جنوب إفريقيا.. أحد فرسان القارة السمراء - رخا أحمد حسن - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 9:47 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

جنوب إفريقيا.. أحد فرسان القارة السمراء

نشر فى : السبت 6 يوليه 2019 - 9:45 م | آخر تحديث : السبت 6 يوليه 2019 - 9:45 م

لقد استطاعت جنوب إفريقيا خلال نحو 25 عاما، أى منذ التحول الديمقراطى فيها عام 1994، أن تحدث تطور كبيرا فى علاقاتها الإقليمية خاصة مع الدول الإفريقية، وفى علاقتها الدولية وبصفة خاصة مع الدول التى كانت تقاطعها وهى فى ظل حكم الأقلية البيضاء العنصرى قبل التحول الديمقراطى الذى حقق المساواة فى الحقوق السياسية والقانونية بين الأغلبية الإفريقية والأقلية البيضاء تطبيقا لمبدأ صوت لكل شخص.

وينقسم سكان جنوب إفريقيا إلى فئة متقدمة اجتماعيا وتعليميا وثقافيا واقتصاديا، وفى مقدمة هذه الفئة الأقلية البيضاء والتى يبلغ عددها نحو ستة ملايين نسمة، ومعهم شرائح إفريقية ومن أصول هندية تشاركهم نفس الميزات، إلا أن نحو 60% من السكان الأفارقة يعانون من انخفاض مستويات المعيشة والتعليم والرعاية الاجتماعية والصحية، والأوضاع الاقتصادية، وهذا ميراث من فترة حكم الأقلية البيضاء الذى امتد لسنوات طويلة.

وقد أمكن عن طريق تطبيق العدالة الانتقالية تحقيق حالة من السلام الاجتماعى المشوب ببقايا توترات واحتقانات سواء من الناحية الاجتماعية وعدم قدرة بعض العناصر على التخلص تماما من بقايا تفرقة كامنة تطفو على السطح بين الحين والآخر، أو بسبب مشكلة تملك الأراضى الزراعية ومطالبة السكان الأفارقة باستردادها من ملاكها من الأقلية البيضاء، حيث يرون أنهم تملكوها بالقوة ودفعوا بأصحابها من الأفارقة إلى مناطق من الأراضى الأقل خصوبة أو إلى المدن العشوائية التى خصصت للأفارقة. وتتعاون حكومة جنوب إفريقيا مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية مع الأقلية البيضاء وعدة أطراف دولية لتسوية مشكلة الأراضى الزراعية وتدبير التعويضات للملاك البيض وإقناعهم بالتنازل عن مساحات من الأراضى التى فى حوزتهم، وإقناع الأفارقة بأهمية وضرورة التسويات بالتراضى بين كل الأطراف خاصة بعد أن تسببت نفس المشكلة فى زيمبابوى ومعالجتها بالقوة فى أزمات اقتصادية طاحنة.

وبالرغم من ذلك تبقى الأقلية البيضاء بالتعاون مع شركائها الأفارقة والحكومة بمثابة قوة دافعة للاقتصاد فى جنوب إفريقيا وما حققه من تقدم ملحوظ فى مجالات الصناعة والزراعة والثروة الحيوانية وصناعة التعدين والسياحة، وما سبق أن حققته جنوب إفريقيا من تقدم ملحوظ فى مجال الطاقة النووية ووصولها فى فترة حكم الأقلية البيضاء إلى إنتاج بعض الرءوس العسكرية النووية والتى تخلت عنها طواعية بعد التحول الديمقراطى ويقتصر استخدامها للطاقة النووية الآن للأغراض السلمية المتعددة.

***
وتمتلك جنوب إفريقيا ثروات طبيعية غنية ومتنوعة فهى تعد واحدة من أكبر مستخرجى الذهب والماس فى العالم، ولديها إنتاج وفير من معادن أخرى سواء الأسبستوس، والفحم الحجرى، وخام الحديد، والنحاس، واليورانيوم، ولكنها تعتمد على استيراد البترول والغاز سواء من الدول الإفريقية أو من منطقة الخليج العربى. وتمثل الصناعة نحو 31% والزراعة نحو 3% والخدمات نحو 66% من اقتصاد جنوب إفريقيا التى تتمتع بشواطئ غنية بالأسماك، ومناطق سياحية متنوعة بفضل شواطئها وغاباتها والحياة البرية والمناخ المعتدل على مدار العام.

وقد ساعدت هذه الثروات الطبيعية مع وجود شرائح من السكان لديها التعليم والخبرات الفنية على تدفق الاستثمارات الأجنبية من ناحية، وعلى انطلاق جنوب إفريقيا فى الانتشار فى إفريقيا ومناطق أخرى منذ التحول الديمقراطى حتى الآن. فانضمت إلى مجموعة التنمية لجنوب إفريقيا فى أغسطس 1994 والتى تضم الآن 15 دولة فى النصف الجنوبى من القارة السمراء، وسرعان ما أصبحت جنوب إفريقيا هى القائدة لهذه المجموعة التى تعرف اختصارا بالسادك، والتوسع الاقتصادى والتجارى مع أعضاء المجموعة وساعدها على ذلك القرب الجغرافى بل أن بعض الأعضاء داخل دائرة جنوب إفريقيا خاصة ليسوتو وسوازيلاند وناميبيا هذا إلى جانب الارتباط الاقتصادى والتجارى مع زيمبابوى خاصة عندما كانت تحت حكم الأقلية البيضاء بزعامة أيان سميث قبل الاستقلال فى أبريل 1980.

وصنفت المؤسسات المالية الدولية اقتصاد جنوب إفريقيا على أنه أقوى اقتصاد فى القارة السمراء، وهذا يرجع إلى ما أشرنا إليه مما تمتلكه جنوب إفريقيا من ثروات طبيعية وتعدينية وتقدم صناعى وتكنولوجى ووجود عدة شركات كبرى متعددة الجنسيات، وما لإنتاج جنوب إفريقيا من الذهب والماس من تأثير على أسواقهما العالمية. وأدى هذا الوضع الاقتصادى المتقدم إلى قبول جنوب إفريقيا عضوا فى مجموعة بريكس التى تضم البرازيل وروسيا والهند والصين، ومن ثم أوجدت هذه العضوية مجالا أوسع للعلاقات التجارية والاقتصادية والتنسيق الدولى فى المواقف مع هذه الدول الكبيرة، وأصبحت هى الدولة الإفريقية الوحيدة فى المجموعة.

كما أن جنوب إفريقيا عضو فى مجموعة العشرين (20 G) وهى أيضا التى تمثل إفريقيا فى هذه المجموعة ذات الوزن الاقتصادى والتجارى الكبير؛ حيث إنها تستحوذ على نحو 65% من التجارة العالمية وتضم إلى جانب مجموعة الدول السبع الصناعية المتقدمة، دولا من الأمريكتين وآسيا، وهو ما يفتح مجالا آخر أمام جنوب إفريقيا فى التنسيق والتوسع فى التبادل التجارى مع هذه الدول.

***
وتضطلع جنوب إفريقيا بدور فعال فى الاتحاد الإفريقى بما لديها من قوة اقتصادية على النحو السالف إيضاحه وبما لها من تأثير على عدد من الدول الإفريقية الأخرى سواء الأعضاء معها فى مجموعة السادك أو التى تربطها معها مصالح اقتصادية وتجارية مثل نيجيريا والجابون وغيرها. وتقدم جنوب إفريقيا نموذجا للممارسة الديمقراطية ساعدها على القيام بدور مؤثر فى صياغة مضبطة السلوكيات فى الانتخابات الإفريقية والتى استعانت فى بنودها بالكثير من مضبطة برنامج الأمم المتحدة للتنمية، ومضبطة الاتحاد الأوروبى وجعلتها تتوافق مع الثقافة والعادات والتقاليد الإفريقية. وعادة ما يكون لجنوب إفريقيا مجموعة من المراقبين بالانتخابات التى تجرى فى الدول الإفريقية ضمن وفد المراقبة الموفد من الاتحاد الإفريقى.

وقد أرست جنوب إفريقيا تقليدا سياسيا داخليا وهو احترام رؤسائها السابقين وليس المقصود هنا نيلسون مانديلا لما له من وضع خاص متميز ومثالى فى الكفاح والتضحية من أجل الاستقلال وحصول الأغلبية الإفريقية على حقوقها، ولكن المقصود هو من سبقوه ومن خلفوه من رؤساء جنوب إفريقيا. مثال ذلك الرئيس الأسبق تابو مبيكى والذى أزيح عن الرئاسة لأخطاء قانونية ارتكبها، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يتولى مهام إفريقية منها مبعوث الاتحاد الإفريقى للسودان وغيرها.

***
إن موقع جنوب إفريقيا عند رأس الرجاء الصالح يجعلها قريبة نسبيا من أمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبى وخاصة البرازيل التى تشترك معها فى عضوية مجموعة البريكس، كما تعتبر كل من كيب تاون ودربان محطات بحرية مهمة للغاية للتجارة من الشرق الأقصى مع جنوب القارة السمراء وغربها، وتعتبر أيضا نقاطا مهمة فى «الحزام والطريق» الصينى، ومن الأمريكتين إلى شرق وجنوب آسيا والخليج العربى.

وقد كان لمصر دور مهم فى دعم ومساندة حركة التحرير فى جنوب إفريقيا وكان نيلسون مانديلا يشيد بذلك فى كل مناسبة، ولكن مع أخذ ذلك فى الاعتبار أن جنوب إفريقيا أصبحت منافسا قويا لمصر خاصة فى منطقة جنوب خط الاستواء وشرق إفريقيا، وفى الاتحاد الإفريقى وفروعه المختلفة خاصة مجلس الأمن والسلم الإفريقى. وثمة مجالات عديدة للتعاون بين القاهرة وبريتوريا ولكنها تحتاج إلى نظرة جديدة من الجانبين لتفعيلها، وربما يأتى يوم يتحقق فيه الحلم القديم بربط القاهرة مع كيب تاون بخط سكة حديد، وإن كان ذلك يتطلب تحقيق السلام والأمن والاستقرار فى الدول التى سيمر بها، كما أن الأمل ما زال قائما فى أن يتحقق الاندماج بين مجموعتى السادك التى تقودها جنوب إفريقيا، والكوميسا التى تقودها مصر وذلك تتويجا للمفاوضات التى بدأت بين المجموعتين ومعهما مجموعة أخرى صغيرة وهى مجموعة شرق إفريقيا وذلك على طريقة تجميع كل المجموعات الاقتصادية الإفريقية تحت مظلة الاتحاد الإفريقى.

رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشئون الخارجية وعضو الجمعية المصرية للأمم المتحدة.
التعليقات