بناء المجتمع المدنى كمدخل للديمقراطية - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الأربعاء 30 سبتمبر 2020 11:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

تنصح الأهلي بالتعاقد مع؟


بناء المجتمع المدنى كمدخل للديمقراطية

نشر فى : الأربعاء 5 أغسطس 2020 - 7:35 م | آخر تحديث : الأربعاء 5 أغسطس 2020 - 7:35 م

إبراز أزمة الديمقراطية فى مواطنها الغربية، وإظهار العقبات التى سيواجهها انتقال الوطن العربى من حالات الاستبداد التى عاشها ويعيشها هذا الوطن إلى نظام ديمقراطى، لا يعنيان ارتكاب الخطأ المميت بالقول بأن الديمقراطية لا تصلح لنا كمجتمعات، وكأمة. ذلك أن حاجتنا لنظام ديمقراطى هى ضرورة حضارية وجودية وهى أحد أهم المفاتيح لحل الكثير من مشاكلنا، وبالتالى فهى ليست خيارا مطروحا نأخذه أو نتركه.
لكن هناك أسئلة مفصلية يتعين علينا طرحها والإجابة عليها إذا كنا نريد أن نتجنب مطبات التقليد الأعمى، أو القبول بالمظاهر على حساب الجوهر، أو التفصيل على مقاس أوضاع هذا النظام العربى التسلطى أو ذاك.
السؤال الأول: «هل حقا أننا نحتاج إلى تبنى الأنموذج الديمقراطى الغربى، بكل منطلقاته الفكرية وبكل ممارساته فى الواقع، واعتباره الأنموذج الأفضل لكل مجتمعات البشر، وذلك بالرغم من أنه كان حصيلة صيرورة تاريخية سياسية اقتصادية اجتماعية أسست وتطورت حسب حاجات وظروف مجتمعات الغرب المختلفة عبر أربعة قرون من الحروب والثورات والصراعات الدينية والطبقية وبممارسات الاستعمار والعبودية لمجتمعات الغير وبشرها؟» دليل خصوصيتها الغربية هو ربط البعض للديمقراطية بقيم الحداثة الليبرالية الكلاسيكية، التى هى تحت المراجعة حاليا، واشتراط البعض الآخر تعايشها مع الرأسمالية، التى هى فى أزمة، واستعمال البعض لها أخيرا بصور عنصرية انتهازية فى أشكال من الحراكات الشعبوية، التى تمثل خطرا على مستقبل الديمقراطية نفسها إلخ.. عبر التاريخ الطويل من التقلبات والمراجعات، وكما أسلفنا فى مقال سابق تجرى الآن فى الغرب مراجعة للموضوع الديمقراطى برمته، خصوصا بشأن فصله التاريخى الخاطئ عن موضوع العدالة الاجتماعية الإنسانية، الأمر الذى أضعف فى الديمقراطية الغربية أهم مكون قيمى روحى: العدالة.
والسؤال الثانى: «هل يمكن الانتقال إلى الديمقراطية دون تحقق خطوات أساسية تهيئ لقبولها من قبل المجتمعات وتجذرها فى وجدان ساكنيها؟ وهى خطوات ستحتاج، لكى تتحقق، لقوى مجتمعية فاعلة تناضل من أجلها.
من بين تلك الخطوات الأهمية القصوى لوجود تعددية فى الحياة السياسية معبر عنها بوجود أحزاب سياسية مستقلة تنظيما ومالا، غير مخترقة أو مهمشة، ديمقراطية فى تركيبتها وقراراتها وتبادل السلطة القيادية الدورية فيها، وتحمل مشروعا نهضويا تعرضه بصورة علنية، وتشارك وتتنافس فى انتخابات حرة نزيهة، وتتبادل دوريا إدارة الحكم مع بقية الأحزاب الأخرى من خلال إرادة عامة حرة تعبر عن نفسها بشتى الطرق، بما فيها الانتخابات الحرة النزيهة.
ينطبق الأمر نفسه على وجود تعددية نقابية ومهنية وأهلية وبالأخص شبابية ونسائية.
فى قمة أولويات جميع تلك التنظيمات المدنية نشر الثقافة الديمقراطية، وتدريب أعضائها على ممارسة الديمقراطية، والنضال ضد كل مساس بأية منجزات ديمقراطية فى كل المجالات والساحات.
بناء تلك الحاملة المجتمعية للمشروع الديمقراطى المستقبلى يجب إعطاؤه أولوية قصوى، ولا يمكن أن تتحقق تلك الخطوة إلا إذا انخرط الملايين من الشباب والشابات العرب فى تلك التنظيمات كأعضاء فاعلين ومحاربين ضد أى انحراف ترتكبه قيادات تلك التنظيمات.
ولن يكفى أن يقتصر جهد الشباب على التأييد والمناصرة المعنوية فقط ذلك أن حركة المجتمع المدنى لن تكون نشطة ومؤثرة ومسموعة الكلمة عند سلطات الدولة إلا بوجود الملايين الفاعلين الملتزمين فى كل تنظيمات المجتمع المدنى، للنضال من أجل الحقوق الخاصة بهم ولتبنى النضال من أجل الحقوق الخاصة بكل فئات المجتمع.
عند ذاك يصبح الانتقال إلى الديموقراطية طريقا مفتوحا، ينطبق عليه المثل الإسبانى «بأن الطرقات لا تتوفر تلقائيا، وإنما تشق بفعل سير السائرين».
إذن الخطوة الأولى تتمثل فى عودة الحياة لكل مؤسسات المجتمع المدنى من خلال اجتذاب نشط للملايين، وعلى الأخص الشباب، للالتحاق بعضويتها وإخراجها من هزالها وهامشيتها، وبعد ذلك من خلال هذا الدم الجديد المتجدد النضال لدمقرطة تلك المؤسسات، لنصل فى النهاية لمنظمات مجتمع مدنى ديموقراطية تناضل من أجل قيام ديمقراطية حقيقية وذلك من خلال الدخول فى معارك ضد كل أعدائها سواء فى الخارج أو فى داخل سلطة الدولة أو فى داخل المجتمعات نفسها.
وهذا لا يعنى بالضرورة التصادم مع الدولة وإنما العمل على إقناعها حيث أمكن أو الضغط على جهات الممانعة فيها حيث يجب. ذلك أن إضعاف الدولة سيوازيه إضعاف المجتمع المدنى.
لن ندخل فى تفاضيل ضرورة توفر العوامل الكثيرة الأخرى الضرورية من أجل إحياء وتنشيط وتقوية المجتمع المدنى من مثل وجود مشروع تثقيف وتربية عن أهمية وواجبات المجتمع المدنى، أو من مثل تحقق درجة معقولة من التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو من مثل إلحاق هزيمة بثقافة الخضوع والخنوع والتبعية التى هيمنت على علاقات المجتمعات العربية وأنظمة الحكم عبر قرون طويلة من الاستبداد، أو من مثل وجود مستوى معقول من حماية الحقوق الإنسانية من قبل الدولة والمجتمع والالتزام بممارستها، أو من مثل وجود قضاء مستقل عادل يحمى مؤسسات المجتمع المدنى ويحمى الكل من تجاوزات السلطة.
واكتفينا فى هذا المقال بالتركيز على ما نعتبره مدخلا أساسيا مفصليا للبدء ببناء المجتمع المدنى القوى الذى بدونه سيكون الحديث عن الوصول إلى الديموقراطية الحقيقية عبارة عن أحلام يقظة وينبغيات لا تتحقق فى أرض الواقع إلا فى صورة مشوُهة كسيحة.
نقولها مرة أخرى بأن النشاط من خلال شبكات التواصل الاجتماعى، التى يستعملها الشباب على نطاق واسع، ضرورى من أجل الإقناع والتجييش للديموقراطية لكن الحسم لن يكون إلا من خلال وجود مؤسسات مجتمع مدنى جماهيرية نشطة وفاعلة تنجح فى تحقيق حقوق ديموقراطية فرعية لأعضائها وأتباعها، وذلك تمهيدا لتحقيق حقوق الكل الديمقراطية من خلال الوصول إلى الهدف النهائى: الديموقراطية العربية السياسية والاقتصادية والاجتماعية العادلة.

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات