المال والبنون - محمود قاسم - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 أكتوبر 2020 5:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

المال والبنون

نشر فى : الجمعة 6 مارس 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : الجمعة 6 مارس 2020 - 8:15 م

ماذا ينتابك لو شعرت أن ثروتك قلت عددا.. إنه الشعور الذى أحس به كلما اكتشفت فيلما قديما لم أشاهده من قبل، كل ما يحدث أننى أشاهده بشغف لمرات عديدة، كأننى أعوض حرمان السنين من عدم مشاهدته، هذا هو زمن اليوتيوب الذى تشاهد فيه ما تريد فى أى وقت، والمرات التى تكفيك اذا كنت تكتفى، مهما كانت قيمة الفيلم، وقد شعرت أن عنوان هذا الفيلم خدعنى، وأننى شاهدته من قبل، فالعنوان متكرر، وبطل الفيلم محسن سرحان شارك بأدوار مشابهة فى الكثير من أفلام النصف الأول من الخمسينيات، إنه يعرض على اليوتيوب، لكن بمشاهدته أدركت ان الأمر تداخل بالنسبة لى، وذلك لتشابه الأسماء، وأيضا لوجود كاتب السيناريو محمد مصطفى سامى المؤلف الملاكى لحسن الامام، هذه المرة يكتب لإبراهيم عمارة، الممثل والمخرج الذى تعامل مع السينما باعتبارها منبرا دينيا يخاطب الناس من فوقه، يستخدم دوما النصوص المقدسة للرجوع إليها، أو وضعها فى عناوين الافلام والحوارات التى تدور بين الأبطال، وهو الأمر الذى مشى فى المسار نفسه للممثل المخرج حسين صدقى، بل يسبقه بمسافات، وتكاد تكون الفكرة الرئيسة فى «المال والبنون» عام 1953 متشابهة تماما مع فيلم «المصرى أفندى» 1949حول عقوق الزوج فى تعامله مع نعمة إنجاب الأطفال، فإذا بغضب السماء ينزل عليه ويعاقبه لسنوات طويلة بعد أن راح الأبناء بسبب الأمراض غالبا.
أسماء الأفلام المتشابهة توحى للمشاهد بالعظة التى سيخرج بها عقب المشاهدة، ولعل أقرب أسماء الأفلام هو «غضب الوالدين» الذى رأيناه مرة أخرى باسم «وبالوالدين إحسانا» وكلاهما لحسن الامام، ومن المهم أن تعرف أن هذه الموضوعات ذات صبغات عالمية كان كاتب السيناريو نفسه يقتبسها عن روايات فرنسية تنتمى للأدب الشعبى المحافظ المنشور فى القرن التاسع عشر، وفى هذه الفترة كانت بعثات التبشير تنتشر فى جميع انحاء العالم الجديد وإفريقيا.
التشابه واضح للغاية بين بطلى الفيلمين «المال والبنون» و«المصرى افندى» حول المواطن المصرى الفقير الذى ينكر نعمة الله ويسعى إلى عدم الانجاب خشية من مضاعفات الفقر، والزوج صلاح هنا يجبر زوجته التى تجسدها عقيلة راتب، وهى ايضا ابنة عمه، ان تتعاطى مجددا عقارا ساما الغرض منه الاجهاض، هذا الزوج، ليس لديه من الأطفال سوى ابنة واحدة، أصابها مرض شديد استدعى الكثير من المصاريف والديون، والعم الذى يجسده إبراهيم عمارة نفسه هو شيخ معمم، يلجأ إلى النص الدينى لإقناع زوج ابنته بالرضا بما قسم الله له، والفيلم يعزف على هذه النغمة، فالزوجة وداد هنا أيضا تشبه الزوجة فى فيلم «المصرى افندى»، إنها مطيعة، لا تنبس بكلمة عن تصرفات زوجها، وتبدو كأنها المرأة الانموذج التى تتلقى الصدمات وحدها.
هناك فيلم آخر قام ببطولته أحمد مظهر عام 1964 إخراج أحمد ضياء الدين باسم «دعنى والدموع» جعل من رجل عاقر زميلا لزوج أنجب الكثير من الأطفال ويعيش راضيا بما رزقه الله من أطفال ودخل محدود، وفى «المال والبنون» فإن محمود شكوكو الذى يؤدى دور الزميل صاحب الأبناء السبعة، هو مواطن سعيد بما رزقه الله ويعيش بدون معاناة، ولاشك أن السيناريو هنا يعطى الاحساس بأهمية المقارنة بين صلاح وزميلة، ونظرة كل منهما للحياة، لكن الفيلم يلقن صلاح درسا فهو يمنحه المال وسعة الرزق قبل أن يسلب منه ابنته إلى الأبد.
الفيلم الذى كتبه محمد مصطفى سامى اختار موضوعا آخر اضافيا دارت حوله القصة، فقد تتوقع ان الابنة ستموت، لكن هناك مجرما يظهر فى حياة الاسرة، قبل وفاتها، هذا المجرم هو الذى عثر على الطفلة التائهة، يبدو نبيلا فى تصرفه، أما صلاح فتتحسن أموره مع الزمن، ثم نعيش مع المؤمرات التى يحكيها الفيلم، باعتبار أننا لا نميل إلى أن نحكى القصص، فالفيلم متاح لمن يود مشاهدته بالتفاصيل، لكن الرجل فى الفيلم لم يتعلم من التجربة كثيرا، وظل على أنانيته، وتزوج من امرأة أخرى، وأخفى عن زوجته الأمر، وخان الرجل الذى ائتمنه على بيته، فخطف من البيت الابنة التى تعيش مع الزوجة، وفيما بعد رأينا المليجى يخرج من السجن ليؤدى دوره الشهير كمشعوذ يتاجر بالدجل مثلما رأيناه فى فيلم آخر باسم «المبروك» لحسن رضا 1959.

تحية إعجاب بالممثلة المطربة عقيلة راتب التى كانت بطلة مطلقة للأفلام منذ منتصف الاربعينيات، وحتى منتصف الخمسينيات، وقد كانت بطلة مطلقة بديلا عن ليلى مراد فى فيلم «،طلاق سعاد هانم» اخراج أنور وجدى، وما أخفها وهى تغنى فى هذا الفيلم اغنية السلم، ومن أبرز أدوارها دور الام لكمال حسين فى فيلم «المظلومة» 1950، ودور الزوجة المريضة التى تنتظر موتها فى فيلم «من غير الوداع» وكانت غالبا فى أحسن حالاتها أمام عماد حمدى، مثلما كانت في «السوق السوداء» لكامل التلمسانى 1945، و«دايما فى قلبى» لصلاح أبوسيف 1946، وهى أنسب ممثلة فى كل تاريخ السينما لدور البنت الرومانسية الخجول، التى لا تتكلم إلى أحد وهى ترفع اليه عينيها، وفيما بعد قامت بدور الأم العزباء فى الكثير من أفلام السبعينيات، لكنها تمردت على هذه الشخصية فى فيلم «القاهرة 30»، أى أنها تاريخ تائه بشكل ملحوظ، رغم أنك تراها حاضرة، لكنها تحتاج إلى اعادة التعرف على مشوارها، ونحن ندعو إلى ذلك، ولا شك أنها أول ممثلة غيرت من صورة الأم فى السينما المصرية، فهى الأم العصرية فى «عيلة زيزى»، والأم الارستقراطية فى «لا تطفئ الشمس» و«ليلة الزفاف»، و«السراب»، وهى أدوار لا يمكن أن تتصور ممثلة بديلة تجسدها لنا.

التعليقات