ناقصة حتة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 8 ديسمبر 2019 12:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

ناقصة حتة

نشر فى : الأحد 6 سبتمبر 2015 - 5:30 ص | آخر تحديث : الأحد 6 سبتمبر 2015 - 12:32 م

تتجسد فكرة المواطنة المنقوصة للنساء في لحظات بعينها، كأن ترغب إحداهن في الشهادة على زواج أخت أو صديقة فيقال لها: لا يجوز إلا شهادة الرجال على عقد النكاح لدى بعض الفقهاء أما بعضهم الآخر فيسمح أن يكون الشهود رجلا وامرأتين، على أساس أن الاثنتين يقومان مقام رجل واحد، بشرط أن يكون الرجل الآخر رجلا، فيتحقق عنصر الذكورة في الشهادة. و كان ابن حزم الظاهري (العلامة المولود في قرطبة عام 994 للميلاد) قد أجاز أن تشهد أربع نساء على عقد الزواج باعتبار أنهن جميعا في مقام رجلين أو في مقام رجل وامرأتين، لكن هذا الرأي لا يأخذ به كثير من الفقهاء المعاصرين، بل هو غير مقبول لدى العديد منهم، لأننا ببساطة لم نرتق إلى مستوى عصر ابن حزم! ذلك رغم تمتع هذه المرأة بكامل قواها العقلية، وبرقم قومي، و بطاقة إثبات هوية سارية التاريخ، وصوت تدلي به في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وخلافه. هي تكتب في الصحف، وتدرس في الجامعات، وتحصل على أعلى الشهادات، وتعمل في وظائف مرموقة أو غير مرموقة، وتقف في الطوابير ومنها المخصص لخزانة الشغل كي تنال راتبها آخر كل شهر، لكن لا يمكن أن تشهد على قران أختها أو تمنح زوجها- إذا ما كان أجنبيا- الحق في جنسية بلدها، فقط يسمح له بالإقامة دون العمل لمدة تتراوح ما بين سنة وخمس سنوات على الأكثر (في حين تحصل الزوجة الأجنبية للرجل المصري على الجنسية بعد سنتين من زواجهما).

•••

لم يكن في مقدور هذه المرأة قبل سنوات أن تورث جنسيتها للأبناء إذا ما كان الأب أجنبيا، حتى تغير القانون لصالحها عام 2008 وصار البعض يتهكم على " قوانين سوزان"، باعتبار أن مثل هذه التطورات جاءت فقط لإرضاء زوجة الرئيس السابق ومن حولها، وليس عن قناعة. وهكذا إذا ما بدأنا في سرد الحكايات وإحصاء نماذج التمييز ضد المرأة سنلاحظ أكثر فأكثر التداخل المعقد بين المواطنة والتفرقة على أساس الجنس وأحيانا الدين أيضا. وينطبق ذلك على معظم أقطار الوطن العربي، في الوقت الذي تشكل فيه النساء 49,7% من مجمل سكان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذين يقدر عددهم بحوالي 345,5 مليون شخص. لأن كل هذه الدول تنظر إلى المرأة بوصفها جزءًا من الرعية ورمزا للأمة في الحركات القومية ودليلا على تقدمها، فالربط المستمر بين "الأمومة" و"الأمة" من ناحية، والدولة والأبوية من ناحية أخرى، كان له أثر خطير بالنسبة لترسيخ تراتبية وضع الرجل والمرأة داخل المجتمع وترسيخ فكرة المواطنة المنقوصة للمرأة، بإعطاء الرجل دوما الأولوية والهيمنة والسلطة. وتأتي قيم وأحكام الدين والعائلة لتعضد هذه التراتبية وتؤكد فكرة المواطنة المنقوصة من خلال قوانين الأحوال الشخصية على سبيل المثال، التي تعكس تناقضات الوضع فتحرم المرأة من بعض مكتسباتها كمواطنة كاملة الأهلية. فقط تونس واليمن (بصورة مختلفة) خرجتا عن هذه القاعدة باحتكامهما لقوانين مدنية خالية من الصبغة الدينية، لكنها تسببت في كثير من اللغط وتمت مراجعتها مرارا وتكرارا، وبدرجات متفاوتة.

•••

معايير المواطنة، وما يترتب عليها من حقوق وواجبات تجاه الدولة، هي في الواقع مجموعة من الممارسات القانونية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تحكمها على الأرض، وبعيدا عن النصوص المكتوبة والنظرية، ممارسات مجتمعية وأعراف تنظر في كثير من الأحيان إلى المرأة بوصفها ناقصة عقل ودين وتحتاج إلى رعاية ووصاية كما الأطفال. وطالما هذا هو الوضع، و طالما لا تتضافر جهود النساء على اختلاف طبقاتهن الاجتماعية ودياناتهن ومستواهن الثقافي، سيبقى التداخل بين قيم الدين والدولة والعائلة، وسيبقى التناقض مع المواطنة، وستظل مصر على رأس الدول الأسوأ من حيث حقوق المرأة وظروفها، كما جاء في الاستبيان الذي أجرته مؤسسة طومسون رويترز الصحفية في نوفمبر 2013. التحرش أصبح شرا لابد منه، و التغطيات الإعلامية الذكورية التي تظهر على السطح من وقت لآخر كما حدث خلال مظاهرات لبنان تفضحنا فنعتذر... لكن نعتذر دون قناعة حقيقية وينقلب الأمر من جد إلى هزل، كالعادة. وتبقى الحقيقة منقوصة، والمواطنة أيضا. لأن الرجل يساوي امرأتين، وشهادتهما أحيانا لا تجوز أو فيها كلام.

التعليقات