بيّاع القناديل - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 11:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

بيّاع القناديل

نشر فى : الخميس 6 أبريل 2017 - 9:00 م | آخر تحديث : الخميس 6 أبريل 2017 - 9:00 م

تردّدتْ فى سمعى كلمات صلاح جاهين عن بيرم التونسى، إذ قال التلميذ عن الأستاذ فى مقام رثائه: «بيرم فتحت ديوانه/ ردّ عليّا». هكذا بالضبط أحسستُ وأنا أُبحر فى الأعمال الكاملة للشاعر الجنوبى الكبير الراحل عبدالرحيم منصور، والصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، من إعداد وتقديم مى منصور، ابنة شقيقه. مفاجأة جميلة وسارة، عن أحد أبرز شعراء الأغنية المصرية، وشعر العامية، وصاحب البصمة الخاصة والمؤثرة، فى جيلنا وزمننا.
لا شىء يرد غيبة الشاعر مثل شعره، لا شىء يرسم ملامحه مثل كلماته، ولا شىء يدل عليه مثل أبياته، حتى لو لم تكن تعلم قدر ومكانة هذا الموهوب، الذى لا يقل أهمية عن عبدالرحمن الأبنودى، فإنك حتما ستدرك ذلك بعد قراءة تلك الأعمال. بعضها ينشر لأول مرة، وكثير منها يسجل أغنياته المعروفة مثل: «حدوتة مصرية»، و«شجر اللمون» لمحمد منير، و«أنا على الربابة»، و«بكره يا حبيبى» لوردة، «تساهيل»، و«كله فى الموانى» لعفاف راضى، و«حبيبى يا متغرب» لفايزة أحمد، و«يا أم الصابرين» لشادية، و«سكة العاشقين»، و«بحلم معاك»، و«أنا بعشق البحر» لنجاة، و«يا عينى ع الصُدف» لأنغام، و«يا ليلة الأنس» لسميرة سعيد، وأغانى مقدمات مسلسلات شهيرة مثل «مارد الجبل»، و«المشربية»، و«باسم الله» نشيد المجموعة الشهير فى حرب أكتوبر.
عبدالرحيم منصور ليس رفيق درب وأنغام بليغ حمدى وأحمد منيب وهانى شنودة فحسب، ولكنه بالأساس شاعر عامية عتيد، سبقت أشعاره أغانيه، يدهشنا ما كتبه عن أمه التى أهدى لها أشعاره، وكأنه مثل الأبنودى يخلّد نبع إلهامه، يقول منصور: «إلى أمى بنت الشيخ اسماعيل الخلاوى من دندرة بندر قنا، تعلمتُ على يديها الشعر، فحينما كنتُ صغيرا، كنت أجلسُ بجوارها أمام الفرن، وهى تخبزُ أرغفة الخبز على نيران شجر السنط، وأشعر أن الإنشادات التى تقولها أمام النار، كأنها نقشُ الفراعنة على المعابد القديمة، وأن هذه الإنشادات هى التى تطبّب الخبز، وليس شجر السنط».
ترسم أشعار منصور ملامح شخصية عذبة ورقيقة، رومانسية بالضرورة، ولكنها متمردة، إحساسه بالغربة عارم، وهذا بالتأكيد أحد أسباب تقاطع أشعاره مع ألحان بليغ، فالأخير هو ملحن الغربة بامتياز، أشعار منصور وأغنياته تحمل أيضا ملامح محلية واضحة صورا وألفاظا وروائح وألوانا، الصعيد المنسى يبعث حيا بنخيله وبناسه، بعاداته وطقوسة، وبفتياته السمراوات، ولكن منصور يحمل فى نفس الوقت روحا إنسانية تتسع لكل البشر، فهو (إن كنت لا تعلم) صاحب كلمات صارت عنوانًا أبديا على التسامح:
«لا يهمّنى اسمك.. لا يهمّنى عنوانك/ لا يهمّنى لونك.. ولا بلادك مكانك/ يهمّنى الإنسان ولو مالوش عنوان».
فى كلماته تظهر ملامح عاشق حقيقى للحياة، «أصل الولد شاعر/ جوّاه عذاب واعر» كما قال منصور عن ابن عروس فى مسلسل «مارد الجبل»، وكأنه يصف نفسه، الشاعر يتعذب بحلمه؛ لأن المسافة بين الواقع وبين ما تتمناه كبيرة، هنا أحد أسباب الغربة، لعله أقرب بذلك إلى المهاجر حتى داخل الوطن:
«فيه طير بيرجع لعشّه/ وطير بيفضل مسافر/ وطير ماهوش لاقى قشّه/ وطير مهاجر مهاجر»، قالها أيضًا منصور فى تتر مسلسل «الشاطئ المهجور» الذى غناه منير بعد ذلك بسنوات طويلة:
«قلبى يا طير مروّح/ يا مروّح فى الغروب/ يا غريب عن الصحاب/ وغريب عن الدروب/ عطشان والميا فى إيديا/ حيران مش لاقى مراسيّا/ دوّر عن الناس/ فى قلوب الناس/ حتلاقى الخير والخير فى الناس/ دوّر ع الناس».
البحث عن الإنسان داخل البشر هو عنوان التجربة كلها، على هذه الأرض ما يستحق الحياة للحياة، لعل منصور كان هو «بيّاع القناديل» الذى كتب عن معاناته فى أغنية تثير الشجن، غناها محمد رشدى ولحّنها بليغ حمدى:
«قناديل بيّاع قناديل/ ينّوّرك يا ليل/ وادينى ماشى/ ومش لاقى السبيل/ بسافر بسافر/ بهاجر بهاجر/ والبخت يا عينى قليل/ وآه يابا يابا عليّا/ لا دار ولا مرسى ولا صبيّة».
ورث عبدالرحيم منصور رقة الشاعر الشعبى وأحزانه معًا، ولكنه لم يفقد الأمل أبدًا: «على قدّ ما حبينا وتعبنا ف ليالينا/ الفرحة فى مشوارنا تانى حتنادينا/ بس امتى أمانينا ع الحلم ترسّينا»، العشق فى أشعاره حياة وطوق نجاة: «أنا باعشق البحر وبعشق السما وباعشق الطريق/ لإنهم حياة وإنتى يا حبيبتي/ إنتى كل الحياة»، ويقول فى رباعية جميلة: «عشقت فيها عنيها/ وعنيها أعوام خوالي/ توبها اللى مقسوم عليها/ منسوج بإبر الليالى»، ويقول أيضا: «برّة القفص زقزقة/ زقزق يا طير القلب/ الدنيا مش ضيّقة/ لو بس تعرف تحب».
فى أشعار منصور ينابيع الحكمة الشعبية القادمة من عالم ابن عروس: «على كل لون الدموع/ دموع فرح وأنين/ دموع فى غُربال سبوع/ ودموع فى قلب حزين»، «على كل لون العرقْ/ على كل لون السنين/ عرق يبيّض ورق/ وعرق يندّى الجبين»، وفيها رقة المعنى وجمال الصورة:
«بحلم معاك/ بسفينة/ وبموجة كبيرة/ ترسّينا/ ونبحّر تاني/ الريح تعاند/ وألاقيك/ فى عينيك/ وإيديك/ شطّى وأماني/ العالم كله/ بأسراره/ عايش ويّايا/ عايش جوايا/ طول ما انت/ فى الرحلة معايا»، أو كما يقول:
«علّمونى عنيكى أسافر/ علّمونى أفضل مهاجر/ علّمونى أكون مسامح/ زى نبع الحب صافي/ علّمونى اعشق صحابي/ وانسى ويّاهم عذابي/ والغريب لو دقّ بابي/ يرتوى من نبع صافي/ علّمونى ولفوّا بيّا/ دنيا غير الدنيا ديّة/ طعم تاني/ وحاجة تانية/ ده انت نبع الحب صافى».
فى أغانيه يحضر الوطن كفتاة جميلة مثل عروس النيل، وفيها يصبح المكان برهانا على العاشق والمعشوق: «من دهبك لبّسنى العقد حبيبى/ من نيلك سقانى الشهد حبيبى/ من قمحك وكّلنى اللُقمة حبيبى/ من صبرك علّمنى الحكمة حبيبى/ يا مصر، يا أمنا يا مصر/ يا أرضنا يا مصر/ يا حبنا يا مصر/ يا عشقنا».
يريد الشاعر أن يفهم زمنه، يحاول أن يخرج بكلمات تلخص الحكاية كلها: «دنيا تدور/ مهما تدور/ ما هى بتدور سواقينا/ فى عطشنا/ فى ألمنا/ ما بتنساش تداوينا/ لينا أحلى أمانينا/ ليه الزمان يكسر قلوبنا/ جينا ومادين إيدينا/ واللى يصيبنا أهو من نصيبنا/ دنيا بتلعب بينا ليه/ إيه راح ناخد منها إيه».
يتحاز منصور دوما إلى الإنسان، إلى أنبل ما فى الإنسان: «أبويا قاللى/ متهدّش ابنى/ وان كنت بانى/ بالحق علّي/ أبويا قاللى/ اعرف مكانك/ احكم لجامك/ أحسن كلامك، وصوم وصلّى».
ويقول أيضا: «أنا النغم بلا وتر/ أنا الحزين بلا دموع/ أنا السكن بلا وطن/ وطنى قلب الإنسانية».
عبدالرحيم منصور فتحتْ ديوانه.. ردّ عليّا.

التعليقات