المذاق التايلاندي - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 1:32 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


المذاق التايلاندي

نشر فى : الخميس 5 سبتمبر 2019 - 8:55 م | آخر تحديث : الخميس 5 سبتمبر 2019 - 8:55 م

أتاح القصر الملكي في تايلاند قبل أيام مجموعة من الصور بعضها يخص رفيقة الملك وهي كابتن طيار برتبة لواء، وكان الملك قد تزوج من شهور قليلة للمرة الرابعة. في هذه الصور يُعرَّف ملك تايلاند شعبه على "رفيقته" الجديدة، كما تظهر في البعض منها زوجته الرابعة وهي تزحف إليه على الأرض زحفا قبل أن تجلس إلى جانبه على العرش، فشخص الملك مقدس، وهذا جزء من الخصوصية التايلاندية.
***
أراهن إن سألنا عشرة أشخاص زاروا تايلاند عن أكثر ما أعجبهم فيها وتلقينا من الجميع الإجابة نفسها، فلدى هذا البلد من الثراء ما يسمح بتعدد الإجابات بكل اطمئنان. عندما حللت ببانكوك كانت العاصمة كلها تزدان باللون الأصفر احتفالا بعيد ميلاد الملك، أما لماذا اللون الأصفر بالذات فلأن لكل يوم من أيام الأسبوع لونه الخاص به واللون الأصفر يخص يوم الأربعاء الذي وُلِد فيه الملك الحالي، وهكذا وُضِعت الورود الصفراء حول أعناق تماثيل بوذا وحول مجسّم العرش الملكي المنتشر في كل مكان وهفهفت الأشرطة الصفراء فوق أعمدة الإنارة وشاع الأصفر في ثياب المارة من كل الأعمار. جميل أن تكون ثمة حضارة وأن تكون هذه الحضارة ملونة. على بوابات القصر الملكي وأمام المتاحف والمعابد تصطف طوابير السائحين من كل أنحاء العالم، قالت لي سيدة أسترالية ثمانينية إنها تزور تايلاند بانتظام من عشرات السنين، كانت تزورها بصحبة زوجها فلما ذهب أكملت رحلته وحدها، وراحت تفتش عن ذكراه وراء الأعمدة الفخمة المطلية بالذهب وبين نقوش الأسقف التي تتجلى فيها المهارة كلها والفن والإسعاد كلهما. هذه البهرجة الممتعة فيها كثير من البهرجة الهندية، هل تنوع التركيبة السكانية في كلا البلدين يوجّه فرشاة الرسّام وأحجار الصانع لأخذ من كل لون مقتطفا؟ ربما، فكمثل تنوع الهند يوجد في تايلاند إلى جانب قومية التاي مالاويون وڤيتناميون وهنود وصينيون بنِسَب متفاوتة، وإلى جانب البوذية ديانة الأغلبية يوجد مسلمون ومسيحيون، التنوع ضد اللون الواحد. في الحضارات الآسيوية ومنها الهندية والتايلاندية حضور قوي للحيوانات، الأبقار في الهند والأفيال في تايلاند، التاي لا يعبدون الفيل لكنهم يحبونه لأنه أكثر من قدّم العون لبوذا حين خرج للغابات يفكر، وهكذا يأخذ الفيل راحته على الآخر في النقوش والتماثيل وعلى المنسوجات وكل شيء.
***
في هذا المتحف يكتشف الصغار بأنفسهم تاريخ بلادهم، بالتأكيد هم يدرسونه في مدارسهم، لكن هنا حيث يتم استعراض التطور في العادات والمعتقدات والملابس وأدوات المائدة فإن التفاصيل موجودة في أدراج مغلقة، والصغار يفتحون هذه الأدراج ليكتشفوا ويفهموا ويتثقفوا. على أحد اللوحات قرأت شيئا يشبه ما يلي: نحن نحترم عقيدتك ونحب أن تحترم عقيدتنا، فهمت ووعيت. أما في هذه البحيرة فأنت تركب الجندول ليبحر بك فتمر في طريقك ببيوت متواضعة يعيش فيها أصحابها بقليل من الموارد وكثير من الألوان، يمر بك أيضا في البحيرة باعة يبيعون الفاكهة والخضراوات والأواني، إنها السوق العائمة. زمااان كان أحد أحلامي أن أعيش في عوّامة وأغسل وجهي صباح كل يوم بمياه النيل، ولذلك أحببت جدا أدب العوّامات لأنه كان يحملني إلى عالمي المفضّل وكان هذا سببا إضافيا لتعلقي بأدب نجيب محفوظ. إنها ڤينسيا على الطريقة التايلاندية، أمدّ يدي لتاجر الجندول المار إلى جانبي في البحيرة بخمسة بات (أي جنيهين ونصف) فيناولني ثمرتين من المانجو، المانجو التايلاندي لذيذ جدا .
***
حلم أم علم؟ هذا سؤال لا تملك إلا أن تطرحه وأنت تحبس أنفاسك وتجلس لتشاهد العرض البديع "سيام نيراميت" على مسرح مهول يتسع لألفي مشاهد. في العرض تشاهد الممثلين يسبحون في نهر، ماذا نهر فوق خشبة مسرح؟ أجل نهر يجري أمامك، تشاهدهم وقد صعدوا إلى الجنة أو سيقوا إلى النار وكأنك تتفرج على يوم المشهد العظيم، كائنات ضخمة تنزل من أعلى المسرح وتتجول بين الصفوف، مؤثرات صوتية فوق الخيال. ليس مهما أبدا أنك لا تعرف لغة التاي فتذوُق الجمال لا يلزمه إلا مسام مفتوحة. عندما غادرت المسرح لفتني أن كل المقاعد الحمراء على مدد الشوف لا يوجد بها عيب واحد، التايلانديون حريصون على تكريس صورة معينة عنهم: شعب نظيف، ودود، شديد الأدب، معتز بنفسه، موحد فمع أنهم متعلقون بالملك الراحل الذي حكمهم لسبعين عاما إلا أن الملكية بشكل عام هي الضلع الثاني من المثلث الذي يوحّد المواطنين، أما الضلع الأول فهو العقيدة البوذية والضلع الثالث هو الطعام. يفخر التايلانديون كثيرا بطريقتهم الخاصة في الطهي خصوصا طهي المأكولات البحرية، عن نفسي لم أتأقلم معها وإن حاولت .
***
من زار تايلاند عدة مرات يقول إنها تتطور بسرعة، وهذه تفصيلة مهمة تضاف إلى تفاصيل أخرى كثيرة عن آسيا التي تستعد لتحكم العالم، فالنمور الآسيوية التي أصيبت استعادت عافيتها وتتأهب للوثوب ومع ذلك لازالت الأنظار معلقة بالبيت الأبيض. ليس هناك طريق واحد للتقدم أما العنصر الحاسم فهو إرادة تحقيق التقدم، وهذه شعوب تريد التقدم وتصنعه. ما هذه الورطة يا ربي؟ أفكلما زرت بلدا آسيويا أحببته.. من قبل أحببت الهند وها هي تايلاند، من دون أن أحفظ قواعد العشق الأربعين، صنعت قواعد عشقي بنفسي ولنفسي، وقاعدتي الذهبية هي التنوع، وهل هناك تنوع كمثل تنوع تايلاند حيث تخلع نعليك على باب المعبد وحيث تخلع وقارك في أزقة بنات الهوى؟

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات