الكورس الشعبى - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 12:00 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

الكورس الشعبى

نشر فى : السبت 5 نوفمبر 2016 - 9:30 م | آخر تحديث : السبت 5 نوفمبر 2016 - 9:30 م
شىء ما فى هذه اللوحات المعروضة حاليا لأعضاء جماعة الفن المصرى المعاصر، فى جاليرى المسار بالزمالك وحتى 22 نوفمبر المقبل، يجعلك تشعر أنها مصرية، حتى لو كانت تتناول مناظر طبيعية للحقول أو النساء النائمات والأحصنة. أغلبها ينتمى لنهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، وهى الفترة التى نشطت فيها الجماعة الفنية التى تشكلت فى العام 1946، أى بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت بمثابة الوريث الشرعى لحركة أخرى أحدثت دويا هائلا وهى «الفن والحرية» التى ضمت فنانين سورياليين أمثال رمسيس يونان وكامل التلمسانى وجورج حنين. أراد فنانو جماعة الفن المصرى المعاصر، ومنهم حسين يوسف أمين وعبدالهادى الجزار وحامد ندا وسالم الحبشى ومحمود خليل وسمير رافع، أن يكونوا امتدادا للسوريالين فيما يتعلق بنقد المجتمع والأفكار السائدة لكن مع تمصير اللوحة. التطلعات الثورية والأفكار الكبرى والسخط والتمرد كانوا موجودين لديهم، لكن امتزجوا برموز السحر والحسد والشعوذة ووجوه وحكايات الحارة، إذ تنامى الاهتمام بالفلكلور فى عالم ما بعد الحرب وتزايد استخدام الموتيفات المستلهمة من المعتقدات الشعبية والدينية.

***

بعد عودة حسين يوسف أمين عام 1931 من جولة فى أوروبا وأمريكا الجنوبية استمرت أقل قليلا من عشر سنوات، اشتغل هذا الأخير معلما للفنون فى مدرستى الفاروق الثانوية بالعباسية والحلمية الثانوية بالحلمية الجديدة، وتعرف على تلاميذه الموهوبين وكون مع بعضهم فيما بعد جماعة الفن المعاصر، وساعدهم على تكسير القوالب، مرددا: «لا فن بلا علم، ولا علم بلا مدرسة، ولا مدرسة بلا تربية صحيحة ومنزل مناسب».

وكان يصطحبهم إلى منزله فى المنصورية ليرسموا على الجدران ويلونوا مدخل الجراج بالطباشير. رسموا الجياد والحقول والفتيات العاريات بعد أن أضفوا عليهن الطابع الشعبى وأحاطت بهن عناصر رمزية. تلك هى الموضوعات نفسها التى نراها فى اللوحات المعروضة حاليا بجاليرى المسار، ومن خلالها نعيد اكتشاف أسماء لم تحظ بشهرة عبدالهادى الجزار وحامد ندا، نتعرف أكثر مثلا على أعمال محمود خليل الذى مات فى سن مبكرة وعمره لا يتجاوز خمسة وعشرين عاما. الحقول التى رسمها بالقلم على الورق تختلف عن غيرها، هى خليط من الفن التلقائى وتأثيرات المدارس الأوروبية المنتشرة وقتها، مثلما نلاحظ عادة فى لوحات الجزار وندا لكن بشكل مختلف أكثر ارتباطا بالحارة والخرافات. النساء اللائى يشبهن الحوريات، لدى محمود خليل، عالقات فى الجو أو طائرات بين الحقول كما الكائنات الخرافية، والغيطان على امتداد الشوف، لا شىء يعيق البصر، فكما يقول الفنان حامد سعيد، الذى كان مقربا من جماعة الفن المعاصر، لا يمكن فهم الفن المصرى بعيدا عن التدين وعن الزراعة وحياة الريف. وهو بالطبع ما ينطبق على لوحات أعضاء جماعة الفن المعاصر حيث الاتجاهات التشكيلية الغربية والبعد المصرى العميق.

كان حامد ندا مثلا يحب الجلوس على مقهى «المجاذيب» خلف مسجد السيدة زينب، ويصطحب صديقيه عبدالهادى الجزار ويوسف كامل. نجد وجوه المقهى فى أبطال رسوماتهم وحالة الشعب المغيب فى كسله وعزلته، يتصرف كالمجاذيب، ربما هربا من ظروف سياسية وحياتية ضاغطة. الخوف والغرائز والولع وحب الحياة والتدين والشعوذة، جميعها عناصر موجودة بشدة فى لوحات أعضاء جماعة الفن المعاصر، حتى تلك التى لا يتسع المجال بالطبع لعرضها فى الجاليرى.

***

حامد ندا كان يحب أن يذكرنا من وقت لآخر بحواديت جدته أو مربيته عن الديك النرجسى والدجاجات الخمس.. ديك شهرزاد الصياح الذى نراه كثيرا فى لوحاته، جنبا إلى جنب مع الكرسى والقط الأسود. شخوص وأشياء تغير من طبيعتها كما فى الحواديت، فقد يتحول الجماد إلى بشر أو الزرع إلى حيوان، بفضل جموح الخيال. ويظل كف فاطمة أو الخمسة وخميسة التى تحمى من الحسد وشخصية الساحر أو الدجال، فى لوحات الجزار، تحمل روح التدين الشعبى والهرب من الأزمات بدلا من مواجهتها. كان الجزار يتناولها فى أشعاره التى يغنيها بنفسه على العود، ويتناولها أيضا فى لوحاته التى ساقته يوما إلى السجن سنة 1949، هو ومؤسس الجماعة حسين يوسف أمين.

اشترك الجزار فى معرض الجماعة الثانى بلوحة الجوع أو الكورس الشعبى الشهيرة، وهى تصور 8 أشخاص يرتدين ملابس النساء وطفل صغير، وقد وقفوا إلى جوار الحائط وأمامهم صحون فارغة، ثم كتب تحتها: «رعاياك يا مولاى»، ما تسبب فى مصادرة اللوحة وإغلاق المعرض ووضعه وأستاذه فى السجن، ولم يخرجا سوى بوساطات من الفنان محمود سعيد الذى كان يرتبط بصلة قرابة أو مصاهرة مع الأسرة الملكية. (عرضت اللوحة أخيرا فى قصر الفنون ضمن فاعلية عن السورياليين المصريين).

لا تزال أطباق الفقراء، من كل حدب وصوب، فارغة، يقفون طوابير إلى جوار الحائط، بل ازدادت الطوابير لتنامى عدد ضحايا السياسات الاقتصادية وعدد السكان، لكن لم يعد هناك من يعبر عنهم بعمق وبراعة مثلما فعل أعضاء جماعة الفن المصرى المعاصر. كان اسم الجماعة ينطبق على أعضائها بصدق وبموهبة، دون رغبة فى ركوب موجة أو ادعاء، وهو ما نفتقده كثيرا.
التعليقات