للشوارع من اسمها نصيب - تمارا الرفاعي - بوابة الشروق
الأربعاء 26 فبراير 2020 5:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


للشوارع من اسمها نصيب

نشر فى : الخميس 7 مارس 2019 - 12:45 ص | آخر تحديث : الخميس 7 مارس 2019 - 10:38 ص

فى المدينة الجديدة التى أزورها هذه المرة لفترة أطول من زياراتى المعتادة، أبحث باستمرار عن معالم مألوفة، أقنع نفسى أننى لو وجدت معالم مألوفة فإننى سوف أحفظ طريقى وأعرف كيف أعود أدراجى، فى الحقيقة، أنا أبحث عن معالم أستطيع أن أدعى أننى أعرفها، أبحث عن شوارع وعمارات وبقاليات تشعرنى أننى تعاملت معها من قبل، لم أتعامل فى السابق قط مع هذه المدينة على أساس أن علاقتنا طويلة الأمد، لذا فإننى لم أرسم خارطتها فى عقلى، ولم أرتبط عاطفيا بأى ركن فيها خلال زياراتى السريعة لها.
***
كانت تلك مقدمة غير دقيقة، كلام سريع فى لحظات اشتقت فيها لما أعرفه، فى الواقع فقد سألت بلهفة مرتين عن اسم شارع كنت أسير فيه مع أصدقاء، الشارع الأول اسمه شارع القاهرة، والثانى شارع الأمويين، يا للصدف، قلت لنفسى، أن أسأل عن شارعين فقط لتظهر أمامى مدينتين أنتمى إليهما، أما المرة الثالثة التى غلفنى شعور لا يقاوم بالألفة كانت حين وجدت نفسى بمحض الصدفة أمام فرن قديم وضع صاحبه فى واجهته أرففا من الخبز الطازج، فجأة دارت بى الدنيا وتحرك كل ما حولى.
***
لطالما أحببت الأفران القديمة فى المدن العربية. أحب رائحة الخبز وحركة الفران وهو يرمى العجين بخفة فتلتصق بأطراف الموقد. أحب رائحة الخبز البلدى، المعجون على رائحة المدن، دون أى زيادات مصطنعة، دون فانيليا أو أى نكهات، هى رائحة عامل الفرن وهو يفتح الباب فى الصباح الباكر وينشر الدقيق على الرخامة. هى رائحة المناقيش بعد أن يزين الفران العجين بالزعتر وزيت الزيتون، هى رائحة القهوة كما تشربها سيدة مسنة كل صباح، فتغلى لنفسها كمية كبيرة وتجلس على شرفة بيتها تشربها. هى رائحة الفطور قبل المدرسة ورائحة العشاء من بعدها.
***
لا رائحة تذكرنى بالبيت مثل رائحة فرن قديم، لم تجتحه حمى الحداثة والنكهات بعد، لا يصنع أرغفة دخيلة على سفرتنا وليالينا، ها أنا إذا أتمشى فى شارع القاهرة وشارع الأمويين، فى مدينة أنا دخيلة عليها، أشترى خبزا بأحجام مختلفة حتى تسألنى قريبتى لمن كل هذا الخبز فأقول لنا، أى لى ولها، دون سبب منطقى يبرر غرقي؟؟؟ فى رائحة العجين.
***
أشعر أحيانا أننى أحمل فى قلبى قطعة من أماكن أحببتها وعشت فيها مراحل مهمة فى حياتى، حتى أننى عند انتقالى إلى مكان جديد، أبحث فيه فورا عن تلك القطع وعلى الغالب أجدها. أولست الآن فى شارع القاهرة؟ دون ضجيج القاهرة وبعيدة كل البعد عن بائع الورد الذى اعتاد أن يقف على ناصية شارع بيتى هناك. أين هم بياعو الورد هنا؟ لم أتعرف عليهم بعد. أين هو ذلك الشاب الخجول الذى أراه فى شارع بيتنا هناك يحمل الغسيل المكوى إلى أصحابه؟ لم يفهم حين قلت له صباح الخير فى الشارع أول مرة، ارتبك ولم يجب، ثم مع الوقت صار يسلم ويسأل عن حالى وعن صحتى.
***
أشعر أننى أترك أيضا جزءا منى فى كل مدينة أرحل عنها، فأمشى فى المدينة الجديدة وأنا ناقصة، سقطت منى قطعة تركتها هناك ولم ألتقطتها. فعلت ذلك عن عمد، وكأننى أريد أن أترك قطعتى؛ حيث تنتمى حتى أعود إليها. أشعر بالضجر، فأجد نفسى دون تفكير فى شارع الأمويين؛ حيث الأصل والقصص القديمة، هى قصصى وليس قصص هذه المدينة الجديدة، إنما يشعرنى اسم الشارع بأننى ما زلت وفية لدمشق. أشعر بالبعد، فأطلب من صديقتى التى تقود بنا السيارة أن تتجه نحو شارع القاهرة. تستغرب الصديقة فلا شأن لنا فى ذلك الشارع. أقول إننى أبحث عن بيت هناك دون أن أعطيها تفاصيل.
***
للشوارع من اسمها نصيب، للأسماء من الذاكرة نصيب، للذاكرة من القلب نصيب. هكذا أبنى علاقاتى بالمدن والأماكن، تقاطعات لا تنتهى، محاولات للبحث عن المألوف ضمن الجديد. أكثر ما يعطى الجديد ألفة طبعا هو وجه صديقة عرفتنى فى مدنى الماضية، فمعها لا داعى لأى شرح. أجلس أمامها فى المقهى وأكمل حديثا بدأناه فى حياة سابقة. فى وجه تلك الصديقة سنوات من الكلمات عبرنا من خلالها أزمات وأفراح. أين نحن اليوم من سنوات مضت؟ سنوات رسمت تجاعيد خفيفة تظهر حول عينينا ونحن نضحك ونبكى فى آن واحد فى المقهى، مدن لم نعد نجد أنفسنا فيها إنما حفظنا أجزاء منها داخل أنفسنا.
***
على أعتاب مدينتى الجديدة، حيث وجدت شارعا للأمويين وآخر لأم الدنيا، أتنفس بعمق حتى أتفادى تلك العقدة الخانقة التى تمسك برقبتى، وأتذكر أننى قد تصالحت مع فكرة الانتقال، وأن حياتى هى مسلسل يتم تصوير كل حلقة أو أكثر منه فى مكان قبل أن ينتقل فريق العمل إلى مكان آخر. هو خيار أخذته وعائلتى، خيار يجعلنى أهيم فى كل مدينة أصل إليها بحثا عن بائع الورد الذى أعرف أنه سوف ينتظرنى عند ناصية شارعى فى القاهرة. قد تظهر تجاعيد حول عينيه هو الآخر مع مرور الوقت، لكنه سوف يكون بالانتظار حين أعود.

تمارا الرفاعي كاتبة سورية
التعليقات