أحاديث يناير: المواطنة والتمييز - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الإثنين 6 ديسمبر 2021 10:41 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. إلى أي مرحلة سيصل المنتخب المصري في كأس العرب؟


أحاديث يناير: المواطنة والتمييز

نشر فى : الأحد 6 يناير 2019 - 11:50 م | آخر تحديث : الأحد 6 يناير 2019 - 11:50 م

لم تطل فترة الآمال المفتوحة على مستقبل جديد.
فى المشاهد الأولى الملهمة لثورة (25) «يناير» تجلت وحدة السبيكة الوطنية المصرية، حيث صلى المسلمون بميدان التحرير فى حراسة الأقباط خشية أية اعتداءات مباغتة ومارس الأقباط طقوس عبادتهم بحماية المسلمين.
بدت مصر كأنها تفتح صفحة جديدة تدمج الأقباط كمواطنين، لا بحسب هويتهم الدينية، فى العمل السياسى الوطنى باتساع أفقه على قيم المواطنة.
كان ذلك شيئا رائعا سرعان ما تقوضت روحه وتراجعت رسالته، وجرى استقطاب طائفى بدأ يتسع مداه حتى وصلنا إلى مشروع فتنة فى الاستفتاء على التعديلات الدستورية (مارس ٢٠١١).
أطلت الفتنة بحشد طائفى لا علاقة له بموضوع الاستفتاء بقدر ما أراد توظيف الثورة على عكس مقاصدها.
فيما طلبت «يناير» بناء نظام سياسى جديد يلتحق بعصره يضمن الحريات العامة ويصون حقوق المواطنة علت بالحشد الطائفى دعوات الدولة الدينية والتحريض ضد الأقباط.
كانت فكرة الاستفتاء بتوقيتها المبكر وأهدافها المعلنة وغير المعلنة وبالأجواء التى صاحبتها والتداعيات التى لحقتها خطيئة لا تغتفر أضرت بالثورة وأربكت الخطى قبل أن تستقر على أرض.
بعد شهرين من الاستفتاء، وأربعة شهور من الثورة، أطلت الفتنة الطائفية على المشهد المعبأ فى صدامات مروعة.
«هذه أزمة تفرض على كل الناس مواجهتها بنزاهة، لأنها فى هذه اللحظة أكبر من كونها فتنة طائفية.. فى هذه الأزمة بالفعل جانب طائفى له أسبابه التى تأخرنا كثيرا فى علاجها، مثلما تأخرنا فى علاج مشكلة مياه النيل، مع تماثل فى أهمية المشكلتين: واحدة تتعلق بحياة البلد والثانية تتعلق بسلامته، وكلتا المشكلتين دخلتا مرحلة التعقيد، ولا أقول الاستعصاء، بسبب عدم الفهم، أو بسبب قلة العزم».
.. هكذا كتب الأستاذ «محمد حسنين هيكل» فى «الأهرام» (١٠ مايو ٢٠١١) على صفحته الأولى تحت عنوان: «عن الأزمة الطائفية.. وغيرها»، محذرا بكلمات مختصرة من أبعاد الفتنة وعجز الإدارة الانتقالية.
ثم وجد نفسه مرة أخرى يطل على نفس الملف فى مراجعة المائتى يوم الأولى من الثورة، عندما بدأ الكلام يدور حول وضع دستور جديد.
«كل ذلك ولا يسأل أحد عن شريك فى الوطن منذ كانت بداية الوطن ولا يمكن لرحلة المستقبل أن تتم بدونه وهو أقباط مصر، وهم بالعدد أكثر من عشرة ملايين، أين هم؟!».
«ما هى حقوقهم فى العيش المشترك خصوصا عندما يجىء الدور على وضع دستور، والدساتير كلها إجماع طوعى، وليس أغلبية وأقلية، لأنها كما قلت مواطنة عيش مشترك، لا يقبله طرف إلا بكامل حريته، وبرضاه واختياره».
ثم دخل إلى صلب موضوعه محذرا من ألفاظ تتردد دون فهم لمعانيها ومسئولياتها «مثل أن يقول أحد لهم ولغيرهم: مصر دولة إسلامية، ومن لا يريدها كذلك عليه أن يرحل منها، ومثل أن يتحدث أحد عن خضوع أقلية لأغلبية، ومثل ما يقال عن السماحة، وعن عهد الذمة، ومثل هزل قبول الآخر، إلى غير ذلك مما تكرر والقول غير مسئول، وأهم من ذلك غير مدرك!!».
عندما جاء الدور على وضع الدستور بدا أن الإجماع تبدد والمغالبة سادت وقضية المواطنة خارج أى اهتمام حقيقى للذين يصيغون نصوصه.
هكذا تصاعدت النذر، فالدساتير لا تكتب بالغلبة إذا أريد لها أن تكتسب شرعيتها ولا لعبة فى يد من يمسكون بمقاليد السلطة.
كانت الفتنة ولغتها والتحريض عليها من المقدمات الطويلة لـ(٣٠) يونيو (2013).
لم يكن ممكنا أن يستقر نظام على فتنة ولا شرعية على تمييز وحرق كنائس.
من أفضل ما ينسب لدستور (2014) ما انطوى عليه من حقوق وحريات عامة غير مسبوقة من بينها حقوق المواطنة.
«المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون فى الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعى، أو الانتماء السياسى أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر».
الدساتير ليست نصوصا تكتب بقدر ما هى تعبير عن عقد اجتماعى ملزم بين الدولة ومواطنيها.
كأى عقد فإن شرعيته تكتسب بالتراضى لا الإكراه، وبقدر ما يحوزه من إجماع وطنى.
فى نفس هذه المادة الدستورية تأكيد على أن التمييز والحض على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون وإلزام للدولة بـ«اتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على جميع أشكال التمييز، وإنشاء مفوضية مستقلة يصدر بها قانون لهذا الغرض».
كان ذلك تعبيرا دستوريا عن الأجواء التى سادت مصر بعد (30) يونيو وإزاحة شبح الدولة الدينية، لكنه لم يوضع تحت التنفيذ بلا سبب أو مبرر رغم أهميته القصوى.
المفوضية أداة دستورية تؤسس لدولة القانون تمنع وتزجر، تحاسب وتعاقب أى تمييز ضد المواطنين أيا كان نوعه.
إذا ما جاء تشكيلها تعبيرا عن حركة المجتمع بمفكريه ومثقفيه والقوى الفاعلة فيه لا بالصيغ المعتادة التى لا تتجاوز كل ما هو تقليدى ومتكرر فى تشكيل اللجان التى يخفت ذكرها بعد إعلانها، فإنها سوف تكون نقلة كبرى فى ملف المواطنة والتمييز.
قضية المواطنة يقاس عليها سلامة المجتمع ومدى قدرته على التماسك الوطنى والتطلع إلى مستقبله بثقة.
دولة المواطنة هى نفسها دولة القانون.
عدم إنفاذ القانون يكاد يسمم المجال العام حتى بدت فكرة «يناير» فى الدمج السياسى الطبيعى لا المصطنع للأقباط أحلام راحت وأمنيات تراجعت.
«حرية الاعتقاد مطلقة».. و«حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية حق ينظمه القانون».
هذا نص دستورى آخر يؤكد قيم المواطنة لكنه يقصر بمفرده عن تلخيصها، أو الإلمام بجوانبها الأكثر أهمية.
القضية الحقيقية فى البيئة العامة التى تتعرض للتسميم بالفتن المتكررة حتى نالت من رأس الكنيسة الوطنية المصرية البابا «تواضروس الثانى» ومؤسسات الدولة كلها.
بأى نظر حديث فإن البابا لا يتحمل مسئولية ما يجرى خارج الكنيسة من حوادث ومآسٍ، ولا يصح تحميله مهاما سياسية تتجاوز طبيعته الروحية.
عندما تقصر الدولة عن دمج الأقباط كمواطنين أو إنفاذ القانون فى أية فتنة تنشأ فإن اللجوء إلى الكنيسة أمر محتم، وهذا تطور سلبى يقوض ما حلمت به «يناير» ذات يوم.