رجال حول الوطن - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 9:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

رجال حول الوطن

نشر فى : الخميس 7 فبراير 2019 - 9:55 م | آخر تحديث : الخميس 7 فبراير 2019 - 9:55 م

عن دار نشر بتانة صدر قبل أيام كتاب "رجال حول الوطن" للكاتب الكبير محسن عبد العزيز، وفيه يتوقف عبد العزيز أمام سِيَر سبعة عشر شخصية مصرية تنتمي لمجالات السياسة والعسكرية والفلسفة والإبداع. ومن هذه الزاوية فإن الكتاب ينتمي إلى فئة الأعمال التي تنظر إلى الوطن من خلال مجموعة من أبرز شخصياته، ومن تلك الأعمال: كتاب "شخصيات لها تاريخ" للدكتور جلال أمين، وثلاثية الدكتور مصطفي الفقي تحت عناوين "ذكرياتي معهم" و"عرفتهم عن قرب" و"شخصيات على الطريق"، وأيضا كتاب "وجوه تطل من مرايا الروح" لعزمي عبد الوهاب و"بورتريهات بألوان الشجن" للدكتور خالد منتصر.. إلخ. كل واحد من هذه الأعمال كان له مدخله الخاص في تناول الشخصيات العامة، منها مدخل التأريخ السياسي لمرحلة معينة، ومدخل العلاقة الخاصة بين الكاتب وشخصياته، ومدخل درجة تأثير الشخصيات داخليا وخارجيا ونوع هذا التأثير.
***
وفيما يخص كاتبنا محسن عبد العزيز فلقد رأى البعض أن مدخله في اختيار نماذجه كان مدخل الاستنارة العقلية، بمعنى أن الخط الواصل بين كل شخصيات كتابه هو أنها ضد الانغلاق الفكري. ولعل هذا الانطباع نشأ نتيجة أن الكاتب بدا وهو يحكي عن شخصياته متأثرا باللحظة التاريخية التي "انقض فيها الظلاميون على حكم مصر"، وكأنه يريد أن يقول بكتابه هذا: نعم كان هناك خطر داهم محدق بالوطن، لكن الوطن قادر دائما على مواجهة هذا الخطر ما بقيت لديه عقول نيّرة. هنا أسجل ملاحظتين، الأولى أن معركة الكاتب هي مع تخلف الفكر الديني وليست مع الدين نفسه، لذلك كان طبيعيا أن يتصدر عنده الإمام الشيخ محمد عبده قائمة فلاسفة الاستنارة . والثانية أن الكاتب وسّع من مفهوم الوطن ليتجاوز الحدود الجغرافية لمصر وأدخل ضمن كتيبة التصدي لخفافيش الظلام شاعراً سورياً كبيراً هو نزار قباني، فهل كان يقصد الكاتب أن المعركة مع هذه الخفافيش هي معركة مصرية /عربية؟ أم تراه كان يرمز إلى العلاقة الخاصة بين مصر وسوريا لاسيما أن نزار هو الشخصية العربية الوحيدة في الكتاب؟ الإجابتان واردتان. سؤال آخر : هل يمكن أن يجتمع التفتح العقلي مع الانغلاق السياسي كما في حالة عبد الناصر ؟ والإجابة نعم يمكن، وهكذا كان بورقيبة وأتاتورك، الوضع الأمثل بالتأكيد أن يكون الانفتاح سمة عامة للحكم فكريا واجتماعيا وسياسيا، لكن توجد استثناءات.
***
ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام، القسم الأول سياسي/ عسكري وتحدث عن محمد نجيب وجمال عبد الناصر وسعد الدين الشاذلي ومحمد عبد الغني الجمسي، والقسم الثاني فلسفي وتضمّن محمد عبده ودكتور لويس عوض ودكتور فؤاد زكريا وصلاح سالم ( وإضافة اسم الفيلسوف الشاب صلاح سالم هو تذكير حميد من الكاتب بأن نهر الحياة يجري) ، والقسم الثالث أدبي واتسع لدكتور يحيى حقي وكامل الشناوي ودكتور يوسف إدريس وصلاح جاهين ونزار قباني وأمل دنقل ، والقسم الأخير صحفي وتعرض لمحمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين وَعَبد الوهاب مطاوع . ولقد أبدع الكاتب بالذات في القسمين الثالث والرابع بحكم تخصصه وبدا على راحته وهو يصول ويجول في ملعبه. هكذا كان محسن عبد العزيز عالما بمَوَاطن الجمال في دُرّة أعمال يوسف إدريس "أرخص ليالي" (أصّر إدريس على كتابة ليالي دون حذف الياء) ، وكان قادرًا على مقارنة جماليات أساليب المبدعين ما بين عامية صلاح چاهين وعلمية يحيى حقي ووضوح أحمد بهاء الدين وزُخرُف محمد حسنين هيكل. كان بارعا في الغوص في نفسيات المبدعين واستجلاء علاقة نشأتهم الأولى بطُرُزِهم الأدبية، فهذا نزار قبّاني ابن "الأسرة المجنونة التي يموت أفرادها من أجل الفن" يكتب مالم يتجاسر على كتابته أحد في الحب والسياسة معا، وذاك أمل دنقل الذي تيتم في العاشرة ورأى أهله يتصارعون على الميراث فعاش لا يبتسم واحترف شعر التمرد . نقل إلينا الكاتب عذابات العاشق كامل الشناوي فوددنا لو لم يضلّه الهوى بحب من طرف واحد وتمنينا أن يعيش أكثر وتتوالى قصائده، وآه من قصائد هذا الكامل. أحببت جدا هذين القسمين لأن الكاتب كان يحكي حكى الخبير، ولأنه أضاف لقارئه بعضا مما يعرف.
***

نوقش كتاب محسن عبد العزيز في معرض الكتاب الأخير حيث أدار النقاش باقتدار الكاتب والشاعر مصطفى عبادة وشارك فيه المثقف البارز الدكتور مصطفى الفقي وكاتبة هذا المقال. بدأ الدكتور الفقي بسؤال حول عنوان الكتاب سرعان ما انشغل به الحضور، ما بين مطالب بتعديله إلى رجال من الوطن لأنه أوقع، ومُطَالِبٍ بالإبقاء عليه لأنه أكثر جاذبية، واتضح أن العنوان كان محلا لنقاش طويل عريض بين الكاتب والناشر. أما أنا فقد أشرت إلى التباس موقف الكاتب من بعض شخصياته السياسية بحكم غزارة ما كُتِب مدحا فيها وذما لها فترك المذكرات تحاجج المذكرات، لكن ما رأيته أنا التباسا وجده محسن عبد العزيز موضوعية . في هذه الأمسية ملأ الحضور القاعة وارتفعت حرارة النقاش، بلغ التفاعل ذروته كالمتوقع مع شخصية جمال عبد الناصر ولم تفلت شخصية عبد الوهاب مطاوع من الجدل، وفي المجمل كان هذا الحدث الثقافي مُشبعا تماما كما هو كتاب "رجال حول الوطن " .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات