معضلات مستعصية: قضايا الحوكمة الداخلية فى المنظمات الحقوقية المصرية - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 1:35 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

معضلات مستعصية: قضايا الحوكمة الداخلية فى المنظمات الحقوقية المصرية

نشر فى : الأحد 5 نوفمبر 2017 - 8:50 م | آخر تحديث : الأحد 5 نوفمبر 2017 - 8:50 م
نشرت مبادرة الإصلاح العربى ورقة بحثية للكاتبة «يارا شاهين» – الباحثة بالعلوم السياسية ــ تتناول استكشاف الحالة الراهنة للحوكمة الداخلية فى المنظمات الحقوقية غير الحكومية المصرية وذلك بالنظر فى هياكلها الداخلية، وكما هو متوقع فقد أدت البيئة القمعية لعمل المجتمع المدنى فى مصر إلى عرقلة تطوير آليات راسخة للحوكمة الداخلية فى العديد من المنظمات.
بداية ذكرت الكاتبة أن الحوكمة الداخلية للمنظمات غير الحكومية تعد عاملا أساسيا لقياس كفاءتها على الصعيد الداخلى وفاعليتها فى الخارج ومصداقيتها فى أعين الجمهور العام على السواء، ومع ذلك فقد يصعب تقييم وضع الحوكمة الداخلية للمنظمات بدون مراعاة السياق القانونى والسياسى شديد القمعية المحيط بها وبعملها. إن الاتهامات السياسية والتهديدات الأمنية تؤثر فى مستويات الشفافية والإفصاح التى يمكن للمنظمات تحملها، وذلك بالنظر لالتزامها الأدبى والأخلاقى بحماية عامليها وجمهورها من احتمالات الاعتقال وغيره من أشكال التضييق القانونى والخارج عن نطاق القانون.
كما أن وجود قانون قمعى للجمعيات يثنى دعاة حقوق الإنسان عن التطوع كأعضاء بمجالس إدارة تلك المنظمات وإلا وقعوا تحت طائلة القانون، ثم إنه يعقد العلاقة مع المانحين ويعرقل التطور نحو الشراكة المتبادلة. وتعمل البيئة القانونية والسياسية القمعية، قبل أى شيء آخر، على تعويق جهود التواصل والتوسع والاشتباك مع أعداد أكبر من أصحاب المصلحة.
ومع هذا كله فإن البيئة القانونية والسياسية ليست العنصر الوحيد المؤثر فى الحوكمة الداخلية للمنظمات غير الحكومية، حيث إن ملامح الحركة الحقوقية ونشأتها وأساليب تطورها أثرت بدورها فى الحوكمة الداخلية لمنظماتها ضمن الحركة الأعرض. ويمكن تقسيم هذه المراحل التطورية على النحو التالى:
نشأة الحركة وتطورها (1985ــ2005)
فى تلك المرحلة واجهت المنظمات عدة تحديات، أولها انقسام المنظمة المصرية لحقوق الإنسان فى 1993 والثانى هو القانون القمعى رقم 159 لسنة 1999 الذى استبدل به لاحقا القانون 84 لسنة 2002. فى تلك المرحلة التأسيسية واجه الجيل الأول من المنظمات أسئلة عديدة ظلت تلاحق المنظمات فيما بعد، وعلى رأسها السؤال عما إذا كان من الأفضل إنشاء منظمات قائمة على العضوية أم تبنى الهيكل المغلق المكون من خبراء. وقد عمل تسلل البعض (أو الخوف من تسلل المزيد) من غير المؤيدين لحقوق الإنسان إلى عضوية المنظمات على دفع منظمات تأسست لاحقا إلى اختيار نموذج المنظمة المغلقة لتجنب هذا النوع من الاختراق. وبدلا من تعيين مجالس حاكمة، تبنت المنظمات فى تلك المرحلة نماذج مشوهة تعتمد على جمعيات عامة مكونة من العاملين وليس من أعضاء خارجين، كحل بديل لمسألة الحوكمة الداخلية. والملمح الثانى لهذه المرحلة هو قرار الحصول على التمويل من الخارج، بعد أن اتجهت النوايا فى البداية إلى الاعتماد الكلى على التبرعات المحلية والتمويل الذاتى. شهدت تلك المرحلة أيضا نموذجا هاما لتنسيق التحركات بين منظمات مختلفة، التنسيق الذى نجح فى إلغاء قانون الجمعيات لسنة 1999.
الجيل الثانى من المنظمات (2005ــ2010)
فى تلك المرحلة تأسست منظمات جديدة على يد جيل شباب من المدافعين الحقوقيين، ورغم أن البيئة القانونية والسياسية فى تلك المرحلة اتسمت بقمع أقل نسبيا إلا أن أسئلة الحوكمة الداخلية لم تجد حلا شافيا. لقد تعلمت المنظمات المؤسسة فى تلك المرحلة من سابقاتها، وجاء على رأس الدروس أنه من المهم زيادة مشاركة العاملين فى عملية اتخاذ القرار، وضبط السلطات الممنوحة للمؤسسين والرؤساء بدون ضوابط فى أكثر الأحيان. وهكذا ظهر انشغال أكبر بعملية اتخاذ القرار، ومشاركة العاملين فيها وفى تصميم البرامج.
ومن حيث نطاق العمل، اتسمت المنظمات فى تلك المرحلة بمهنية أكبر، ومزيد من التخصص فى نوع معين من الحقوق مثل الحقوق الأكاديمية والحقوق الشخصية، وحرية التعبير، وحقوق المرأة... إلخ. وفيما يتعلق بالتمويل الأجنبى تمكن هذا الجيل الجديد من المنظمات من بناء شراكات أقوى مع المانحين والهيئات الممولة، على أسس أكثر ندية، وتغلب على وصمة التمويل الأجنبى كواحدة من أكبر المعضلات التى واجهت الرعيل الأول من المنظمات.
مرحلة التوسع (2011ــ2013)
فى المرحلتين السابقتين تمكنت المنظمات من بناء علاقات متزايدة من القوة مع دوائر المستهدفين بالدفاع عن حقوقهم والمعنيين بقضايا حقوق الإنسان، إلا أن مسألة المحاسبة لم تلق معالجة مرضية. كانت المنظمات تسعى إلى توسيع دوائر التواصل وحيز أنشطتها، بما فى ذلك جغرافيا، واستفادت فى هذا من ثورة 25 يناير التى فتحت المجال العام على نحو درامى حيث تزايد حشد المواطنين واهتمامهم السياسى. وبدأت المنظمات فى تلك المرحلة فى توسع سريع يشمل نطاق العمل وامتداده الجغرافى على السواء. وظهرت مكاتب فى محافظات مختلفة، وتضاعفت أعداد العاملين عدة مرات وتزايدت جهود التواصل والاشتباك مع الجماهير، وتأسست منظمات جديدة. وخلال هذه المرحلة من التوسع المتسارع، وما صاحبها من تطورات سياسية متلاحقة، عادت تطل برأسها فى النقاش الدائر بين المنظمات أسئلة مجالس الحوكمة والشرعية والمساءلة أمام الجمهور الأوسع. وبدأت بعض المنظمات تنظر فى تفعيل مجالس إدارتها وتعزيز دورها، وقرر البعض الآخر معاودة النظر فى نموذج «المنظمات القائمة على العضوية» إلا أن الحملة القمعية على المنظمات التى بدأت فى منتصف 2013 مع التحولات السياسية الدرامية فى مصر وسقوط حكومة الإخوان المسلمين عرقلت التطورات الممكنة فى مجال الحوكمة الداخلية، التى كانت المنظمات مضطرة للتصدى لها فى مرحلة التوسع والنمو.
مرحلة التقييد والحملة القمعية (2013ــ2017)
فى تلك الفترة واجهت المنظمات الحقوقية واحدة من أقسى الحملات القمعية التى تصاعدت تدرجيا، ولم تقتصر على تهديد وجود المنظمات ذاتها بل امتدت لتمس عددا من أبرز المدافعين الحقوقيين الذين جُمدت أصولهم المالية وممتلكاتهم أو مُنعوا من السفر خارج البلاد أو اضطروا للبقاء فى منفى اختيارى، واضطرت العديد من المنظمات إلى تقليص برامجها والاستغناء عن بعض العاملين، أو نقل أنشطة للخارج. وأفاد عاملون من هذه المنظمات أنهم اشتركوا بفاعلية فى عملية اتخاذ القرار المتعلق بمستقبل المنظمات وأثره على حرياتهم وحياتهم. ورغم أن المتوقع من أزمة كهذه هو تكثيف المنظمات لعملها الجماعى، وربما توحيد المواقف حيال التضييقات الحكومية، بحيث تتمكن من مقاومة حملة الدولة القمعية، إلا أن ردود أفعال المنظمات تباينت، ففضل بعضها اتباع مسار المناصرة الدولية، وفضل آخرون الاعتراض الداخلى على الحملة القمعية، وقررت مجموعة ثالثة أن تخضع للتسجيل بموجب القانون 84 لسنة 2002، أو تفعيل التسجيل القائم فعلا فى بعض الحالات. وتبنت بعض المنظمات مزيجا من كل هذه الاستراتيجيات، لكن تنوع الحركات أضعف أثرها الجمعى ووقعها على الدولة.
***
تضيف الكاتبة أنه وطوال تلك المراحل الأربع المختلفة، ظلت المنظمات الحقوقية تواجه معضلات مستعصية كان لها أثر مباشر فى الحوكمة الداخلية، وهذه المعضلات هى:
ــ إيجاد التوازن بين التحول المهنى والبيروقراطية، وكيفية تفعيل اللوائح الداخلية، وإقرار التراتبيات والهياكل، وتعزيز آليات تعيين العاملين وتطوير مهامهم، فى إطار من المرونة التى تفسح المجال لإبداع النشطاء والمدافعين الحقوقيين. بيد أن الاعتماد الكامل على التمويل الأجنبى الذى صار مورد الدخل الرئيسى لمنظمات عدة، كان يستلزم التحول المهنى استجابة لاحتياجات المانحين لضمان الشفافية والمساءلة الداخلية وتقديم التقارير الدورية.
ــ أوجد التمويل الأجنبى، حتى وإن كان بغير شروط، تدابير تلقائية للمساءلة أمام المانحين. ومازالت كيفية التصدى لهذه المساءلة مع الاحتفاظ بالاستقلالية تشكل تحديا. وعلاوة على هذا فإن بعض المنظمات الحقوقية والمدافعين الحقوقيين، عند تلقى التمويل الأجنبى، ظلوا عاجزين عن التغلب على الوصمة المرتبطة به، وعجزوا عن إثبات استقلالهم علنا، بدلا من الاعتراف بأن هذا التمويل «شر لابد منه». وفى واقع الأمر فإن التمويل المحلى قد لا يكون حلا وهو على الأقل لا يخلو من المشاكل. فمثل هذا التمويل سيأتى فى أغلب الأحوال من قطاع الأعمال المحلى ومن ثم فالأرجح أن يرتبط بأجندات سياسية أو اجتماعية تتعارض مع القضايا التى تناصرها المنظمات الحقوقية، مثل الحقوق البيئية لمجتمع محلى ما يعانى من التلوث الصناعى، أو حق السكن لمجتمع محلى يواجه رغبات ومشاريع مطورى المناطق الجذابة عمرانيا من أجل المشاريع التجارية أو الإسكان باهظ الثمن وهو أمر يورط شركات الأعمال هذه عادة فى عمليات إخلاء جبرى يحتاجون فيها إلى دعم وقوة الأجهزة الحكومية.
ــ يتعين على المانحين العمل مع المنظمات فى صورة شراكة وبناء القدرات والدعم اللازمين لتطوير هياكل حوكمة ناجعة لهذه المنظمات، دون خوف من تهمة التدخل الخارجى فى استراتيجيات المنظمات أو أجنداتها. وتسعى عدة منظمات لبناء علاقات شراكة وتعاون مع المانحين تقوم على الثقة المتبادلة، وهو ما يجب أن يدفع المانحين للتصرف كشركاء وتقديم الأدوات والآليات اللازمة لنمو المنظمات استراتيجيا، وتشكيل مجالس الإدارة وإيجاد بيئة إدارية صحية داخل هذه المنظمات، ومع ذلك يظل إيجاد توازن بين الإجراءات والاقتراحات التى يمكن وصفها بالداعمة وتلك التى قد يشكو منها البعض بصفتها تدخلا، مسألة دقيقة وحرجة.
***
ختاما تذكر الكاتبة أن بناء الدعم الجماهيرى وتوسعة نطاقات التواصل الشعبية سيظل معضلة حقيقية تواجه عمل المنظمات الحقوقية وهو الأمر الذى يجعلها أيضا تفتقر إلى قنوات محلية حقيقية للمساءلة. وهذه المعضلة؛ معضلة إشراك الجماهير فى عملية صياغة الاستراتيجيات والسياسات، ووضع الأجندات وتحديد الأولويات، بدلا من الدخول فى علاقة بين «محسنين» و«متلقين للإحسان»، أكثر المعضلات استعصاء على الحل. وتواجه المنظمات أيضا تحدى تحقيق التوازن بين تمكين ودعم المبادرات الحقوقية وشبكات النشطاء الوليدة، وفى نفس الوقت تركها تنمو بصورة طبيعية فى سياقاتها المحلية وبحسب احتياجات مجتمعاتها التى تعمل فيها. ورغم تمكن عدة منظمات من حشد شبكات من المتطوعين فى عدة مواقع خارج القاهرة، وخاصة بعد ثورة 25 يناير، فإن ضمان إيمان هؤلاء المتطوعين الصادق بحقوق الأنسان وقيمها واحترامهم لها يظل مهمة شاقة، ولكن لابد منها إذا أرادت المنظمات حقا، فى مستقبل ما، أن تقف موقف المساءلة أمام هؤلاء المتطوعين أو الأعضاء وبالتالى أمام المجتمعات المحلية التى تسعى لتمثيلها والدفاع عنها.
التعليقات