الكورونا بعيون طبيبة - هنا أبوالغار - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 أكتوبر 2021 11:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


الكورونا بعيون طبيبة

نشر فى : الثلاثاء 6 أبريل 2021 - 8:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 6 أبريل 2021 - 8:40 م
لا شك أن الطب مهنة رائعة، فخليط المعرفة مع إحساس بأنك قد تكون أداة لمساعدة الآخر فى وقت الشدة يجعل لمهنتنا مذاقا خاصا جدا. كذلك القرب من الناس فى وقت مرضهم أو مرض أحبتهم يكشف جوانب للنفس البشرية ملهمة، تضع علينا التزاما كبيرا أن نحولها إلى ضوء ينير أو كلمة توقد. فالطبيب بجانب كل التحديات التى يواجهها أثناء الكورونا يحمل مسئولية كبيرة فى مواجهتها من خلال نشر المعلومة الصحيحة (إن كانت متوافرة) لطمأنة، ليس مرضاه فحسب، لكن أيضا محيطه كله الذى يلجأ إليه فى مثل هذه الأزمات. أكاد أجزم أن معظم أطباء مصر لم يناموا ليلة كاملة منذ أول الكورونا ولم يستطيعوا أن يوقفوا التفكير فى كل من يتابعونهم من مرضى هذا الفيروس. وهذا لا علاقة له بتخصصهم، فالكورونا جاءت كالحرب للضابط، إنها اللحظة التى نمتحن فيها علاقتنا بالمهنة وقدرتنا على تسخيرها للمجتمع. التاريخ يحكى أن أزمات البشرية من أوبئة وحروب وكوارث طبيعية كان دائما يتلوها تطورا كبيرا فى العلوم والمعرفة والبناء المجتمعى ويشكل حياة الإنسان بشكل عام على هذا الكوكب. وقد يكون هذا المقال محاولة شخصية للتصالح مع عام صعب ترك أثرا ثقيلا على النفس والعقل والجسد، هز العلاقات الإنسانية من جذورها وفتح أبوابا كثيرة للتساؤل حول معنى الحياة وما نريده منها. قد ينير الفهم الطريق لنصل إلى تراضٍ وقبول بحياتنا الجديدة، فالفهم لا يحدث إلا بالمراجعة، الهدف منها ليس النقد لأنه لا أحد منا، هيئات أو أفراد، فى أى قارة يستطيع أن يدعى أن لديه معلومات صحيحة عن أى شىء يخص الكورونا والدليل على هذا تغير التوصيات المجتمعية والطبية لطرق انتقاله والحماية منه وعلاجه مرات ومرات، لكنها مراجعة لتعاملنا مع امتحان هو الأكبر فى تاريخ البشرية الحديث علنا نخرج منها بدروس تساعد الإنسان فى الامتحانات القادمة. ما يلى ثلاث نقاط أراها الأهم فى حصيلة دروسنا، هى نقاط سلبية فى رأيى سيكون لها تأثير على المدى الطويل، بالتأكيد سردها لا يعنى التغافل عن ظواهر إنسانية إيجابية استطاعت المجتمعات أن تواجه بها هذا العام الصعب لكن الأخطاء تبقى أهم معلم للإنسان.
***
الخوف والتخويف الذى أدير به ملف الكورونا على مستوى العالم هو أقرب إلى الإرهاب الفكرى، استُخدم فيه الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى وغذاه الإحساس العام بأننا نواجه المجهول. فقد سُلِب الإنسان من قدرته (وفى أحيان كثيرة حقه) فى التفكير وأخذ القرار الفردى. هناك فارق بين أن نحترم عقل الإنسان ونعطيه المعلومة ونقترح عليه حلولا لحماية نفسه وأحبته وبين أن نفرض عليه بقوة القانون أو بالضغط المجتمعى أسلوب حياة تقرره هيئات عليا على مستوى العالم لمنع انتشار مرض حقا خطير جدا وغادر لكنها تفرض نفس الطرق لمقاومته بغض النظر عن التنوع الثقافى والبيئى والاقتصادى وتحديات كل مجتمع.
أحب هنا أن أؤكد أن أساسيات انتقال الفيروسات التنفسية والوقاية منها لم، وغالبا لن، تتغير: منع انتقال الرزاز من شخص مصاب إلى آخر بعمل مسافة متر ونصف بيننا وبين من لا يعيش معنا مع انتقاء أماكن مفتوحة للتقابل ولبس الماسك فى الحجرات المغلقة، بالإضافة إلى غسل اليدين جيدا بالماء والصابون كثيرا، والبقاء فى المنزل عند ظهور أى أعراض للمرض. فيما عدا ذلك فقرارات مواجهة الفيروس تحتاج إلى نظرة لابد أن تختلف مع اختلاف البلد. ولنتذكر أن أهم أهداف الغلق ومنع التحرك فى مدن مثل ميلانو ونيويورك كان تفادى اللحظة التى عندها لا يجد مريض سرير عناية مركزة يحتاج إليه وبالتالى يريدون بالغلق إبطاء وتيرة دخول المرضى المستشفى ليجدوا أسرة عناية مركزة ولأن المريض فرص شفائه بالإحصاءات فى هذه المستشفيات الأعلى فى العالم أيا كان مرضه. أما فى بلدان أقل حظا حيث قطاعها الصحى لا يتم الاستثمار فيه كثيرا فمشكلة عدم وجود ما يكفى من أسرة عناية مركزة هى أزمة يومية بغض النظر عن وجود جائحة، فكل يوم يموت المرضى فى هذه البلاد فى سيارات الأجرة مع ذويهم وهم يبحثون عن سرير فى العناية أو حضانة لطفل مولود وذلك لعقود طويلة من قبل ظهور الكورونا، وبالتالى فبالنسبة لهذه الدول اتخاذ قرارات مختلفة قد يكون أفيد، فالاستثمار فى القطاع الطبى، خاصة فى قطاع الطوارئ والعناية المركزة من أطقم طبية وأجهزة قد يكون أهم من الاستثمار فى العزل أو فى أخذ قرارات فيها تضحيات اقتصادية أو اجتماعية قد تكون ممنطقة لمجتمع ولمجتمع آخر تكون هذه تضحية اقتصادية غير مجدية.
***
السهولة التى اتخذ بها قرارات مصيرية تخص سلامة الصحة النفسية والبدنية للأطفال، بدون تفكير ولا جدال كبير قرر العالم أن يحرم الأطفال حقهم فى التعليم واللعب والحرية دون التوقف للحظة لمراجعة أنفسهم فيه. هذا وكنا ومازلنا نعلم منذ اللحظة الأولى أنهم (حتى الآن) ليسوا ضحايا هذا المرض اللعين الأساسيين، والحقيقة المجردة هى أننا «أجبرنا الأطفال فى كل العالم على دفع ثمن سلامتنا نحن الكبار وهو ثمن سيظلون يدفعونه والبشرية كلها معهم لأعوام كثيرة أطول من عمر الجائحة». فأطفال العالم يعانون بسبب هذه القرارات من التوتر والاكتئاب والقولون العصبى والصداع النصفى والتأخر اللغوى والأكاديمى والمهارات الاجتماعية، يعانون السمنة بسبب عدم الحركة والأنيميا ونقص البروتينات بسبب انخفاض دخل أسرهم، كلها أمراض ستنعكس على مستقبلهم ومستقبل الأرض بشعوبها كلها.
علاقتنا بالحياة والموت شهدت تحديا كبيرا، فبالرغم من أن كل ما نفعله هو خشية وهيبة من الموت وهروب منه وهو خوف له كل الاحترام خاصة إذا كان يمس أحبتنا، فبالرغم من هذا سمحنا للخوف أن يحرمنا من أحبتنا لحظة الوداع وأن يحسوا الخوف والألم ولحظات الموت بعيدا عنا دون وداع. فَرض علينا أن نتقبل أن هذا قدر وعلينا تحمله والحقيقة أن هذا مخالف للإنسانية وللحياة نفسها التى تستحق أن تنتهى والإنسان معزز مكرم وسط أحبته. ويجب أن نناقش هذا الأمر كثيرا ليس فقط فيما يخص الكورونا لكن لكل المرضى فى العناية المركزة أيا كانت أسباب وجودهم بها. لابد أن نحارب ليكون من حق المريض أن يتواجد أقرب الناس إليه معه فى هذه اللحظات وهم ملتزمون باللبس الوقائى والماسك، فمن الهراء أن نقنع الناس أن عليهم قبول الفراق بالموبايل وعلى وسائل التواصل الأخرى، فهذا لا ينتج عنه تعافيا للأحياء من بعد الفقد ويولد لديهم مشاعر الغضب والذنب إلى جانب الحزن. كما لا ينتج عنه نهاية فيها سلام وطمأنينة للإنسان فى آخر لحظات حياته، فكما نثمن الحياة كقيمة وجودة لابد وأن نثمن الموت كلحظة هامة لها قدسيتها واحترامها فى حياة الإنسان.
عام طويل تعاملنا فيه مع مرض غدار ولعين مازلنا لا نعرف عنه كثيرا، وهو يستحق أن نحاربه بضراوة سواء فى التشخيص أو فى العلاج أو فى منع العدوى، لكن دعونا نتذكر أن حساب الخسائر لا يكون بأرواح من حصدتهم الكورونا، إنما تكون بالأرواح التى حصدت من أمراض نتجت عن ردود أفعالنا للكورونا المبنية على الخوف والرعب والرغبة فى الهروب على مدى العقد القادم كله. إنه ميزان دقيق ولا يجب أن يكون فى أيدى هيئات كبيرة سواء كانت دولية أو محلية وحدها فهى فى الآخر تحكم بالأرقام الجامدة، إنه قرار شخصى نراعى فيه التوازن بين حماية النفس والغير (وهو ضرورة) وبين استمرار الحياة. توازن فردى نقوم به كل يوم وقد يكون هو الامتحان الحقيقى هذا العام. فكما يقول جلال الدين الرومى:
«وأعلم أن كل نفس ذائقة الموت، لكن ليست كل نفس ذائقة الحياة».
هنا أبوالغار أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة
التعليقات