ليبيا ما بين حالة انتظار وسباق مع الوقت - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 3:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


ليبيا ما بين حالة انتظار وسباق مع الوقت

نشر فى : الأربعاء 6 أكتوبر 2021 - 9:00 ص | آخر تحديث : الخميس 7 أكتوبر 2021 - 11:37 ص

تعيش ليبيا حاليا فى مرحلة صعبة ما بين حالة انتظار أن يتوصل الفرقاء الليبيون إلى توافق عام فيما بينهم بشأن القواعد القانونية التى سيجرى بموجبها الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقرر لها ٢٤ من ديسمبر 2021 وفقا لمخرجات ملتقى الحوار السياسى الليبى فى جينيف فى أكتوبر 2020، وهل ستجرى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معا كما هو متفق عليه أم ستجرى منفصلة وتبدأ بالرئاسية وتؤجل البرلمانية للعام القادم؟، ومن لهم حق الترشح للانتخابات الرئاسية، هل يفتح باب الترشيح لكل ليبى تنطبق عليه الشروط، أم يستبعد العسكريون من الترشح؟!.
أما حالة السباق مع الوقت فإن الأغلبية العظمى للأطراف الفاعلة فى ليبيا وعلى المستويين الإقليمى والدولى تطالب بضرورة وأهمية إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى موعدها المقرر، وتدفع بقوة نحو ذلك. والوقت يمضى سريعا، فلم يتبق إلا نحو شهرين ونصف الشهر على الموعد المحدد 24 ديسمبر 2021.
وفى خصم هذه الحالة الملتبسة، اتخذ البرلمان الليبى قرارا بسحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية برئاسة عبدالحميد الدبيبة. وهو ما يعنى أن تصبح حكومة تصريف أعمال إلى أن تجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية ويتم تشكيل حكومة جديدة. واتهم رئيس البرلمان المستشار عقيلة صالح الحكومة بأنها لم تنفذ الاستحقاقات التى أوكلت إليها، وحادت عن مهامها، وارتبطت بعقود طويلة الأجل مع بعض الدول، وأنفقت 84 مليار دولار أمريكى خلال ستة أشهر. وأشار إلى تشكيل عدة لجان ذات اختصاص قضائى لأن الحكومة قامت بأعمال تصل إلى جرائم فى حق اقتصاد ليبيا. وأوضح أن مجلس النواب هو الذى منح الثقة للحكومة وهو من له الحق فى سحبها. وأن كل قرارات الحكومة الداخلية ستستمر، ولكن لا صلاحية لها فى توقيع اتفاقيات مع أى دولة.
•••
وقد أثار قرار سحب الثقة من الحكومة عدة ردود أفعال. فقد اعتبر 24 نائبا فى مجلس النواب أن ما حدث لا يعبر عن إرادة المجلس وأنه يؤدى إلى أزمة دستورية فى ليبيا، وأن العدد الحقيقى للمصوتين على قرار سحب الثقة من الحكومة لا يتجاوز 73 نائبا، وهو غير كاف لسحب الثقة وفقا للمادة 194 من النظام الداخلى لمجلس النواب الذى يشترط أغلبية 87 نائبا يصوتون لسحب الثقة، وهو ما لم يحدث. وكان البرلمان قد أعلن أن جلسة سحب الثقة من الحكومة حضرها 113 نائبا وافق 89 منهم على سحب الثقة. وأعلن بعض النواب اتهامهم بأن الجلسة التى تم فيها سحب الثقة فيها تزوير. وأن الاتفاق السياسى الليبى فى جينيف ينص على أنه لا ينظر فى طلب سحب الثقة من الحكومة إلا بتوقيع 50 نائبا فى البرلمان، وبعد التشاور مع المجلس الأعلى للدولة، ويتم سحب الثقة بموافقة 120 نائبا.
وقد اعتبر رئيس حكومة الوحدة الليبية عبدالحميد الدبيبة أن قرار البرلمان بسحب الثقة باطل ولا أثر له. ودعا إلى مظاهرات حاشدة يوم 24 سبتمبر 2021، وقد رفع المتظاهرون عدة شعارات منها «البرلمان لا يمثلنى» و«الشعب يريد سقوط البرلمان» و«لا للانقسام». وخاطب الدبيبة المتظاهرين بلغة معتدلة وأكد أن الانتخابات القادمة هدف لن يتنازل عنه، وأنه لن يحكم ليبيا إلا من يختاره الشعب، وأن حكومته وحدت ليبيا، ولن تسمح بعد اليوم بالانقسام والتشظى مهما كانت الأسباب.
وأكد خالد المشرى رئيس المجلس الأعلى للدولة أن الحكومة مستمرة فى مهامها، والتحضير للانتخابات، وأنه لا يجب إعطاء أى أعمال للتشويش على الانتخابات أكبر من حجمها، ويجب توفير المناخ المناسب لإجراء الانتخابات. ورفض حزب العدالة والبناء الليبى (إخوان مسلمين) قرار سحب الثقة من الحكومة، وأن خطوات التصعيد والتوتر لا يمكن أن تجرى فى ظلها انتخابات ديمقراطية ونزيهة فى موعدها المحدد.
ورفضت لجنة الأمم المتحدة للدعم فى ليبيا قرار سحب الثقة من الحكومة، وأنها كانت تتوقع أن يعمل مجلس النواب على استكمال قانون الانتخابات وتعزيز جهود بناء توافق واسع على الإطار التشريعى للانتخابات وتوفير المناخ لإجرائها. وقد أيد الاتحاد الأوروبى بيان بعثة الأمم المتحدة. وأيدت جامعة الدول العربية خريطة الطريق الليبية وإجراء الانتخابات فى موعدها. ورفض عمداء 65 بلدية ليبية سحب الثقة من الحكومة واعتبروا أن قرار مجلس النواب «تزوير وتدليس» يهدف إلى إثارة الفوضى ويمثل خروجا على خريطة الطريق الليبية.
•••
وعلى صعيد آخر فقد أصدر مجلس النواب قانون الانتخابات الرئاسية الليبية وسمح بفتح باب الترشح لكل مواطن ليبى على أن يطرح برنامجه للناخبين، حيث إن الانتخابات هى الاختيار الأمثل للوصول إلى السلطة وليس عبر القوة واستخدام التهديد، وطالما أنه يلتزم بالقواعد الدستورية والقانونية. وأعلن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح أن المجلس فى سبيله لإصدار قانون انتخابات مجلس النواب. وقال إن المشاورات مع المجلس الأعلى للدولة لم تصل إلى أى حل أو قاعدة دستورية وقانونية لتنسيق العمل والتشاور حول القوانين بين المجلسين. وإن مجلس النواب الحالى سيسلم السلطة التشريعية إلى مجلس جديد منتخب. وهو بهذا يرد بطريق غير مباشر على شعار إسقاط أو حل المجلس الحالى. وقد طلبت المفوضية العليا للانتخابات من مجلس النواب مراجعة بعض نصوص قانون الانتخابات الرئاسية الذى أصدره مؤخرا حتى تتماهى مع الإعلان الدستورى ولا تتعرض للطعن عليها.
وإن قانون الانتخابات الرئاسية الذى أصدره مجلس النواب الليبى يتيح للمشير خليفة حفتر إلى أن يترشح للرئاسة. وهذا ما دعا المشير حفتر القائد العام للجيش الوطنى الليبى الذى لا يخضع لسلطة حكومة الوحدة الليبية، إلى أن يكلف رئيس الأركان الفريق أول عبدالرازق الناظورى، بمهام منصب القائد العام لمدة ثلاثة أشهر إلى ما بعد موعد الانتخابات الليبية فى 24 ديسمبر 2021. ويتضمن التكليف جميع الصلاحيات لمنصب القائد العام. وتعد هذه الخطوة تمهيدا لأن يترشح المشير حفتر للانتخابات الرئاسية، وإذا لم يفز فيها فإنه يعود إلى منصبه وفقا لقانون الانتخابات الرئاسية الجديد. وقد واصل خالد المشرى، رئيس المجلس الأعلى للدولة، التأكيد على موقفه بعدم السماح للمشير حفتر بالترشح لخوض الانتخابات الرئاسية الليبية القادمة، واعتبر أن مجرد القبول بترشح المشير حفتر، يعنى الحكم على قضية الديمقراطية فى ليبيا بالفناء على حد قوله وأكد أن حفتر إذا ترشح لن يحصل على أكثر من 10% من الأصوات حال إجراء الانتخابات.
وإن تنحى المشير حفتر عن سلطته مؤقتا لفترة ثلاثة أشهر، هل يمكن أن تنشط خلالها مفاوضات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5) من أجل توحيد الجيش الليبى المنقسم حاليا ما بين الجيش الوطنى الليبى فى شرق ليبيا ولا يتبع الحكومة، والجيش الليبى التابع للحكومة التى تستعين بتركيا لتدريبه وتسليحه، حيث إن توحيد القوات المسلحة الليبية وحل كل الميليشيات الليبية المسلحة وضم أفرادها للقوات المسلحة أو الأجهزة الأمنية والمدنية، يعد من أهم الإنجازات المطلوب تحقيقها دعما للاستقرار والأمن وللقضاء على حالة عدم اليقين إزاء وقف القتال ووقف إطلاق النار فى ليبيا. وهل يمكن أن لا يعارض المشير حفتر عملية توحيد القوات المسلحة ويتراجع عن تصريح سابق له بأنه لن يسلم الجيش الوطنى الليبى إلا لحكومة منتخبة. وهل سيلتزم المشير حفتر بتخليه المؤقت عن السلطة مدة الأشهر الثلاثة إذا لم تجر الانتخابات فى موعدها. أم سيكون ثمة توافق على أنه مقابل ترشح المشير حفتر للرئاسة لا يعارض دمج الجيش الوطنى الليبى فى قوات مسلحة واحدة لها قيادة مركزية وتتبع الحكومة الليبية سواء قبل الانتخابات أو بعدها؟.
•••
وقد عقد قائد القوات العسكرية الأمريكية (أفريكوم) الجنرال تاونسند، اجتماعا مع رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة، وبحث معه عدة موضوعات أهمها خروج المرتزقة المسلحين والقوات الأجنبية من ليبيا، ومكافحة الإرهاب فى المناطق الجنوبية من ليبيا ودعم القوات الليبية هناك، والتطورات الأمنية، وتحقيق استقرار ليبيا بالتعاون مع الدول الحدودية، والإعداد للانتخابات الليبية القادمة.
كما انتهز تاونسند انعقاد اللجنة العسكرية الليبية المشتركة (5+5) لأول مرة فى طرابلس يوم 28 سبتمبر 2021 والتقى بها ومعه المبعوث الأمريكى الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند، وذلك من أجل التقريب بين الليبيين فى المجال الأمنى، وتأكيد الالتزام الأمريكى بتسهيل التنفيذ الكامل لخريطة الطريق الليبية، ووقف إطلاق النار، والانسحاب الكامل لجميع المقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية، والتوحيد الكامل للمؤسسات العسكرية الليبية.
ومن ناحية أخرى أقر مجلس النواب الأمريكى مشروع قرار تحت عنوان «تحقيق الاستقرار فى ليبيا» يوم 29 سبتمبر 2021؛ أهم ما تضمنه فرض عقوبات على الجهات الأجنبية التى تدعم الفصائل فى ليبيا وذلك فى حال انهيار الحكومة المؤقتة ووقف إطلاق النار، وملاحقة الجهات المعرقلة لتحقيق الاستقرار، وفرض عقوبات على ممتلكات الأشخاص الذين يساهمون فى العنف فى ليبيا وحظر تأشيرات السفر لهم، ودعوة الرئيس الأمريكى لفرض عقوبات على أى شخص أجنبى يدعم أو يشارك فى أنشطة عسكرية لصالح روسيا فى ليبيا، وفرض عقوبات على مهددى السلام والاستقرار فى ليبيا، والمسئولين عن انتهاكات حقوق الإنسان والمعتدين على أصول الدولة الليبية، أو مواردها الطبيعية. وأن من حق الرئيس الأمريكى تأجيل العقوبات فى حال موافقة أطراف النزاع فى ليبيا على وقف إطلاق نار مستديم، وأثبتت حسن نيتها فى الوصول إلى حل سياسى دائم. ومطالبة الإدارة الأمريكية بدعم الحكم الديمقراطى فى ليبيا والمساعدة على توحيد المؤسسات المالية والحكومية وضمان انتخابات حرة ونزيهة، ودفع المؤسسات الدولية إلى تقديم الدعم للاقتصاد الليبى.
ورغم أن مشروع القرار فى حاجة إلى موافقة مجلس الشيوخ واعتماده من الرئيس الأمريكى، وبالرغم من أنه بمثابة تدخل صريح فى شئون ليبيا، إلا أنه تعبير عن تهديد باستخدام العصا الغليظة الأمريكية للضغط على كل الأطراف المتصارعة فى ليبيا، والدفع قدر الإمكان لإجراء الانتخابات الليبية فى موعدها. واعتبر رئيس الحكومة الليبية أن القرار يدعم الاستقرار فى ليبيا، وقد رحب معظم السياسيين والحقوقيين الليبيين بالقرار باعتبار أنه يشجع على الحل السياسى ويعاقب من يخل بالأمن والاستقرار.
•••
ويلاحظ أن المفوضية العليا للانتخابات فى ليبيا تعمل على الانتهاء من التحضيرات للانتخابات البرلمانية والرئاسية فى موعدها المقرر، وتسليم بطاقات الانتخابات، والتعامل مع وسائل الإعلام لدعم مستويات التواصل لدعم مسارات التوعية الانتخابية.
ويرى عقيلة صالح، رئيس البرلمان، أن حكومة الوحدة الوطنية الليبية ليست مسئولة عن الانتخابات، وإنما المسئول عنها هو المفوضية العليا للانتخابات، وأن على الحكومة أن تتكفل بتأمين الانتخابات والتى يرى أن يتم الإشراف عليها عربيا، وإقليميا، ودوليا.
ويلاحظ قيام السلطة التنفيذية الليبية بشقيها الرئاسى والحكومى ورئيس مجلس النواب بتحركات مكوكية بين عدة عواصم سواء من دول الجوار مصر وتونس والمغرب، أو الدول الأخرى ألمانيا وفرنسا وتركيا والسعودية وغيرها، سعيا للحصول على دعم لإنجاز الانتخابات فى موعدها واستكمال خريطة الطريق الليبية بتوحيد القوات المسلحة ومؤسسات الدولة، وتثبيت وقف إطلاق النار، وقطع شوط فى مساعى المصالحة الوطنية. وقد تظهر نتائج ذلك كله خلال الأيام القليلة القادمة التى يتعين خلالها بدء فتح باب الترشيح للانتخابات الرئاسية والبرلمانية. ولمن تكون الغلبة لمن يسعون لإجراء الانتخابات فى موعدها أو لمن يعملون على تأجيلها بكل الذرائع؟.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات