أنا والمحمول والفشار - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 9 ديسمبر 2019 2:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

أنا والمحمول والفشار

نشر فى : الأحد 5 أكتوبر 2014 - 8:40 ص | آخر تحديث : الأحد 5 أكتوبر 2014 - 8:40 ص

شاشة التليفون بين يدى أحد ركاب مترو الأنفاق تنير فى إشارة لصاحبها أن فتاة أحلامه تقف على بعد خطوات من مكانه الحالى.. دون أن ينطق كلمة واحدة، يظل يحملق فى وجوه النساء من حوله، ليكتشف من هى الفتاة التى يشير إليها التطبيق المحمل على هاتفه الذكى. النسبة المئوية التى تضىء على الشاشة تعلمه أنه ابتعد عنها أو اقترب، وهكذا تستمر رحلة البحث الصامتة لبطل الفيلم الهولندى القصير «97 %»، للمخرج بن براند، الذى عرض فى سينما «زاوية» بوسط القاهرة ضمن فاعليات مهرجان مانهاتن السنوى للأفلام القصيرة.

وهو مهرجان تفاعلى، يشارك الجمهور فى التصويت على العشرة أفلام المتسابقة، من خلال عرضها فى 300 مدينة حول العالم تقريبا فى آن واحد، والنتيجة ستعلن غدا الاثنين عبر الإنترنت. صيغة المهرجان مختلفة، وكذلك كانت طبيعة الأفلام والجمهور الذى امتلأت به القاعة.

•••

الحضور كان ربما يشبه كثيرا بطل الفيلم، ليس لأن الموجودين جميعا ضيعوا يوما حبا كانوا على بعد خطوات منه، ولم ينتبهوا إليه بسبب انشغالهم بشىء آخر، فلا أستطيع الجزم بذلك.. لكن لأن العديد منهم جاء وحيدا، فى صحبة هاتفه الجوال فقط، وأحيانا كيس من الفشار. نساء ورجال كسروا هيبة الذهاب للسينما دون رفيق، ركزوا على استمارة التصويت لاختيار الفائز، وفى وقت الاستراحة انصرفوا إلى هواتفهم النقالة لدرء وحدتهم. ألا يشبهون راكب المترو الذى بدأنا بسرد حكايته؟ ألا يسير العالم من حولنا إلى مزيد من العزلة الاختيارية أحيانا؟

قليل من الوحدة قد يفيد. فترة راحة يخلو فيها الفرد بنفسه ليستمتع برؤية فيلم، دون الحاجة لمشاورة أحد عند اختياره، وعندما تضىء الأنوار ينصرف إلى التليفون سواء للتمويه أو الهروب من نظرات الآخرين إذا كان وافدا على «مجتمع الوحدة». يرفع سماعة التليفون إلى أذنه فى لحظة، فيكسر العزلة ويبادر أحدهم بالحديث: «انت فين؟»، ثم يشرح له متطوعا أسباب انشغاله: «أنا فى السينما!»، فى إعلان صريح أنه يستمتع بوقته.

وعندما تنتهى الاستراحة ويستأنف العرض، لا تتوقف لعبة المحمول، إذ تتوالى أحيانا «الرنات» لأن البعض يرفض فكرة إغلاق التليفون والتخلى عنه ولو لفترة وجيزة.. يخاف ألا يصل إليه أحد، حتى لو لم يكن لديه أحد يسأل عنه.. بل أحيانا ينظر إلى جهازه الصامت للتأكد أنه من ما زال «مطلوبا» أو «مرغوبا» من الآخرين، وإلا لماذا لم يتلق رسائل أو مكالمات طوال مدة الفيلم؟ تلمع شاشات الموبايل فى الظلام، ربما لمتابعة الأحداث الجارية على تويتر وفيسبوك والمواقع الإخبارية، جنبا إلى جنب مع أحداث الفيلم.

•••

بعدها يأتى دور الفشار، فقد جاء المدد كالعادة خلال الاستراحة. ترتفع طرقعات الذرة بين الفكين. صمت القاعة يخيف، لذا يجب ملء الفراغ بمزيد من الأصوات. وكلما كان الفيلم حزينا أو مؤثرا ازداد استهلاك الفشار وتضاعفت سرعة المضغ، وهو ما تفيده بعض دراسات التسويق الغربية التى أشارت إلى أن نسبة مبيعات الفشار خلال مشاهدة الأفلام المؤثرة ترتفع نحو 36 % عن الأعمال الكوميدية، فهو جزء لا يتجزأ من اقتصادات السينما منذ ثلاثينيات القرن الفائت. وقد جاءت ثنائية «السينما والفشار» لتواكب تطورا إبداعيا وآخر اقتصاديا، إذ انتشر أكله بدور العرض بعد دخول الصوت إلى عالم سينما عام 1927، وفى ظل الأزمة الاقتصادية لسنة 1929، فأصبح من الشائع بين المشاهدين التهام حبات الذرة رخيصة الثمن خلال متابعة شريط الصوت، ما لم يكن واردا فى عصر السينما الصامتة.

أما فى هذه الأيام، لكيس الفشار المقرمش دور لا يقل أهمية عن التليفون المحمول، فهو يدعم المشاهد الوحيد فى وحدته، ويجد هذا الأخير ما يداعب يده بدلا من حبيبة غائبة. نمط المشاهدة تغير، وطرأت بعض التغيرات على طقوس السينما وروادها، ما سيمتد تدريجيا إلى مناحى أخرى فى الحياة.. سنجد أكثر فأكثر من حولنا من يعلن وحدته ويعتز بها، وأحيانا يعانى منها، وهو يبحث عن روح المدينة وشركاء له فيها، تماما مثل بطل آخر من أبطال أفلام مهرجان مانهاتن، شريط قصير بعنوان (Rhino Full Throttle)، للألمانى إريك شميت، نكتشف معه مجددا مدى تشابه أهل المدن ومواطنى الإنترنت.

التعليقات