كاميليا والراعى - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 11:49 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


كاميليا والراعى

نشر فى : الخميس 5 أغسطس 2010 - 11:55 ص | آخر تحديث : الخميس 5 أغسطس 2010 - 11:55 ص
كاميليا فتاة مصرية تعيش فى صعيد مصر، فتاة متدينة تربت فى الكنيسة على الخضوع والخدمة تقوم بجميع الطقوس المطلوبة منها من الصوم وصلوات واعترافات...الخ، تنتمى إلى أسرة مصرية مكافحة أى من تلك الأسر التى عانى فيها الأبوان لتعليم أولادهم، ولم يخيب الأبناء آمال والديهم فصاروا أطباء وصيادلة ومهندسين ومدرسين...الخ، لم يبد على كاميليا فى أى وقت من الأوقات أى نوع من التمرد سواء على والديها أو احترامها للأكبر سنا أو قادتها فى الكنيسة التى تنتمى إليها.

مشكلة كاميليا كما هى مشكلة جيلها بأكمله، هى الانفتاح على العالم من خلال الشبكة العنكبوتية والدش والفضائيات. لقد رأت ولمست كاميليا كما جيلها كله الحرية والحركة الشبابية فى كل العالم من كل الأجناس والأديان ورأت أن العبادة والالتزام الشديدين لا يتعارضان إطلاقا مع التعبير عن الذات وتحقيق الكيان وأن هناك مؤمنات فى كل أنحاء العالم حققن ذواتهن فى خدمتهن للكنيسة والمجتمع ولم ينقص هذا من حريتهن بل عبرن عن أنفسهن وبقوة فى اختياراتهن وفى رفضهن للأوامر التى تأتيهم من أعلى ولم ينتقص كل هذا من إيمانهن، فالتمرد والتفكير المختلف لا يتعارضان مع الإيمان بل ربما يكون نوعا من تعميق الإيمان. فالمؤمنون العظماء الذين غيروا التاريخ هم المؤمنون الذين تمردوا على واقعهم وطالبوا بحريتهم فى التفكير، وطالبوا من يقمعونهم بمنطقهم فى القمع والتشدد.

إن المجتمع المنغلق والجو الدينى الخانق الذى يبنى على المظهر أكثر من الجوهر عمق فى نفوس جيل كاميليا أن البحث عن الحرية، ومناقشة من هم أكبر، ومحاولة طلب الإقناع من الذين يقمعونهم، إنما هو تمرد على الله ذاته وعلى السيد المسيح وعلى الإيمان، وأن كل هذا يؤدى بهم إلى الهلاك فى النهاية. هكذا عاشت كاميليا بضمير مثقل، تتنازعها فكرتان عكس بعضهما البعض، وهى ترى فى داخلها أنه لا تعارض بينهما، والسؤال المحير لكل جيلها هل الإيمان ضد الحرية والعكس؟ هل الإيمان ضد المنطق؟ هل الإيمان ضد التعبير عن الذات؟
إن المجتمع الذى تعيش فيه وكل المصادر التى تستقى منها معلوماتها الدينية تقول نعم، فالأب والكنيسة والمدرسة والتليفزيون، يؤيدون أن أى تمرد ولو بالفكر هو خطيئة لا يمكن لله أن يغفرها. هكذا عاشت كاميليا الكبت الحقيقى لمشاعرها وأحاسيسها فليس عليها أن تعبر عما يجيش فى صدرها، عليها أن تبتسم ابتسامة غامضة، ولا تتدخل فى أى حديث مهما كان ولا تعبر عن رأيها فى أى موضوع، لذلك كانت نموذجا للفتاة المرشحة أن تكون زوجة كاهن خاصة أن الكهنوت من أكثر الوظائف ربحا هذه الأيام.

فلقد كان الكهنوت فى القديم لا يقبل عليه ولا يمتهنه إلا الشخص المقتنع به الذى له رؤية روحية لخدمة الله والكنيسة حيث يعلم أن حياة الكهنوت هى حياة تقشف وصيامات وصلوات، هذا فضلا عن الحياة بالكفاف، فهو لا يسدد احتياجاته بصورة سخية. كما أن الكاهن يعيش حياة الفقر الاختيارى والعفة والطاعة ويدرب نفسه على الحياة الخشنة والرضا ويتعلم أن يكون مكتفيا بما هو فيه، لذلك كان الذين يقبلون على عمل الكهنوت فى الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية وعلى عمل الرعاية فى الكنائس الإنجيلية قليلون، بل من الندرة بمكان، ذلك لأن الطريق صعب وطويل ويحتاج إلى قناعة خاصة. وكان القسيس من أى طائفة من الصعب عليه جدا أن يجد فتاة ترضى أن ترتبط به لأنها تعلم أن أمامها خدمة متفانية لله والناس، أما اليوم فقد حدث تطور ملحوظ بل انقلاب فى مفاهيم الخدمة الدينية.

لقد صارت الخدمة الدينية من أكثر الأعمال ربحا وعندما انفتحت الكنيسة المصرية على العالم الخارجى اكتشفت أن هناك رجال دين يعيشون فى قصور فخمة ولديهم خدم وحشم بل والبعض منهم يمتلك طائرات ينتقل بها عبر العالم، أما مفاهيم الرهبنة فقد تغيرت تماما من التقشف الشديد والعيش فى الصحراء إلى حياة التنعم والرفاهية، ورأينا خدام الكنائس على شاشات الفضائيات أساقفة وقساوسة من جميع الطوائف يلبسون الخواتم الذهبية الضخمة ويرتدون الثياب الفخمة من أغلى الحرائر فى العالم بألوانها الزاهية بل وصارت الصلبان التى تشير إلى موت وعذاب السيد المسيح من الذهب الخالص وبها فصوص من الماس والمجوهرات. هكذا أصبحت الخدمة الدينية من أكثر المهن ربحا، وبالتالى تطلع الكثيرون إلى الانخراط فى الخدمة الدينية دون قناعة حقيقية، لكن طلبا للربح السريع. وهكذا وجدنا فى كليات اللاهوت والاكليريكية قد ازداد الإقبال بشكل ملحوظ فى الثلاثين عاما الماضية ورأينا نوعيات لم نرها من قبل، نوعيات من البشر يعيشون ازدواجية فى الشخصية، فهم من الخارج وأمام رعيتهم يصلون ويتقمصون شخصية الراعى الخادم الزاهد الممتلئ بالمحبة والتواضع.

أما عندما يجلسون مع بعضهم البعض ينقلب الحال تماما؛ يتحدثون عن الأموال والبيع والشراء ويتناقشون فى شراء السيارات والأراضى. هكذا ارتفع سقف تطلعات الكهنة والرعاة فى الزواج من الفتيات المثقفات من عائلات غنية وأصيلة وهكذا أيضا صارت أحلام بعض الفتيات المتطلعات للغنى والسلطة أن يتزوجن من كاهن ورع، فهن يرفضن الزواج من شباب الفيس بوك والشباب المنفلت وكذلك يرفضن الارتباط بالشباب الملتزم دينيا حيث إن مشوارهم طويل فى تحقيق الغنى والرفاهية.

ولذلك فقد فضل هؤلاء البنات المتطلعات إلى الحياة الهانئة الهادئة وفى نفس الوقت المرفهة أن يرتبطن بالكهنة والرعاة، فالرعاة يبدون فى وسط رعيتهم كملائكة الله وهكذا تقابلت تطلعات هؤلاء البنات والرعاة الشباب الذين يستمتعون بالسماحة والمحبة وخدمة الناس والحياة المرفهة فى نفس الوقت. لكن ما حدث بعد الارتباط كان مفاجأة وصدمة، فالراعى الهادئ المتواضع الطيب القلب المحب لكل الناس هو شخص مكبوت يخرج عنفه وقسوته وبخله وعناده فى منزله وبين أصدقائه من الكهنة والرعاة، وهنا كانت الطامة الكبرى لهؤلاء الفتيات المخدوعات ولأنهن لم يدخلن إلى حياة الخدمة عن اقتناع بل طموحا فى الرفاهية فلم يعد لديهن ما يخسرونه وما فعلته كاميليا تود معظم زوجات الكهنة أن يعملنه، إلا أن القوة الضاغطة من المؤسسة الكنسية ومن المجتمع المنغلق تجعل هؤلاء يتحملن ما لا يتحمله بشر.

فرغم فرحة كاميليا المدرسة التى دخلها لا يتعدى الجنيهات القليلة بالأموال المتدفقة عليها من زوجها الكاهن إلا أنها شعرت أن كل أموال الدنيا لا تساوى حريتها، فسحبت هذه الأموال وتركتها له لينعم بها، فحريتها تساوى الكثير. لقد كان هروب كاميليا من زوجها صرخة حرية تتمنى أن تفعلها الكثيرات من اللاتى يعشن فى نفس الظروف والأسئلة المحيرة التى يجب أن نجد عليها إجابات شافية هى: ما هو الموقف الآن من قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين؟ وماذا ستفعل الدولة؟ وماذا سيفعل البابا؟ إن القول أن الذين لا يخضعون للكنيسة لا لزوم لهم وليتركوها، لم تعد ذات جدوى بعد أن وصل الأمر إلى زوجات الكهنة والرعاة. فلابد من إعادة النظر فى هذا الأمر حيث قد ثبت أن واضعى لائحة 1938م ومن قبلهم لائحة البابا كيرلس أبى الإصلاح ومن قبلهم لائحة ابن العسال، كانت لهم النظرة الثاقبة لحماية الكنيسة من التشقق والتصدع.

يقول تقرير لمعهد جالوب بعد حرب 1973م يقول إن أكثر مؤسستين منضبطتين فى مصر هما الجيش والكنيسة الأرثوذكسية فهل لنا أن ننقذ الكنيسة من الانهيار؟!

إن هذا الأمر ليس مسئولية الكنيسة فقط بل هو أيضا مسئولية الدولة التى عليها أن تجيب هل نحن نعيش فى دولة مدنية أم دينية؟ فإذا كانت الدولة مدنية فلنضع الأمور فى نصابها بقوانين ودساتير مدنية يخضع لها الجميع وتحفظ السلام الاجتماعى والنظام العام، وان كانت دينية فليترك الأمر على ما هو عليه.

 

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات