آخر شجرة في الغابة - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 23 أكتوبر 2020 1:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

آخر شجرة في الغابة

نشر فى : السبت 5 سبتمبر 2020 - 8:15 م | آخر تحديث : السبت 5 سبتمبر 2020 - 8:15 م

ببساطة لم يعد يكترث. مات من مات من الإخوة والأصدقاء وصار العالم يتقلص من حوله. يضحك ساخرا من الدفتر القديم الذي سجل فيه أرقام التليفونات عندما يكتشف أن كل من دون أسماءهم على هذه الصفحة أو تلك قد ماتوا قبل مدة، وحين ينظر إلى الصور القديمة يلاحظ تلقائيا من الذي ظل على قيد الحياة. يَقلِبُ الموقف فورا إلى فكاهة وعبث، ثم ينطلق حديث الذكريات لساعة أو ساعتين. إنه حب المرء لنفسه.
مع امتداد سنوات العمر، نعتاد الموت والإحساس بالفقد أو قد لا نعتاده أبداً، لكنه موجود ويلازمنا. أشباح تختفي، ويصبح الشخص مثل الشجرة الأخيرة في غابة فسيحة ذهبت كل أشجارها. يقف هو وحيدا ويتشبث بكل المألوف من حوله. لا يحب أن يترك داره أو الحي الذي عاش فيه وعرف سكانه وشوارعه. يذهب إلى "السوبر ماركت" نفسه حيث يبتاع احتياجات البيت. لا يحب التغيير حتى لو تعلق الأمر بسوق للمشتريات أو متجر للأسماك. البائعون يعرفونه، يشعرونه أنه موجود، يسألون عنه وعن صحته إذا تغيب، بحكم العشرة. الحدث المفاجئ أو غير المألوف يصير مزعجاً لأن معناه أن الوقت يمر ويداهمنا.
***
يحرص على قراءة صفحة الوفيات ويراقب، فلابد أن يقوم بواجب العزاء، لأن الموت من أهم لحظات الحياة، ربما أهم من الميلاد، هو الخاتمة.. والواجب هنا يحتم التكريم عند نهاية المطاف. يحمد الله ألف مرة ومرة حين يرى البقية الباقية من المعارف في سرادق العزاء. ينظر إلى صديق فيجد أنه لم يبق مما عرفه منه إلا القليل، كما لو صار شخصاً آخر. يردد في سره "الحياة بنت الموت"، حتى لو رفض الفكرة، فالطريقة التي يتعامل بها كل منا مع فكرة موته تختلف، ونحن نهرم بالطريقة نفسها التي عشنا بها... البعض يخاف، والبعض يهرب، والبعض ينتظر. وهناك من ينجح في ترويض الفكرة حتى لا تفسد ما تبقى من الحياة. هناك من يتعايش أكثر من غيره مع مبدأ هشاشة الوجود، فينزعج بدرجة أقل. في حين لا تسمح نرجسية آخرين بالتسليم بالأمر الواقع، ويظلوا عالقين في مساحة عدم الاعتراف وربما الإنكار.
عندما تهب عاصفة الموت على أحد الأحباب تترك علامات وندوب لا تزول بسهولة، لكنها تلتئم مع الزمن، تقل آثارها أحيانا. كل ندبة تحكي قصة، وتروي عمق مشاعر حلوة. وكلما كثرت الندوب وكانت أكثر عمقا كان معنى ذلك أننا أحببنا من ذهبوا حباً جماً وعشنا ملياً. موجات متقطعة من الشجن والحنين تتملكنا من وقت لآخر. نتذكر ونطفو ونستمر في الحياة. إنه حب المرء لنفسه. نلوذ بأنانيتنا لنحتمي من أنفسنا ومن الموت.
***
يعرف صاحبنا أن من فارق ورحل بعيدا ذهب بجسده فقط، أما النوادر والذكريات والحكايات لا تغادرنا. يظل يسأل عن صديقه الذي لا يرد على هاتفه منذ عدة سنوات، لم يستدل على عنوانه، فقط احتفظ بهذا الرقم الذي أعطاه إياه في آخر مقابلة لهما. يستبعد تماما فكرة أن يكون قد مات دون أن يبلغه بالأمر، دون أن يعلم. لا يجوز، فقد كان دوما الأقرب إلى قلبه حتى لو فرقتهما الأيام. يبتسم في كل مرة تأتي سيرته وينخرط في حديث الذكريات. طوفان من الحكايات والطرف التي لا تنتهي والتي تنفي عن الصديق شبهة الموت.

التعليقات