«قلب أمه».. كوميديا جيدة تستحق نجاحها - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 يناير 2020 9:11 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

«قلب أمه».. كوميديا جيدة تستحق نجاحها

نشر فى : الخميس 5 يوليه 2018 - 8:50 م | آخر تحديث : الخميس 5 يوليه 2018 - 8:50 م

يحقق فيلم «قلب أمه» نجاحه الفنى فى أكثر من اتجاه: نحن أولا أمام دراما كوميدية بكل عناصرها؛ رسم بارع للشخصيات، وإدارة ممتازة للصراع، وتطوير للحدث فى اتجاه ذُروةٍ وَحَلٍّ، دون إغفال الإفيهات، وقبل كل شىء الفكرة القائمة على المفارقة الساخرة، الإفيهات هنا فى خدمة الفكرة، وفى إطار طبائع الشخصيات وسلوكها.
هناك، ثانيا، أسلوب المعالجة (الفيلم فكرة تامر إبراهيم، وقصة هشام ماجد وشيكو، وسيناريو وحوار محمد محمدى وأحمد محيى) الذى يلامس حدود الفانتازيا، سواء فى حكاية نقل قلب إلى شخص، فيؤثر ذلك على سلوكه، وهى فكرة ليست جديدة، ولكنها مقدمة هنا فى معالجة ساخرة، تستهلك كل إمكاناتها، سواء فى الشكل العام لشخصيات العصابة، وفى مشاهد القتل المجانية الكارتونية، التى تذكرنا بقصص الكوميكس، أو بالأفلام المأخوذة عن تلك القصص.
ولدينا ثالثا مخرج يفهم تماما معنى الكوميديا فى السينما، نجح المخرج عمرو صلاح ليس فقط فى ضبط إيقاع كل مشهد، وإفيهاته، ولكنه أيضا منح الفيلم إيقاعا سريعا رشيقا، ووظف المونتاج والموسيقى بنجاح لتحقيق الأثر الكوميدى المطلوب، الكوميديا فى السينما تعتمد أكثر على الحركة، وعلى الانتقالات المونتاجية الذكية، وعلى كل مكونات الصورة، وليس على الحوار فحسب.
ولكن نجاح المخرج الأهم كان فى منح هشام ماجد وشيكو الفرصة لتقديم أفضل أدوارهما حتى الآن، كان يبدوان فى بدايتهما مثل الهواة، ينقصهما دراسة الشخصيات، ربما التكنيك أيضا، ولكنهما تطورا كثيرا، وساعدهما بالطبع وجود شخصيات مرسومة بشكل جيد فى السيناريو: شيكو «مجدى تختوخ» زعيم أشهر عصابة فى مصر، وهشام ماجد «يونس» الشاب الذى يعانى سيطرة أمه، ويعيش عالما موازيا بتأليف أفلام رعب فاشلة!
الشخصيتان قدمتا بتفصيلات شديدة الحيوية، وإذا كان التناقض صارخا فى حالة تختوخ، زعيم العصابة الشرس، الذى يتحول إلى أم عطوف، عندما ينقلون إليه قلب أم يونس المتوفاة، فإن شخصية يونس أيضا ليست سهلة، إنه يبدو كطفل كبير، حتى علاقته مع خطيبته صبيانية، الشخصيتان أيضا تتعرضان لاختبار جاد عندما يكتشف تختوخ ويونس أنهما فى مواجهة بعضهما البعض.
الشخصيات فى الفيلم رسمت بشكل جيد، إنك تتذكرها جميعا تقريبا، مهما بلغ حجم الدور، وهو أمر غير معتاد فى أفلام ممثلى الكوميديا الشباب، تتذكر مثلا الضابط الذى لعبه محمود الليثى، والأم التى لعبتها دلال عبدالعزيز، والخطيبة المدهشة التى لعبتها نور قدرى، والطبيب العجيب الذى أجرى عملية نقل القلب، ولعب دوره سامى مغاورى، ونتذكر بيومى فؤاد فى دور والد الخطيبة، وأحمد سلطان فى دور الصديق.. الخ.
بل نتذكر ضيوف الشرف مثل حسن الرداد وكريم فهمى والشيف شربينى، وحتى أغنية محمود الليثى فى الفرح كانت جزءا من الحدث، ولم تكن مجرد فاصل ترفيهى صاخب، كلها شخصيات قدمت بلمسات كاريكاتورية ذكية للغاية.
تنطلق الإفيهات من الموقف والشخصية، وليست منفصلة عنهما، بل إنها تلخص الشخصية بشكل مدهش، كأن يصف يونس مثلا مجدى تختوخ بأنه مثل «هارد غسان مطر ركبوا له سوفت كريمة مختار»، بالإضافة إلى طرافة وغرابة الإفيه، بما يتسق مع خيال الكوميكس، فإنه أيضا على موجة جيل الكمبيوتر من المتفرجين الشباب الذين يتوجه إليهم العمل.
والحقيقة أن فكرة الإفيه فى الفيلم تتجاوز عبارات الحوار؛ لأن الإفيه موجود بالأساس فى الفكرة، التى تجعل من زعيم عصابة «أُما» مصرية صميمة، ولكن مع احتفاظ الزعيم بشكله، وهيئته المخيفة، وبجزء من شراسته عند اللزوم.
الإفيه أيضا فى عنوان الفيلم، الذى ينطبق حرفيا على مضمونه، والأجمل أن صناع الفيلم لم يكتفوا بالإضحاك، ولكنهم قدموا تحية عذبة للأم، التى يتسع قلبها للعالم كله، والتى تغير، رغم غيابها، أكثر المجرمين عنفا، والتى يُدفن جسدها، فيبقى قلبها فى جسد آخر، يراقب ابنها ويحنو عليه!
شعرت أحيانا بلحظات من الشجن، لأن يونس حائر تجاه تختوخ، قلب أمه القابع فى جسد المجرم، كان يمنعه من الانتقام الكامل، وقلب الأم كذلك كان يمكن تختوخ من الانتقام من يونس، وبينما كان يونس يعانى من سيطرة أمه فى حياتها، إلا أنه عرف قيمة قلب أمه، وفهم سر خوفها عليه، هنا معنى أعمق يتجاوز الضحك، مع أن الإضحاك النابع من تناقضات الفكرة، هدف جميل ومطلوب فى حد ذاته، ولكن فيلمنا يتجاوز ذلك بكثير، مما يجعله فعلا من أفضل أفلام 2018 الكوميدية.
«قلب أمه» يستعيد أمورا بدهية وضرورية فى الكوميديا؛ فلا بد من بناء متكامل مدروس مخطط، ووجود الإفيهات والطابع الخاص للكوميديان وحركاته، و«الشويتين بتوعه»، كل ذلك لا يعفى عن صناعة دراما متماسكة، ضع ما شئت من النكات والإفيهات، ولكن فى إطار هذا البناء، بعيدا عن الفهلوة وسلق الأفلام، وبعيدا عن شعار «ليه تتعب أكثر ما دام ممكن تتعب أقل»!!

التعليقات