هل اتفق العرب على خرق الميثاق؟ - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الخميس 24 يونيو 2021 4:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

هل اتفق العرب على خرق الميثاق؟

نشر فى : السبت 6 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : السبت 6 أبريل 2013 - 8:00 ص

من الثابت تاريخيا أن الجامعة العربية فكرة استعمارية اقترحها المندوب السامى البريطانى على الملك فاروق ملك مصر فى الأربعينيات من القرن الماضى على غرار عصبة الأمم المتحدة والتى تكونت بعد الحرب العالمية الثانية، وتحولت بعد ذلك إلى هيئة الأمم المتحدة، ولقد تأسست الجامعة العربية عام 1946 من ثلاث دول، على رأسها المملكة المصرية، ثم انضم إليها بعد ذلك الدول العربية على اختلاف أنظمتها ملكية كانت أم جمهورية، إماراتية أم منظمة تحرير.. إلخ.

 

●●●

 

وبالطبع لم يكن الهدف من الجامعة العربية أن يتفق العرب معا بشأن أى قضية من القضايا بل العكس هو الصحيح وقد وضح ذلك فى ميثاق الجامعة الذى نص على أن يكون القرار بإجماع الآراء وليس بالأغلبية، ونص الميثاق أيضا على أن يكون تعامل الجامعة مع الحكومات الشرعية للبلاد، ولقد ثبت من الوثائق أن الاستعمار الإنجليزى الفرنسى بعد معاهدة سايكس بيكو والتى على أثرها تم تقسيم البلدان العربية إلى شظايا مع وضع حدود لهذه الشظايا، وتكوين جيوش لها، وبذلك أصبحت الجامعة العربية ميدانا للخلاف والاختلاف وليس للاتفاق والوحدة حيث تحاول الدول الكبرى ذات التاريخ الهيمنة عليها (مصر ــ سوريا ــ العراق) من ناحية بينما تحاول الدول الغنية الهيمنة بسبب اقتصادها القوى والذى تفجر مع البترول (دول الخليج) من الناحية الأخرى، كذلك الصراع بين الدول السنية والأخرى التى بها عدد يقارب المنتصف من الشيعة (البحرين ــ العراق ــ الكويت) بل إن الوثائق أثبتت أن غرس دولة مثل إسرائيل سوف تكون الجامعة العربية بهذه الصورة عاملا مهما فى تعضيد وجودها واستمرارها بسبب الخلاف حول التعامل معها.

 

ولقد وضح هذا الصدام مبكرا جدا منذ الخمسينيات بين بورقيبة رئيس تونس حينئذ والذى اقترح عقد سلام مع إسرائيل يبنى على قرار هيئة الأمم المتحدة عام 1948، والذى كان يقسم أرض فلسطين بين اليهود وعرب فلسطين، ويعطى عرب فلسطين نسبة أكبر قليلا من إسرائيل. ولقد كانت معظم الأنظمة العربية مقتنعة بهذا الفكر إلا أن الانقلابات العسكرية التى تمت فى الخمسينيات والستينيات والضغوط الشعبية، والزعامات العسكرية التى كانت تبحث عن الشعبية بغض النظر عن المصلحة الاستراتيجية للبلاد جعلت العرب ينقسمون إلى عسكر قوميين وملكيين خونة والعكس. وكان على قمة الخونة بالنسبة للقوميين الملك حسين ملك الأردن والحبيب بورقيبة رئيس تونس بالإضافة إلى الملوك الآخرين فى السعودية والمغرب ودول الخليج.. إلخ.

 

ولقد كانت حرب اليمن إحدى المظاهر لهذا الانقسام الحاد بين الجمهوريين القوميين العرب وبين الملكيين الرجعيين (بحسب المصطلح حينئذ)، وهكذا أسهمت جامعة الدول العربية فى تأجيج الخلاف والانقسام فبعد زيارة السادات لإسرائيل عام 1979 تكونت جبهة الصمود والتصدى من سوريا وليبيا والعراق وفلسطين ثم تكون مجلس التعاون العربى (دول الخليج) ومجلس التعاون المغاربى (دول المغرب). ولقد أصيبت الجامعة العربية بضربات قاصمة ليس من الخارج لكن من داخلها، فعندما قام السادات بزيارة إسرائيل وعقد معاهدة سلام معها إنتقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس وبقى مقعد مصر فارغا، وعندما قام صدام حسين بغزو الكويت بقى أيضا مقعد العراق خاويا ولقد أخرجت جامعة الدول العربية منظمة التحرير الفلسطينية من مكانها مرتين، مرة من الأردن عام 1970 حيث رحلتها إلى لبنان ذلك الاجتماع الذى توفى بعده عبدالناصر مباشرة بعد توديعه لأمير الكويت، حيث بذل جهدا ضخما لإحضار ياسر عرفات من الحصار الذى ضربه حوله جيش الملك حسين فيما سمى بأيلول الأسود وفى المرة الثانية كان عام 1982، حيث قررت الجامعة العربية نقل المنظمة الفلسطينية من لبنان إلى تونس فى أبعد نقطة عن أرض فلسطين، وهكذا اتضح أن الجنين المشوه الذى ولد عام 1946 استمر معوقا غير قادر على تحقيق أى شىء يذكر من الوحدة العربية المنشودة.

 

●●●

 

أما الأزمة الأخيرة (الأزمة السورية) فقد بدا وكأن العرب قد اتفقوا على شىء واحد وهو الوقوف مع المعارضة ضد النظام الشرعى السورى، وقد أعلنت الجامعة بقيادة قطر أن النظام بقتله لشعبه قد فقد شرعيته، لكن من الواضح أن هناك كثيرا من القادة العرب ــ وكالعادة دائما ــ يصرحون بغير قناعاتهم الشخصية، فهناك رؤساء وملوك عرب لا يرغبون إطلاقا فى سقوط الأسد، ومن هم رافضون تماما للربيع العربى، إلا أن القضية لها حسابات أخرى من ضمنها خشية بعض الرؤساء والملوك التصريح بآرائهم فيبدون وكأنهم ضد شعوبهم أو ضد الربيع العربى، ليس هذا فقط لكن معظم الملوك والرؤساء العرب يعتبرون الجامعة العربية (مكلمة) مجرد صالون فكر سياسى، لكن الشىء الوحيد الذى كان يمكن أن يحافظ على الحد الأدنى من مصداقية الجامعة هو ميثاقها وتمسك الأعضاء به، فالميثاق لأى تجمع مثل الجامعة العربية هو الملاذ الأخير لبقاء الكيان واستمراره، لذلك تعجبت كثيرا عندما رأيت قائد الائتلاف السورى المعارض مع علم المعارضة يجلس على المقعد السورى، بينما دولة سوريا بعلمها ورئيسها مازالا يعملان بطريقة أو بأخرى.

 

لاشك أن العالم كله يرفض أن يقتل نظام شعبه ونحن نرفض تماما موقف النظام السورى لكن الميثاق ميثاق، وكان المتوقع بحسب الميثاق أن يبقى مقعد سوريا فارغا، كما حدث من قبل مع مصر السادات وعراق صدام وأنا أتساءل هل دارت مناقشة مسبقة بين أعضاء الجامعة وأتفق بالإجماع على أن تحل المعارضة محل النظام الشرعي؟ وإذا كان ذلك قد حدث كان بالأولى أن يكون الحوار حول إمكانية تغيير الميثاق، أو العرف السابق على بقاء المقعد فارغا والنص على أنه فى حالة اتفاق أعضاء الجامعة على أن أى رئيس أو ملك يفقد شرعيته (من وجهة نظرهم) رغم وجوده فى السلطة لسبب أو آخر أن تشغل مقعده المعارضة، وهكذا تكون هنالك قاعدة قانونية أو مادة فى الميثاق تعمم على الجميع، ولا يكون الحوار حول كل حالة على حده فتبدو القرارات وكأنها ضغوط من مراكز قوى، وهذا لا يليق بمنظمة عمرها يقارب السبعين عاما. لكن أعتقد أن الرؤساء والملوك العرب سواء العائلات المالكة أو الفصائل الحاكمة لا يوجد فى هويتهم أو ثقافتهم أو تربيتهم داخل مجتمعاتهم ما يسمى «تقديس القانون» ولقد تعجبت لأن قطر أعطت سفارة سوريا لديها للمعارضة ورفع علم المقاومة عليها، لذلك أتصور أن الحوار فى الجامعة يكون دائما بين رئيس يتحدث بسلطان ما والباقى ينصت ويوافق. ولقد كان عبدالناصر فى الخمسينيات والستينيات هو الذى يتحدث ويقنع لأنه كان رئيسا لأكبر دولة فى المنطقة ويملك الزعامة والكاريزما والوطنية والصدق ويعبر عن آمال وطموحات الشعوب العربية وحتى بعد هزيمته فى 1967 كان هناك اجتماع تاريخى للجامعة فى الخرطوم، واشتهرت باللآت الثلاث لرفض الهزيمة. أما مؤخرا فالذى يتكلم لا يملك الكاريزما ولا لديه شعب يسانده ولا زعامة إن الذى يتحدث اليوم هو المال أو اليد الأعلى والذى ينصت وينفذ هم أصحاب اليد السفلى.

 

●●●

 

الذى يحدث على مستوى الجامعة يحدث داخل كل دولة على حدة، فنحن فى مصر مثلا نفخر بكسرنا للقوانين على جميع المستويات، ونجد كيف يتم تجاهل القوانين وتحطيمها والالتفاف حولها من كل من يستطيع أن يفعلها إما بسبب قدرته السياسية (الحكام) أو قدرته المالية (الاقتصاديون) أو قدرته البدنية (البلطجية)، ولذلك كان من الطبيعى جدا أن يخترق ميثاق الجامعة العربية والقانون الدولى ولا يعلق أحد.

 

 

 

أستاذ مقارنة الأديان  

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات