مصر بين أم كلثوم وشاكوش - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 4:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


مصر بين أم كلثوم وشاكوش

نشر فى : الجمعة 6 مارس 2020 - 8:20 م | آخر تحديث : الجمعة 6 مارس 2020 - 8:20 م

من الثابت تاريخيا أن بداية مصر الحديثة جاءت بعد 500 عام تقريبا تحت الحكم العثمانى الذى أغلق على كل الشعوب التى استعمرها عازلا إياها عن حركة العالم، واتفق المؤرخون على أن الحملة الفرنسية على مصر (1798 ــ1801م) كانت نافذة مصر على العالم ونافذة العالم على مصر، أى إعادة اكتشاف العالم لمصر والعكس صحيح. وقد اختار شيوخ الأزهر حينئذ وعلى رأسهم عمر مكرم العسكرى الألبانى محمد على لحكم مصر، ومن هنا بدأت حقبة مصر الحديثة، وأيضا اتفق المؤرخون على أن محمد على كان أكثر حاكم من بين سلالته من الحكام استنارة وإدراكا لبناء دولة حديثة. توالت سلالة محمد على على حكم مصر حتى عام 1952 بقيام ثورة الجيش بقيادة جمال عبدالناصر وهكذا انتهى النظام الملكى حيث تنازل الملك فاروق الأول عن العرش للأمير الرضيع فؤاد الثانى حقنا للدماء، وغادر وعائلته مصر على يخته (المحروسة)... والمحروسة لمن لا يعلم أحد الأسماء المحببة التى أطلقها المصريون على مصر لكنه انقرض مع الزمن. وقد استمرت عملية التحديث والتنوير التى بدأها محمد على بحكم قوة الدفع حتى عام 1967م حيث انكشف المستور بالانهيار المذهل للجيش المصرى فى معركته ضد إسرائيل (بعد مغامرات حرب اليمن عام 1961م والوحدة مع سوريا 1958م والانفصال بانقلاب عسكرى سورى عام 1961م وداخليا القمع بحكم ديكتاتورى وانهيار التعليم والاقتصاد... إلخ).
***
كانت مصر بداية من عهد محمد على حتى بداية السبعينيات تتشدق بعلمائها وأدبائها وعلمانيتها، وكانت مركزا للعلوم والفنون والآداب، لكن اتضح أن بداية الانهيار العلمى والأدبى والفنى انطلق منذ تأميم التعليم والإعلام والجامعات والشركات الضخمة... إلخ، وهكذا وبفعل فاعل تحولت الأسس الجادة التى تقوم عليها أى دولة تحترم تاريخها وكيانها (الدستور ــ السياسة ــ الحكم ــ الفنون والآداب ــ العلوم... إلخ) إلى حالة من السيولة فتغير الدستور أكثر من مرة لتقنين الديكتاتورية وتمديد مدد رئيس الجمهورية، وغلبت التفاهة على الأداء السياسى والعلمى والإنتاج الفنى والأدبى والثقافى، وقد انكشف هذا الوضع بصورة لا تُخفى على أحد منذ صرعة الأجهزة الذكية والتى أطلقت مجانا ألقاب العلماء والأدباء والفنانين على الكتاب المعاصرين وبعض المنبهرين بهم من مدعى الثقافة، إذ يستلذ هؤلاء بإنهاء دور المثقف الحقيقى (العريق) باعتبار أن الشعبى قد «برز» وأخذ مساحته وصار له منبره، على طريقة الإعلام الثورى الجماهيرى الشعبوى «منبر من لا منبر له». وهكذا رأينا النجم المتألق محمد رمضان وحسن شاكوش وأبوليلة وحموبيكا... إلخ محل أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش... إلخ وتوارى نجيب محفوظ ويوسف السباعى وتوفيق الحكيم وظهر على الساحة أدباء الجن والعفاريت والجنس والحشيش. ليس هذا فقط بل أيضا امتلأ المجال الدينى بالخرافات وسطحية التفسير وعنصريته فمتدين اليوم هو متدين العواطف والمشاعر الذى يبكى ويتمايل ويصفق وأحيانا يرقص دون عمق لاهوتى أو فقهى أو فكرى بل تجد كلمات التسابيح لا تختلف كثيرا فى سطحيتها وموسيقاها عن سطحية وموسيقى ريشا كوستا وعلى سماره، هذا فضلا عن سطحية الدروس الدينية والوعظ الذى يعتمد على العاطفة والتهدج.
من هنا وضحت ظاهرة التفاهة الإعلامية والتى بدأت منذ أكثر من نصف قرن، وهى تشبه حركة الأدباء والفنانين والمثقفين الشبان الوجوديين فى فرنسا بعد تحول (السارتريه) نسبة إلى الفيلسوف جان بول سارتر إلى موضة، والتى اختصرت حينها (فى الستينات) من القرن الماضى بنوع من اللباس وتسريحة شعر وفلتان سلوك. وكنا نرى فى زياراتنا لأوروبا مشاهد الشبان والفتيات مجرد أزياء تافهة ولا قيمة فكرية لهم، وهذه الحركة لا تعبر إطلاقا عن الفلسفة الوجودية الملحدة بقيادة سارتر ولا الوجودية الدينية المسيحية بقيادة كير كيجارد وجبريال مارسيل. لقد كان تمردا مراهقا استخدمت فيه بعض أفكار الوجودية، لكنهم على المستوى الفكرى يمارسون التفاهات، ولا يستطيعون العيش إلا بها. هذه الظاهرة التافهة غلبت الجميع هناك كما حدث فى مصر اليوم، طوفان جارف هجاؤها لن يخفف من سلبيتها أو سطحيتها، ومن الجدير بالذكر وجدنا هنا من يحاول تأصيل جذر التفاهة كما حدث هناك، أو البحث عن سببه وعلته، وقد يبدو الحديث عن أن تلك الظاهرة جاءت ضمن جملة ما أتت به انهيار مراكز الثقافة الأصيلة وتفتت المرجعيات، والسؤال هو لماذا سيطرت هذه التفاهات فى الشعر والموسيقى والأدب والدين... إلخ، والإجابة تتركز فى أمرين: الصعود التقنى والصرعة التكنولوجية.
***
ولقد تذكرت فى هذا المجال انبهار العالم بـ«القنبلة الذرية» فى نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد انبهر بها الفيلسوف هيدغر فأطلق عليها «ميتافيزيقيا العصر» أى دين العصر، وهكذا فُتح الباب لتدمير كل ما هو تقليدى راسخ على مستوى الدين والفنون والعمارة والأدب والغناء والموسيقى، واعتبر أن نقد العمق الدينى والأدبى والفلسفى والموسيقى هو هدم المراكز والجذور والأسس، وقد أطلق على كل ذلك مصطلح «الفن الاستبطانى» ذلك الفن الذى يميع الحدود بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية التافهة، كما يميع الحدود بين أصول الدين من ناحية والعبادة السطحية والفوضى التفسيرية من الناحية الأخرى، بل وبين الفن والتجربة اليومية، وهكذا ظهر عندنا رمضان وحسن شاكوش و... و... إلخ. ولا داعى لذكر النجوم الدينيين لهذه الظاهرة ضمن هذه الحلقة المتميعة فى الفن والأدب. من هنا صعد على المسرح ما نعتبره «نجوما تافهين» يطرحون أنفسهم كقدوات للأجيال الحالية الحية، بل والأجيال التى ستأتى لاحقا بعد قرون من الزمان. وهؤلاء يظهرون فجأة بلا جذر أو عمق ويغتبطون بالتوجيه والحديث بتوافه الأمور ويغترون بالجلبة المحيطة بهم من أناس تافهين مثلهم: سواء فى المجال الدينى، أو العلمانى أو الآداب والفنون كما حدث أخيرا.
وكانت نتيجة كل ذلك تعميم الشتيمة وقلة الأدب، والعبث بأخلاق المجتمع، ومع الأسف الشديد طُرحت الأسماء بالمنابر والحفلات والمهرجانات ووسائل الإعلام على أنها تحمل قيما معينة، والواقع إنه تجهيل منظم، فترك الشباب كل ما هو جاد فى العلم والدين والأدب والفن وأدمنوا الفيس بوك والتويتر واللايكات... إلخ. إنه انبهار بالشخصية من دون مبررات حقيقية علمية أو عملية، هذه ظاهرة لا يمكن تشخيصها إلا بوصفها «تفاهة» والتفاهة هنا ليس شتيمة بل وصف محايد مؤدب للأشخاص الذين يتدخلون فى ما لا يعرفون. وفى المعاجم أن التافه مشتق من «تفه» و«تفه» الطعام أى صار بلا طعم أو ذوق. هذه هى الظاهرة التقنية السوشيلية social التى لا ترتبط بمعنى ولا تحقق غرضا، والواجب علينا جميعا تأسيس وعى جمعى يجعل لهذه التفاهة حدودها الطبيعية لأن غزوها وتحويل كل شىء إلى تفاهة متداولة بمنابرها يفرغ كل عمق بهذا العالم، لأن الجمال بكل مجالاته الفنية والأدبية واللغوية، لا يمكن أن يأتى إلا عن طريق جذر، وأن يُسقى جزعه بعمق وإطلاع وفهم، لكن أن يتصدر كل شخص تافه أو جاهل يضع نفسه مُلهما ونبراسا ودرسا فهذه طامة كبرى، تدمر كل الجماليات الدنيوية التى بين أيدينا، إنه انحطاط وانهيار وجنون ونحن هنا ندينها بشدة ونشد على كل يد وعقل يرفض هذا التوجه التافه.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات