فيروس كورونا والسلوكيات الاجتماعية - وليد محمود عبد الناصر - بوابة الشروق
الإثنين 20 سبتمبر 2021 5:19 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد محاسبة الطبيب المتهم في واقعة فيديو «السجود للكلب»؟

فيروس كورونا والسلوكيات الاجتماعية

نشر فى : الخميس 7 يناير 2021 - 8:40 م | آخر تحديث : الخميس 7 يناير 2021 - 8:40 م

نتيجة مرور ما يزيد عن عام منذ ظهور وباء «فيروس كورونا» المعروف علميا باسم «كوفيد 19» فى العالم بصفة عامة، وما يقرب من عام على انتقاله إلى أوروبا على وجه الخصوص، أتاحت تلك الفترة الممتدة زمنيا إلى حد ما الفرصة للكثير من مراكز قياسات الرأى العام وكذلك مراكز البحوث والدراسات عبر العالم، خاصة فى البلدان المتقدمة، للبحث فى انعكاسات تلك الأزمة على جميع أوجه الحياة فى المجتمعات المختلفة. وسوف نتناول فى هذا السياق العديد من التداعيات لانتشار ذلك الفيروس اللعين على الأخلاقيات المدنية والسلوكيات الاجتماعية وأنماط التفاعل فيما بين البشر فى الغرب، مع تركيز خاص على البلدان الأوروبية.
فبدايةً نقول إن العديد من استطلاعات الرأى والدراسات والأبحاث فى بعض البلدان الأوروبية اتفقت فى استنتاجاتها على أن الظهور المفاجئ لـ«فيروس كورونا»، ومن ثم انتشاره المتسارع الخطى منذ الموجة الأولى فى يناير 2020 فى القارة الأوروبية، أدى فى العديد من الأحيان إلى بروز أنماط متناقضة فى السلوكيات الاجتماعية فيما بين بشر مختلفين داخل المجتمع الواحد، بل وداخل نفس الفئة من الطبقة الاقتصادية والاجتماعية الواحدة ومن أبناء نفس الخلفية التعليمية وقادمين من ذات المنطقة الجغرافية المحددة، وكذلك متشابهين أو متماثلين عرقيا وقوميا ولغويا وينتمون إلى نفس المرجعيات الثقافية.
وكنموذج أو مثال على تلك السلوكيات المتناقضة كان التباين فيما بين ما أدت إليه سياسات الإغلاق، وإن بدرجات مختلفة، التى تبنتها الغالبية العظمى من البلدان الأوروبية، فى مراحل مختلفة من مراحل الإغلاق، سواء فى إطار الموجة الأولى من انتشار الوباء، ثم مجددا حاليا فى سياق الموجة الثانية من انتشار نفس هذا الوباء اللعين، حيث من جانب كان إعلان أعداد ممن تعرضوا لتلك الإجراءات وعاشوا فيها لمدة أشهر عديدة عن شعورهم بالإصابة بأنواع متعددة وبدرجات متنوعة من الاكتئاب النفسى بسبب هذا الغلق وعدم الخروج للعالم خارج المنزل وعدم التفاعل الشخصى إلا مع محيط الأسرة المباشرة فقط، ومن جانب آخر كان تعبير أعداد أخرى، لا تقل عددا عن أعداد المجموعة الأولى، عن شعورهم بأن ذلك الإغلاق منحهم فسحة من الوقت للراحة والارتخاء والاستشفاء من الضغوط المتسارعة للحياة اليومية ومتطلباتها فى فترة ما قبل اندلاع الأزمة الناتجة عن ظهور وانتشار الوباء، والحصول على عطلة إجبارية عن تلاحق المسئوليات والالتزامات، أو على الأقل حدوث تراجع كبير فى تلك المسئوليات وما ولدته من ضغوط.
وبجانب المثال السابق ذكره، كانت هناك أيضا مؤشرات أثبتتها الدراسات الأخيرة، تتصل بحدوث تصاعد فى سلوكيات اجتماعية متضادة مع بعضها البعض، وهى تتصل، من جهة، بترجيح تسبب انتشار الفيروس وتعاظم أعداد ضحاياه فى حدوث ارتفاع لمعدلات الطلاق فى تلك المجتمعات خلال فترة الغلق الأولى، وتم إرجاع ذلك إلى لجوء الزوجين للعمل من المنزل وعدم مغادرته وارتباط ذلك بانفراد الزوجين ببعضهما البعض لفترة ممتدة، ربما فى حالات كثيرة للمرة الأولى منذ زواجهما، مما تسبب فى شجارات ومشاحنات مستمرة تواصلت وتصاعدت حدتها فى بعض الأحوال لتصل إلى نقطة الطلاق النهائى، وما ترتب على ذلك من انهيار الخلية الأولى فى المجتمع وهى الأسرة، وفى حالات وجود أطفال، بدء سلسلة لا تنتهى من الأسئلة المفتوحة بشأن مصير هؤلاء الأطفال. ومن جهة أخرى، شهدت نفس الفترة الزمنية للغلق أن العديد من الأزواج والزوجات أظهروا سعادة بالغة للعمل من المنزل وعدم مغادرته باعتبار أن ذلك أتاح لهم فرصة غير مسبوقة للبقاء برفقة أطفالهم وأن يحظوا بصحبتهم المستمرة ويتمكنوا من التفاعل معهم بشكل مكثف والتعرف على اهتماماتهم وآمالهم وشكواهم.
وننتقل الآن إلى ظاهرتين مؤكدتين أثبتتهما الدراسات والأبحاث الأخيرة فى حالة غالبية المجتمعات الغربية التى مرت مرتين حتى الآن بفترات غلق، أما أولهما فتتصل بتراجع بنسب لها وزنها وثقلها فى معدلات الجريمة خلال فترة الغلق الأولى، وبالرغم من التمكن من إثبات هذا التراجع كميا من خلال متابعة البلاغات عن الجرائم من جهة ومراجعة كشوفات أجهزة الشرطة المحلية من جهة أخرى، فإن التفسيرات اختلفت وتفاوتت بدرجات كبيرة. فالبعض فسره، طبقا للتفسير الكلاسيكى للسلوك الإجرامى، وذلك على أساس أن تواجد البشر فى مساكنهم وقلة استخدامهم لسياراتهم، وكذلك قلة أعداد المارة من البشر فى الشوارع والمطاعم والمحلات، كل ذلك أدى إلى نتيجة منطقية ألا وهى أن تقل معدلات الجريمة، لأن المجرم فى هذه الحالات يتحمل مخاطرة أكثر من تلك المعتادة فى الظروف العادية. وعلى الجانب الآخر، وبعيدا عن التفسير السلوكى المحدد، اتجه البعض فى تفسير انخفاض معدلات الجريمة إلى مزيج من الاعتبارات النفسية وتلك المجتمعية، وتراوحت تفسيرات هؤلاء ما بين الحديث عن شعور مجتمعى بالخطر المحدق بالجميع وغير معروف المصدر أو العلاج أو المدى الزمنى لتحقق الخلاص منه ومن ثم تناقصت قيمة الاعتبارات المادية من السعى للثراء وغيرها للانكفاء إلى الحفاظ على البقاء على قيد الحياة كهدف حيوى وأساسى، وما بين ما أوجده الوباء، خاصة فى مرحلة الغلق الأولى من مشاعر تضامن اجتماعى، ربما كانت موجودة من قبل ولكنها كانت كامنة وغير محسوسة، وغلب حس الانتماء الجماعى، حتى ولو لضمان البقاء، لدى كثيرين على مسعى الكسب الفردى بكل الطرق، ولو كانت غير قانونية.
والظاهرة الأخرى المؤكدة هو حدوث تصاعد فى معدلات الانتحار فى غالبية المجتمعات التى مرت بمراحل غلق فى الربيع ومطلع الصيف الماضيين، وتتداخل هذه مع ظاهرة أخرى أشرنا إليها فى فقرة سابقة من هذا المقال تتعلق بوجود حالات تولد لديها شعور بالاكتئاب النفسى، كما تتداخل أيضا مع ما ذكرناه فيما سبق بشأن ارتفاع فى معدلات الطلاق. إلا أن الارتفاع فى معدلات الانتحار ليست متطابقة مع الظاهرتين المذكورتين، حيث إنها مرتبطة باعتبارات أخرى. وبدايةً تجدر الإشارة إلى أن مسألة الانتحار هى فى الأصل تعتبر متواجدة بمعدلات مرتفعة نسبيا أصلا فى العالم الغربى، خاصة فى العديد من البلدان الأوروبية، مقارنةً ببقية أرجاء العالم، ولكن الزيادة التى طرأت فى فترة الغلق الأولى ارتبطت بالعديد من العوامل النفسية والعصبية، وليس فقط حالات الاكتئاب النفسى، بالإضافة إلى اعتبارات اقتصادية، حيث إنه بالرغم من أن غالبية الحكومات الأوروبية سعت لتعويض المؤسسات والأفراد من أصحاب الأعمال عن جزء، صغر أو كبر، من الخسائر التى تكبدوها نتيجة حالة الغلق، بهدف رئيسى هو عدم لجوء تلك المؤسسات والأفراد إلى تسريح العاملين لديها، ومن ثم ارتفاع معدلات البطالة، التى لم تكن قد تعافت تماما منذ الأزمة المالية العالمية فى عام 2008، فإن هذا التعويض فى الكثير من الأحوال لم يكن شاملا، ولم يرق إلى الحجم المأمول من المؤسسات والأفراد أصحاب الأعمال، مما ألجأهم فى العديد من الحالات إما إلى التخلص من العمالة المؤقتة لفترة قصيرة مع دفع تعويضات بطبيعتها متواضعة لأنها لا تتعلق بعمالة ثابتة، أو فى حالات أخرى عدم تجديد عقود أصحاب العقود الثابتة فور تصادف انتهائها. وفى الحالتين كانت النتيجة واحدة وهى إلقاء المزيد من الأفراد، ومن ثم الأسر، إلى قوائم العاطلين عن العمل، وهو ما كان صعبا على بعض من تعرض لتلك المواقف وفضلوا التخلص من حياتهم عن محاولة البحث عن عمل آخر فى زمن صعب فيه بالضرورة وجود أى وظائف جديدة معروضة فى سوق العمل.
وهكذا حاولنا أن نعرض لبعض التداعيات التى خلفها فيروس كورونا وما ترتب على ظهوره وانتشاره من نتائج على الأوضاع المجتمعية، سواء السلوكيات أو أنماط التفاعلات، فى العديد من المجتمعات الغربية، خاصة الأوروبية، علما بأن معظم الدراسات التى أفرزت تلك الاستنتاجات تمت خلال فترات الغلق الأولى فى المجتمعات الأوروبية والتى استمرت من شهر مارس إلى شهر يونيو من عام 2020.

وليد محمود عبد الناصر مفكر وكاتب مصرى
التعليقات