جلال أمين - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 4:10 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


جلال أمين

نشر فى : الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:20 م | آخر تحديث : الجمعة 5 أكتوبر 2018 - 10:20 م

تعرفت على د.جلال أمين فى بداية التسعينيات فى منتدى حوار الثقافات التابع للهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية وعرفت أنه أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وقبلًا كان أستاذًا بجامعة عين شمس. كان د. جلال أمين من أهم الشخصيات التى كتبت أسماءها لانطلاق المنتدى رغم أنه كان تخصصه الاقتصاد، لكنه كان كاتبًا متميزًا ومتفردًا فى أسلوب الحكى فهو من الذين يطلق عليهم «الحكاءون» الذين عندما يبدأون فى الحديث لا نريد أن نوقفهم لأنهم يسيطرون على الحضور بالحديث الشيق والسخرية ويعرفون متى يكونون جادين ومتى يهزرون... إلخ، فضلا عن ثقافتهم الملحوظة فى كل مجالات المعرفة وكان من هؤلاء نجيب محفوظ ويوسف إدريس وأنيس منصور وغيرهم. ولقد كان جلال أمين هو آخر ذلك الجيل المثقف والقادر على التعبير عن نفسه والاحتفاظ بمستمعيه منجذبين إليه ومركزين معه، ومنذ أن تعرفت عليه كنا نلتقى من وقت لآخر فى ندوات عامة أو مناسبات سوف أحكى لكم عنها لكن علينا أولًا أن نعرف أنه ولد عام 1935 من عائلة مثقفة، فوالده الكاتب الكبير أحمد أمين وأخوه السفير حسين أحمد أمين الكاتب المميز. حصل جلال على المركز الأول فى الثانوية العامة (التوجيهية) فى المملكة المصرية عام 1951 بنتيجة 83 فى المائة، حيث كان التعليم المصرى فى ذلك الوقت بالمقاييس العالمية وحصل على جائزة قدرها 50 جنيها وكانت مبلغًا ضخمًا جدًا فى تلك الأيام.

***

كانت لديه قصة عن أمه يحكيها دائما بطريقة كوميدية لكن لها معنى ضخم فى الحياة، يقول إنه كان الابن الثامن لأسرة أنجبت سبعة أبناء ورأى الأب أن هذا الابن القادم لا لزوم له فقرر أن يأخذ زوجته إلى طبيب لإجهاضها كانت الأم تريد أن تنجب أكثر عدد من الأولاد لتحتفظ بزوجها، أخذها الزوج وركب ترام مصر الجديدة حيث كانوا يسكنون فى ذلك الوقت.
ركب الأب العربة العادية وظن أن زوجته ذهبت لتركب عربة النساء ولكن هى تركته فى المترو وعادت للبيت، فعاد غاضبًا وأصر أن يأخذها للطبيب وكان إيطاليًا، وبينما يقوم الطبيب بالكشف عليها تمهيدا لأن يخلصها من الجنين دفعته بقدميها ويديها وقفزت إلى الأرض وركضت خارجة فأخذ الطبيب يصرخ فى وجه والده بطريقة هيستيرية، حيث لم يكن متوقعا ذلك، وهكذا جاء جلال إلى الدنيا أخا لسبعة إخوة وأخوات وابن لأديب عظيم وأم مصرية قوية الشكيمة تعرف كيف تقول كلمتها ومتى. كتب جلال عدة كتب من أهمها: ماذا علمتنى الحياة؟، وشخصيات لها تاريخ، وماذا حدث للثورة؟، وماذا حدث للمصريين؟، والأخير يرصد فيه التغيير الاجتماعى والثقافى لمصر من عام 1945 – 1975.
من الأمور الغريبة التى قصها علىَّ أنه كان عضوا فى حزب البعث قبل أن يدخله صدام حسين، فالذى أسس حزب البعث كان ميشيل عفلق، سورى الجنسية، التقى به فى مصر ويقول عنه إنه كان شخصية عظيمة متميزة وكانت له أفكاره عن القومية العربية فهو الذى نحت هذا التعبير لكى يضم فى هذه القومية جميع الجنسيات العرب والأكراد والمصريين والسوريين والعراقيين واليزيديين والنوبيين وجميع الاعراق والأديان تحت مصطلح «القومية»، وقد كانت بديلا موضوعيا رائعا للقبلية والتيار السلفى والإخوانى من ناحية وللعلمانية الغربية من الناحية الأخرى، وتحت هذا المسمى وقعت ثورة الجزائر ومصر والسودان والعراق وسوريا... إلخ، لكن بالطبع الذين حكموا هذه البلاد باسم القومية دخلوا فى حروب مع بعضهم البعض، وأرادوا الزعامة لكل فرد منهم على حساب الآخر مما دعا إلى الصحوة الإسلامية كبديل للحكام العسكريين الديكتاتوريين الذين دمروا البلاد والعباد ومازالت منطقتنا تبحث عن مخرج للنهوض والتحرر والتقدم والديمقراطية والحرية الحقيقية.
التقيت به مؤخرًا، ومؤخرًا هذه لا تعنى هذا العام أو ما قبله لكن ربما آخر لقاءاتنا كان منذ أكثر من عشر سنوات التقيته فى دعوة من دار الشروق التى طبعت للسفير نبيل العربى وزير الخارجية الأسبق والأمين الأسبق لجامعة الدول العربية كتابه «صراع الدبلوماسية من مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية (طابا – كامب ديفيد – الجدار العازل)».
وكان على جلال أمين أن يقدم نبيل العربى وأن يوجه له الأسئلة ويقود الجلسة المهندس إبراهيم المعلم، وقد أبدع جلال فى التقديم حيث كان هو ونبيل العربى أصدقاء منذ الطفولة فى منطقة مصر الجديدة، وفى المدرسة الثانوية يقول كان نبيل العربى يعشق المناصب، بينما جلال يهرب منها إلى الثقافة والكتابة، وكان جلال دائم الشغب معه. وكيف أن والدة (نبيل العربى) كانت مصرّة أن يتعلم الموسيقى لكن مدرس الموسيقى قال لوالدته «إن نبيل لا توجد لديه أذن موسيقية بالمرة» ما صدم والدته، وذكَّره بالمجلة الطلابية التى أسساها معا وأطلقا عليها «عصفور النيلى وصدرت منها ثلاثة أعداد ثم أفلست، والحقيقة أنه كان فى ذلك اللقاء العديد من ذلك الجيل الذى كان فى شبابه يطالب باستقلال مصر من الإنجليز، وكان جلال أمين يكتب افتتاحية المجلة ويطالب فى كل مرة بخروج الإنجليز من مصر، لقد كان ذلك الشباب (فترة الأربعينيات والخمسينيات) مهموما بقضايا مصر.

***

وأنقل لكم من مقدمة كتاب نبيل العربى حادثين: أنه عند إلغاء معاهدة 1936 قامت حملة لمقاومة الاستعمار البريطانى فتطوع نبيل العربى للانضمام إلى مراكز التدريب على حمل السلاح وفوجئ بأن العميد يطلبه قائلا له أنت ابن ستة عشر عاما ما الذى يمكن أن تفعله؟، وقد حاول نبيل أن يشرح موقفه للعميد فرفض وبعد ذلك علم أن والدته تكلمت تليفونيا مع العميد وهى تبكى طالبة منه أن يمنع نبيل من التطوع لأنه ابنها الوحيد ما جعل العميد يرفض كل محاولات شرح نبيل لموقفه قائلا له الموضوع انتهى. أردت أن أقص حكاية نبيل العربى بجوار جلال أمين لكى أعطى نموذجا لشباب اليوم وكيف كان شباب الأربعينيات والخمسينيات يفكرون ويتصرفون.
أما القصة الأخرى فهى أننى كنت فى زيارة إلى معرض الكتاب الدولى مع صديق مصرى يعيش فى ألمانيا منذ عام 1967 وقد عاد مؤخرا ليخدم بلده دون إقامة دائمة بمصر وبينما نحن نتجول رأينا فى أحد السرادقات ندوة بها جلال أمين وبجواره الصحفى المميز صلاح عيسى فقررنا أن ندخل الخيمة وكان الحديث عن قدرات مصر الاقتصادية وعند دخولنا لمحنا د. جلال فرحب بى هو وصلاح عيسى، وفوجئت بجلال يقول: «مادام د. إكرام وصل لازم يقول لنا رأيه فى هذا الأمر»، ولخص لى ما قاله عن الاقتصاد المصرى وكيف ضاع الغطاء الذهبى بسبب الحروب والانهيار الاقتصادى الذى حدث منذ حرب اليمن وحروب 1956 و1967 و 1973.... إلخ، وقروض البنك الدولى وفشل الإصلاح الاقتصادى الذى حاول أنور السادات القيام به فقامت مظاهرات 1977... إلخ كل هذا والاقتصاد لم ينهر نهائيا فمازال فى مصر رجاء، وكان السؤال لماذا لم تفلس مصر رغم كل هذه الكوارث، ويومها تحدثت عن الاقتصاد الموازى فى مصر والذى ينقذها دائما وهى الورش التى تحت السلم التى لا تدفع ضرائب ولا كهرباء ولا مياه، وكذلك المرأة الريفية المصرية التى تصنع السمنة والجبن وتحمل بضاعتها للأسواق وهن أعداد كبيرة على مستوى الجمهورية وأيضا الذين يبيعون الخضراوات والفاكهة على عربات خشبية أو فى أقفاص يحملونها على أكتافهم، والميكانيكية من بيوتهم وهؤلاء جميعا يساهمون فى اقتصاد البلاد والدولة لا تعرف عنهم شيئا لأن ليس لديهم سجلات تجارية ولا أماكن إقامة وأيضا مشاريع القروض الصغيرة التى تقدمها دور العبادة المسيحية والإسلامية وأصحاب الخير من الأثرياء وأن الاقتصاد الموازى لو أحصيناه لن يقل عن الاقتصاد العام للدولة إن لم يزد.
وأتذكر جيدا د. جلال وهو يشكرنى قائلا: «ألم أقل لكم إن إكرام سوف يضيف».. رحم الله أستاذنا ومثقفنا د. جلال أمين ورحم أسطى الصحافة جلال عيسى ولك الله يا مصر.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات