السلطة، أو مستندين عليها، أو مساندين لها (على الأريكة الشهيرة) مسبحين بوهم «الاستقرار» حتى لو كان على حساب مقتضيات الاستقرار ذاته ومقوماته. وحتى لو كان على حساب «العدل» الذي يقولون إنه «أساس الحكم» كما يكتبون على اللافتة الشهيرة المشتقة من نوستالجيا شعارات حزبهم التاريخي القديم. وحتى لو انتشر «الظلم» الذي بوصفهم «متدينين»، أو يظنون ذلك، يرددون في أحاديثهم، وأمثالهم الشعبية أنه «يذهب بالبركة».

قبل أن يغادرنا، يقول أحمد خالد توفيق كلمته الأخيرة مبكرا (٢٠٠٨) على لسان أحد شخوص روايته: «ليس فقركم ذنبنا.. ألا تفهمون بعد أنكم تدفعون ثمن حماقاتم وغبائكم وخنوعكم.. أنتم لم تفهموا اللعبة مبكرًا لذا هويتم من أعلى إلى حيث لا يوجد قاع.. عندما هب الجميع ثائرين في كل قطر في الأرض، هززتم أنتم رءوسكم وتذرعتم بالإيمان والرضا بما قسم لكم»..

في الفصل الأول من روايته، وكأنه يبرر النتائج، يصور توفيق المشهد المهيب للانسحاق أمام القوة الغاشمة بذلك الرجل «الذي أنهكه الركض.. والقنوط»، ورغم أنه توقف وجثا على ركبتيه بعد أن بدا أن «لا حيلة له»، لم تتردد الهليكوبتر التي ظلت تحوم حوله في تؤدة أن تمزقه إربًا. «لا يوجد هدف أوضح أو أسهل من رجل أعزل وسط رمال الصحراء». هكذا رآه طيارو الهليكوبتر. وهكذا هي الصورة دائما «من أعلى»، لمن ينسى أن حتى الطائرات تسقط.. وأن «الله فوق الجميع».

***

يبقى أن لا جديد في التذكير بأن صاحب نبوءة «يوتوبيا» كان قد تنبأ بموعد وفاته، ومشهد الجنازة. ولكن ربما كان في التذكير، تنبيه لأن تأخذ نبوءاته على محمل الجد. في روايته «قهوة باليورانيوم»، وتحديدا في الصفحة ٦٢: «اليوم، كان من الوارد جدا أن يكون موعد دفني هو الأحد ٣ إبريل بعد صلاة الظهر.. إذن كان هذا هو الموت، بدا لى بسيطا ومختصرا وسريعا، بهذه البساطة أنت هنا، أنت لم تعد هنا، والأقرب أنني لم أر أي شيء من تجربة الدنو من الموت التي كتبت عنها مرارا وتكرارا، تذكرت مقولة ساخرة قديمة، هي أن عزاءك الوحيد إذا مت بعد الخامسة والأربعين هو أنك لم تمت شابا». هكذا كتب، وهكذا كان: في الثالث من أبريل من العام الماضي، بعد صلاة الظهر.

………………….

كما يبقى أن في رحلة أحمد خالد توفيق أنه (رغم كونه طبيبا كبيرا) كثيرا ما كان يصعب عليه (ككثير من المرضى) أن يجد الدواء الذي لا بديل عنه لحالته المرضية المزمنة الحرجة. ربما لخلل في أولويات البيت الكبير حيث تجور أحلام «اليوتوبيا» أحيانا على أحلام أصحاب الحق في لقمة الخبز الكريمة.. والدواء. كتب هو عن ذلك يوما دون أن يلتفت أحد. بالضبط كما لم نلتفت جميعا إلى ما تنبأ به في روايته.

***

وبعد..

«فطبوغرافيا» الصحراء تعرفُ التيهَ والرمال المتحركة.. بالضبط كما يعرف مرتادوها سراب الأوهام، وأحلام اليقظة. وقانا الله تيه الصحراء.. وأوهام اليقظة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمتابعة الكاتب:

twitter: @a_sayyad

Facebook: AymanAlSayyad.Page

أيمن الصياد  كاتب صحفى
التعليقات