آخر طنط - نيفين مسعد - بوابة الشروق
السبت 25 يناير 2020 8:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

آخر طنط

نشر فى : الخميس 7 مارس 2019 - 9:15 م | آخر تحديث : الخميس 7 مارس 2019 - 9:15 م

في طفولتنا كانت تسبق علاقات قرابتنا المتنوعة ألقاب من نوع طنط وأنكل وتيتا وجدو، وكانت بعض الألقاب مثل أبيه وأبلة على درجة واسعة من الانتشار. احتل لقب أبيه مركزا وسطا بين مخاطبة الآخر بضمير المخاطب أنت ومنحه لقب أنكل، وهذا نفسه كان الوضع بالنسبة للقب أبلة الذي هو أقل تحفظا من لقب طنط لكنه لا يسمح برفع الكلفة تماما مع هذه القريبة أو تلك. الآن اختفى لقب أبيه الذي ليس واضحا أصله اللغوي، أما لقب أبلة فلم يعد أحد يصادفه إلا على سبيل التريقة في الطريق العام. وعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين دلالة لقبّي أبلة وحاجة إلا أن المُلاحَظ أنهما يستخدمان بالتبادل، فأحيانا يلقّب بعض الصغار المفاعيص النساء في الطريق بأبلة وأحيانا أخرى يخلعون عليهن لقب حاجة، المهم ألا يناديك أحد في الشارع يا مدام وبالتأكيد لن يناديك أحد يا هانم كما كان الحال في الأيام الخوالي. على كلِ ليس غرض المقال الترحم على أخلاق المصريين، إنما غرضه تأمل الدلالات الإنسانية لعلاقات قد تبدو عادية.
***
تمر بِنَا الأيام فتنفرط حبات عقد الأحبة، كل حبة عقد هي لشخص من لحم ودم كانت له معنا حكاية ثم انتهت برحيل صاحبها، معظم هؤلاء الأشخاص كانوا يكبروننا في العمر وبالتالي كنّا نختار من الألقاب ما يناسب المسافة العمرية التي تفصلنا عن كل واحد منهم. نكبر ولا نستوعب أننا نكبر، نعيش أكثر ونكّون أسرا ونصير أعماما وخلاّنا وجدودا مُذكَرين ومؤنثين، ثم تأتي لحظة نتلفت فيها حولنا فلا نكاد نجد أحدا من الأحبّة ممن كنا نسبق أسماءهم بألقاب الاحترام والتقدير، وعندها فقط ننتبه إلى أن الدنيا تغيرت. هل فكر أحدنا في هذا المعيار العجيب لقياس الشيخوخة، معيار انقراض من كنّا نناديهم بأنكل وطنط؟ هذا معيار مهم لأنه يعني ببساطة أننا قد ودّعنا كل من هم أسّن منّا وبتنا نجلس على مقاعدهم .
***
على حين غِرّة رنّ جرس التليفون الأرضي، لا أَحد يستخدمه عادة فمن يا ترى يكون المتصل؟ الرقم الذي يظهر على الشاشة لا يحمل أي دلالة. آلو؟ قالت صاحبتنا بصيغة استفهام، لكن الصمت ران على الجانب الآخر من الخط. كررت مرة أخرى: آلو فأتاها صوت شديد الوهن قائلا: مين؟ نُنّة؟. لم تنطق صاحبتنا فلقد رمت لها محدثتها بدفقة من الدهشة ألجمت حواسها الخمس حاسة حاسة، نُنّة هذا كان واحدا من عدة أسماء دلع أطلقها عليها الأهل من نحو نصف قرن أو يزيد، وقتها كانت نُنّة فعلا، أما الآن.. الآن.. كتَمَت ضحكة كبيرة. لكن ترى من يذكر هذا الاسم العجيب؟ لم يتأخر الرد طويلا : أنا طنطك عنايات! لا لا لا .. نُنّة وطنط في آن واحد، من يأتي صاحبتنا بجريدة هذا الصباح لتطالع اليوم والشهر والسنة وترصد حركة الزمن. لقد وجَدَت لها "طنط" بعد كل هذا العمر الطويل، غشاها إحساس عجيب تمازجت فيه السعادة مع جلد الذات، فمثل أبطال أفلام الأبيض والأسود الذين كانوا يكتشفون صدفة أن لهم قريباَ مليونيرا يعيش في البرازيل اكتشفَت صاحبتنا أن لها "طنط" ما زالت على قيد الحياة وأن ثروة إنسانية رائعة هبطت عليها من السماء. لكن وجود طنط على قيد الحياة دون علم صاحبتنا فيه اتهام صريح لها بالتقصير لأنها لم تسأل عنها ولم توّدها ولم تزرها ولا مرة واحدة طوال كل هذه السنين. طنط عنايات.. وحشتيني، رن في أذن صاحبتنا لقب طنط رنين الذهب مع أنها كانت هي التي تتحدث، عصرت ذهنها عصرا لتستعيد ملامح طنط عنايات فما تكاد تمسك بها حتى تفلت منها، هل كانت طيبة؟ نعم كانت طيبة وكانت تحترم خوف أطفال العائلة من كلبتها الصغيرة وإن لم تكن تصد ولا ترد، هذا الأمر تذكره صاحبتنا جيدا. كان لطنط عنايات ابن وحيد وكان لا يسمح لأحد بأن يقترب من لعبه، هذا أيضا أمر تذكره صاحبتنا، ترى أين ذهب ابنها؟ ليس من الحكمة طرح هذا السؤال عليها .
***
لم يعد ما بعد طنط عنايات مثل ما كان قبلها، صارت لصاحبتنا همزة وصل مع مرحلة الطفولة والصبا، ظهرت لها قريبة تشاطرها الذكريات وتختلي بها لتختبئان معا داخل شرنقة من الحواديت والصور ولقطات الفلاش باك، ليس هذا فقط لكن مادامت طنط هي الأكبر فلن تكون صاحبتنا في موقع المسؤولية عن كل شيء، وسوف تخفف عنها الحِمل وربما تزيحه تماما، ما هذا الخرف؟ من هي تلك التي ترفع المسؤولية وتزيح الحِمل؟ هل هي هذه القريبة المسنة التي لا يُسمَع لها صوت إلا بالكاد؟ هل تصورت صاحبتنا بالفعل أنها نُنّة؟ عذرا .. عذرا فظهور طنط عنايات مفاجئ، مباغت، مدهش، مربك. كانت صاحبتنا تحتاج هذا التجلي من طنطها أو من أي أحد كما يحتاج الضعفاء والمحبطون أن يتجلى لهم طيف السيدة مريم العذراء فتطمئنهم إلى أنهم ليسوا وحدهم، وفي الأيام القليلة الماضية كانت صاحبتنا بالغة الضعف وطنط عنايات تعرف ذلك جيدا، هل هي حقا تعرف؟ .
***
غيّرت هذه الطنط حياة صاحبتنا وقلبت نظامها، فأن تصفها بأنها ثروة هبطت من السماء أو بأنها طيف نوراني يمشي بين السحب فالأمر سيان والمعنى واحد: لا زال هناك فرع في الشجرة اليابسة، إلى متى يبقى الفرع وحيدا؟ غير معروف فالفرع قد يسقط فجأة، لا لا أعوذ بالله من هذا الخاطر المفزع. أولا يمكن أن يظهر للشجرة فرع آخر وتتصل طنط أخرى؟ جائز جدا، لكن حتى يحدث ذلك ستظل طنط عنايات وحدها تعتلي عرش الاهتمام، وستظل في حياة صاحبتنا هي آخر طنط .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات