الانتشار النووى فى الشرق الأوسط ما بعد إيران - عزت سعد - بوابة الشروق
الخميس 6 مايو 2021 2:34 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


الانتشار النووى فى الشرق الأوسط ما بعد إيران

نشر فى : الثلاثاء 6 أكتوبر 2020 - 8:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 6 أكتوبر 2020 - 8:30 م

بعد فشل الجهود الأمريكية المكثفة لاستصدار قرار من مجلس الأمن الدولى بتمديد حظر تجارة الأسلحة مع إيران، المفترض أن يرفع فى 18 أكتوبر الحالى بموجب قرارات ستة صادرة عن المجلس تم وقف العمل بها بموجب القرار 2231 الصادر فى 20 يوليو 2015 الذى أقر الاتفاق النووى مع إيران، قررت الولايات المتحدة بإرادتها المنفردة المضى قدما فى إعادة فرض هذه العقوبات اعتبارا من 20 سبتمبر الحالى رغم انسحابها من الاتفاق، وهو ما دفع الشركاء الأوروبيين فيه (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بجانب روسيا والصين، إلى إبلاغ مجلس الأمن باحترامهم لقراره بإعفاء إيران من العقوبات بموجب الاتفاق، موجهين رسالة للمجلس أكدوا فيها «أن أى قرار أو إجراء أمريكى لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة سيكون بلا أى أثر قانونى لأنها ببساطة انسحبت من الاتفاق النووى عام 2018».
وفى سياق سياسة «الضغط الأقصى»، ولأغراض انتخابية، شدد بومبيو على أن واشنطن ستعمل على معاقبة كل من يخرق عقوباتها ضد إيران، وهو ما يمكن أن يشمل دولا شركاء وكيانات وأفرادا حول العالم. وفى هذا الإطار أشار البعض إلى أن العقوبات قد تشمل دولا مثل العراق وقطر وعمان والتى لديها تعاملات مع الدولة الإيرانية، وهى دول حليفة للولايات المتحدة، بجانب كل من الصين وروسيا، الأمر الذى سيفرغ العقوبات من محتواها. وفى هذا السياق يؤكد خبراء أن شبكة العلاقات المضطربة بين واشنطن وكل من موسكو وبكين ستشجع الأخيرتين على محاولة إحراج ترامب قبل الانتخابات، كما أن إيران باتت بالفعل ورقة فى يد الصين فى المواجهة مع الولايات المتحدة. ويشار فى ذلك إلى ما تسرب أخيرا حول مشروع اتفاق شراكة بين الصين وإيران فى المجالين التجارى والعسكرى لمدة 25 عاما سيوقع عليه البلدان قريبا، وبموجبه تتلقى الصين إمدادات منتظمة من النفط الإيرانى مقابل سلع واستثمارات صينية.
***
وبالنسبة لإيران، تشير تقديرات عديدة إلى توجه إيرانى متصاعد ــ يشترك فيه المعتدلون والمحافظون خاصة مع الانتخابات الرئاسية القادمة والمقررة فى يونيو 2021 ــ بأنه لا يوجد اختلاف جوهرى فى موقف الحزبين الديمقراطى والجمهورى بشأن إيران وأن التطورات منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق فى مايو 2018 قد لا ترجح عودة واشنطن للالتزام به أو تجديد التفاوض بشأنه بدون شروط، وبأن فوز المرشح الديمقراطى لن يشكل بالضرورة انفراجة سياسية فى الملف. وعلى حين أبدى بعض الخبراء الإيرانيين تفاؤلا حذرا إزاء ما ورد فى مشروع برنامج الحزب الديمقراطى، الذى صدر قبل المؤتمر الوطنى للحزب، والذى انتقد قرار ترامب بالانسحاب من الاتفاق، داعيا إلى العودة إليه باعتباره المسار الأمثل لمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية ومستبعدا أى تدخل أمريكى لتغيير النظام فى طهران، ثمة تقييم إيرانى قوى بأن انسحاب ترامب من الاتفاق يؤكد حجة المرشد الأعلى على خامنئى بأنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة وأن هدفها النهائى هو تغيير النظام، بل وإمكانية التدخل العسكرى لهذا الغرض. وهنا يكمن الأساس الحاكم لاستراتيجية النظام الإيرانى تجاه الولايات المتحدة الأمريكية وجهوده لحشد كل الموارد بما يحقق الاعتماد العسكرى على الذات. وفى هذا السياق من الثابت أن الاتفاق النووى أجل فقط اكتساب إيران قدرات نووية للاستخدام العسكرى لبعض الوقت (من 10 إلى 15 سنة)، فى ضوء محدودية البدائل. ووفقا لتقديرات عديدة، أمريكية وإسرائيلية ومن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لم يعد ممكنا منع إيران من تملك هذه القدرات، وأن عقوبات ترامب المتواصلة لن توقف ذلك، كما لا يوجد أى تحالف عالمى أو إقليمى من شأنه تعطيل تطوير تلك القدرات، على الأقل فى المستقبل المنظور.
وتصل تلك التقديرات إلى نتيجة مفادها أن انسحاب ترامب من الصفقة جعل الوضع أسوأ لأن هذا الانسحاب زاد من إزعاج الإيرانيين، الذين عاودوا الإسراع فى استكمال بناء قدراتهم النووية، مستبعدين إمكانية قيام ترامب باتخاذ إجراء عسكرى حاسم ضدهم. ويتحدث البعض هنا عن سيناريو «مفاجأة أكتوبر» ارتباطا بالانتخابات الرئاسية الأمريكية فى نوفمبر القادم والذى وفقا له قد تقوم إيران برد فعل قبل موعد الانتخابات لإحراج ترامب، أو أن تتعمد إدارة ترامب استفزاز إيران لتبدأ بحملة أو ضربة تحقق فيها نصرا سريعا على إيران قبيل الانتخابات.
والواقع أنه مع قناعة النخبة الأمريكية ــ ديمقراطيون وجمهوريون ــ بأن الشرق الأوسط لم يعد يحتل الأولوية التى كانت له فى السابق، وبالتالى أهمية الحفاظ على المصالح الأمريكية فيه بأقل قدر من التكلفة المادية والبشرية، وأخذا فى الاعتبار مركزية إيران فى السياسة الأمريكية فى المنطقة باعتبارها الدولة الإقليمية الوحيدة القادرة على تهديد المصالح الأمريكية ومواجهة إسرائيل، فقد اتجهت واشنطن إلى خلق ترتيبات إقليمية لاحتواء سلوك إيران العدوانى، تلعب فيها إسرائيل الدور المهيمن. وينظر البعض فى هذا السياق إلى طرح ترامب للسلام الفلسطينى الإسرائيلى، والذى يهدم أسس التسوية وحل الدولتين، على أنه غطاء سياسى لعملية التطبيع العربى الإسرائيلى توطئة لإنشاء نظام أمنى إقليمى جديد برعاية الولايات المتحدة، يستهدف بالأساس إضعاف ومحاصرة إيران.
***
ومادمنا قد سلمنا بأن تملك إيران قدرات نووية للاستخدام العسكرى بات مسألة وقت، فإن التساؤل الذى يطرح نفسه هو ما إذا كانت هناك موانع قانونية أو عملية أمام تملك دول المنطقة الأخرى، خاصة السعودية والإمارات، مثل هذه القدرات لموازنة أو لردع إيران. للإجابة عن هذا التساؤل هناك جانبان رئيسيان فى هذا الشأن: الأول: أن الاتفاق النووى مع إيران أعطاها الحق فى الاحتفاظ بقدرات لتخصيب اليورانيوم ــ وإن بنسبة قليلة لا تتجاوز3.67% كحد أقصى ــ فى سابقة هى الأولى من نوعها لدولة غير معترف بها كدولة نووية، وذلك بالمخالفة لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووى وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة التى صدرت نتيجة لذلك. ومن المهم الإشارة إلى أن الفقرة العاملة (27) من قرار مجلس الأمن 2231 الذى أقر الاتفاق أكدت أنه لا يرسى أى سوابق لأى دولة أخرى أو مبادئ (جديدة) للقانون الدولى أو المساس بالحقوق والالتزامات التى تضمنتها معاهدة منع الانتشار النووى أو أية وثائق أخرى ذات صلة، بما فى ذلك المبادئ والممارسات المعترف بها دوليا. وقد قصدت مجموعة الـ 5+1 بذلك توجيه رسالة واضحة للدول الأخرى غير النووية، خاصة دول المنطقة، بأن اعتراف الصفقة لإيران بتخصيب اليورانيوم، أو أية مكاسب أخرى حصلت عليها بموجبها، لا تشكل سابقة لأى دولة فى هذا الشأن، وأن معاهدة عدم الانتشار لا تعطى مثل هذه الحقوق لأية دولة. وقد حرص وزير الخارجية الأمريكى آنذاك جون كيرى على التأكيد، عند توقيع الاتفاق، بأن سياسة الولايات المتحدة لم تتغير بشأن تخصيب اليورانيوم وأنه «لا يوجد حق موروث فى التخصيب». عموما أضفت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (1968) ــ التى قسمت العالم إلى ناد صغير من «من يملكون» وأغلبية من «الذين لا يملكون» ــ الطابع المؤسسى على تفرد الأسلحة النووية وعززت من هيبة الدول الخمس التى تملك أسلحة نووية وهى نفسها الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن، رغم أن نزع السلاح النووى هو إحدى الركائز الرئيسية الثلاث لمعاهدة عدم الانتشار.
على الجانب الآخر هناك العديد من المشاريع النووية المدنية التى ليس لها بعد عسكرى والجارى تنفيذها فى عدد من دول المنطقة فى السنوات الأخيرة، والتى تعتبر مشروعة دوليا. وهنا يتخوف البعض فى إسرائيل من أن تولد هذه المشاريع تدريجيا واقعا جديدا من انتشار نووى متواصل، بحيث تكتسب المعرفة والقدرات النووية مشروعية مع الوقت يتآكل معها نظام منع الانتشار النووى. وهنا يستبعد هؤلاء أن تتسامح إسرائيل مع وضع كهذا، حتى فى ظل وجود مصالح استراتيجية مشتركة مع بعض الدول العربية ضد إيران. فالعقيدة العسكرية الإسرائيلية لا تقبل تحول أى دولة عربية– حتى لو تحالفت مع إسرائيل ــ إلى دولة نووية.
والواقع أن اهتمام بعض دول الخليج، خاصة السعودية والإمارات، بالمسار النووى ليس جديدا، خاصة وأن امتلاك الأسلحة النووية يرتبط بالهيبة والنفوذ الداخلى والخارجى، وبالتالى القوة السياسية تجاه الجيران والمنافسين الإقليميين، وهى كلها مفاهيم تستهوى القادة الجدد فى الخليج. وعلى سبيل المثال أعلن ولى العهد السعودى محمد بن سلمان فى مارس 2018 أنه إذا امتلكت إيران قدرات نووية عسكرية، ستحصل المملكة على قدرات مماثلة دون تأخير. وبجانب السعودية، كان الرئيس أردوغان صرح فى بداية هذا العام باعتزام بلاده تملك قدرات نووية.
والحال على ما تقدم، وما لم تتخذ أى من دول المنطقة قرارا بالسعى لتملك قدرات نووية مع الاستعداد لتحمل التكلفة الباهظة لذلك على غرار ما يجرى مع إيران منذ عقود، ليس مستبعدا أن ينتهى الأمر بدول الخليج للقبول بمظلة نووية أمريكية أو أمريكية/ إسرائيلية فى مواجهة إيران، فى إطار الترتيبات الإقليمية الجديدة ما بعد التطبيع.
***
أخيرا تجدر الإشارة إلى أن بعض مراكز أبحاث الدفاع تحمل إدارة ترامب مسئولية انتشار الأسلحة النووية حول العالم والتحذير من أن بعض حلفاء واشنطن يفكرون على نحو متزايد فى السعى وراء هذه الأسلحة، وهو ما لم يكن متصورا فى السابق. ويشار فى ذلك إلى كوريا الجنوبية كمثال حيث أعربت بنسبة 60% من مواطنيها عن رغبتها فى تملك بلادهم أسلحة نووية، وكذلك اليابان. ويرجع الخبراء ذلك إلى غموض موقف إدارة ترامب والذى يغذى منه سياسته تجاه كوريا الشمالية ومطالبة كوريا الجنوبية بمضاعفة مساهمتها فى أعباء الاحتفاظ بالقوات الأمريكية هناك أو تخفيض أعداد هذه القوات، الأمر الذى تزايدت معه الشكوك فى التزامات الولايات المتحدة إزاء منع الانتشار النووى، خاصة مع وجود اتجاهات جيوسياسية تساهم فى ذلك، بما فيها التحول نحو التعددية القطبية مع صعود الصين والتراجع النسبى للولايات المتحدة وتزايد الدور الروسى، حيث جعل ذلك العديد من حلفاء أمريكا يشعرون بمزيد من انعدام الأمن. وامتد هذا الشعور ليشمل بعض رموز اليمين المحافظ فى أوروبا ــ وبخاصة ألمانيا– الذى يطالب بضرورة أن تفكر أوروبا فى تطوير ردع نووى خاص بها فى مواجهة عرض فرنسى بمد المظلة النووية الفرنسية للقارة.

عزت سعد مدير المجلس المصري للشؤون الخارجية
التعليقات