وداعا للذهب الأسود! - محمد يوسف - بوابة الشروق
الخميس 22 أكتوبر 2020 8:33 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

وداعا للذهب الأسود!

نشر فى : الثلاثاء 5 مايو 2020 - 9:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 5 مايو 2020 - 9:50 م

هل يمكن اعتبار صدمة الأسعار التى حصلت مؤخرا فى سوق النفط العالمى بمثابة صافرة إنذار لنهاية عصر النفط وإنزاله من عرش مصادر الطاقة؟! ومن منظور المسببات والنتائج، وإذا عُدّت تلك الصدمة السعرية كسابقاتها العديدة التى شهدتها هذه السوق المكلومة، فلماذا إذن كل هذه الضجة التى أثيرت حولها؟! ألم تقدم لنا تلك الأزمة الطارئة صورة جلية عما ستؤول إليه سوق النفط حال «التخلى عن النفط»، إما باكتشاف وتطوير بدائل مكافئة له أو بإضعاف روابطه مع تكنولوجيا المستقبل؟! ثم، وقبل كل ذلك، أفلا تعيد هذه الأزمة تذكيرنا بالطبيعة شديدة الخصوصية وعالية الحساسية للنفط أمام تقلبات المستقبل، ثم تدعونا للتأمل مجددا فى أحوال الدول التى يشكل هذا النفط عمود خيمتها الاقتصادية والسياسية؟!
إن الفقرات القادمة ستتأمل فى المستقبل الغامض للنفط عبر محاولة الإجابة على كل الأسئلة السابقة.
***
تسبب التدهور التاريخى الذى شهدته العقود الآجلة للنفط خلال العام الحالى 2020 فى إثارة عاصفة من الجدل بين المتخصصين وغيرهم؛ وكان التساؤل المُلح الذى بحث عن إجابة واضحة هو: بينما يعربد فيروس «كورونا» فى الاقتصاد العالمى، هل يمكن حقا أن ينتهى عصر النفط كأحد تجليات هذه الأزمة العالمية العميقة؟! فى الواقع، إننا أمام تساؤل ليس بالجديد على مسامع العالم، ولا بالتساؤل الذى قفز إلى الأذهان ضمن الأسئلة المستجدة لجائحة «كورونا»؛ فلقد ظل هذا التساؤل مطروحا منذ البزوغ الأول لعصر النفط فى منتصف القرن التاسع عشر تقريبا. فإذا كانت الأرض قد وُهِبت لمرة واحدة بهذا المورد الثمين، فمتى ستنضب وتختفى هذه الهبة؟!
وفى معرض الإجابة على هذا التساؤل، خرجت للنور العديد من الإحصاءات والتحليلات والآراء التى تنذر بأنه إذا استمرت أحوال سوق النفط العالمى على حالها دون الوقاية من الصدمات، وإذا ظل معدل الاستهلاك العالمى للنفط على حاله دون حدوث طفرات جوهرية ترشّد هذا الاستهلاك؛ ستُكتب فى منتصف القرن الحالى آخر فصول «قصة النفط». وإننا إذ نعتقد فى جدية هذا الإنذار، فلدينا ما يؤيد هذا الاعتقاد. فأما عن أحوال أسواق النفط العالمية، فالماثل أمامنا أن جانب العرض يعانى من ضعف شديد فى المرونة الاقتصادية للإنتاج النفطى (يقصد بالمرونة مدى قدرة الدول النفطية على التحكم فى حجم الإنتاج)، ويعانى أيضا من صراع كبير وتضارب مستمر للمصالح بين كبار المنتجين للنفط الخام، ويعانى من تشرذم بين صغار ومتوسطى منتجيه. وقد أحوجت هذه المصالح المتضاربة منظمة «أوبك» بقيادة السعودية لتوسيع مظلتها فى السنوات القليلة الماضية لدمج مصالح المنتجين من خارجها، وعلى رأسهم روسيا؛ ليظهر دوليا تنظيم «أوبك بلس». لكنّ هذا التوسع التنظيمى لم يسبغ على جانب العرض التناغم الذى يصبو إليه، نتيجة دخول منتجى النفط الصخرى الأمريكى كطرف جديد على نفس جبهة الصراع. فمصالح هذه الأطراف المتباينة اقتصاديا وسياسيا لا يمكن لها أن تلتقى بسهولة، وللدرجة التى تجعل جانب العرض دائم الاشتعال، وخصوصا أن الولايات المتحدة تمثل، وفى ذات الوقت، أكبر المنتجين وأكبر المستهلكين للنفط!
غير أن الأحوال فى جانب الطلب فى سوق النفط مختلفة بالكلية عن أحوال جانب العرض. فبينما عجزت الأطر المؤسسية عن توفير دعائم وحوافز راسخة للتناغم المستقر بين منتجى النفط، فإن التناظر فى الكفاءة والإنتاجية وفى القدرات الصناعية وفى الأهداف التنموية، مكّن مستهلكى النفط من الدول الصناعية المتقدمة من التنسيق الفعال فى جانب الطلب، وبما جعل دفة القيادة فى سوق النفط مستقرة ــ وباستثناءات تاريخية محدودة فى أعقاب حرب أكتوبر المجيدة ــ فى أيدى هؤلاء المستهلكين؛ وليصير سوق النفط العالمى السوق الوحيدة تقريبا التى تهيمن عليها ويتحكم فيها المستهلكون من كبريات الدول الصناعية.
وفى سوق يتسم بهذه السمات الفريدة، لا عجب أبدا أن يشهد سعر النفط صدمات عديدة فى الأسعار الحاضرة والآجلة، ويرتفع تارة ليصل سعر البرميل 140 دولارا أمريكيا، وينخفض تارة أخرى لما دون 20 دولارا؛ ولا غرابة كذلك فى أن نسمع عن أسعار سالبة للنفط فى العقود الآجلة عندما تسببت جائحة «كورونا» فى تراجع تاريخى للإنتاج الصناعى وللتشغيل فى قطاع النقل وامتلاء مخازن النفط لدى المستهلكين.
أما إذا انتقلنا لقضية معدل الاستهلاك العالمى للنفط، فإن البدائل المتاحة من مصادر الطاقة المتجددة (طاقة الرياح والشمس والبحار والطاقة الحرارية للمياه الجوفية)، والبدائل المتاحة من الغاز الطبيعى غير المتجدد، كلها مازالت قاصرة نسبيا عن مواكبة النمو الكمى والنوعى للاحتياجات العالمية من الطاقة، ولا زالت متحيزة لصالح الدول الصناعية مالكة التكنولوجيا المتقدمة. كما أن اللجوء للطاقة النووية محفوف بالعديد من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويواجه معارضة عالمية واضحة. وبإمعان النظر فى الإمكانات الحالية والمستقبلية لترشيد الاستهلاك من طاقة النفط، فيلاحظ أنها تسير بطريقة عرجاء. فبينما تتحسن قدرات الترشيد فى بعض الصناعات عالية التكنولوجيا، لا توجد فى الأفق حيلة ذكية أمام الصناعات كثيفة الطاقة. وبينما ترتقى بعض الدول فى ترشيد احتياجاتها لطاقة النفط، هناك دول أخرى مازالت غارقة فى «بحر النفط»، ولا زالت تشكل عبئا متناميا على الرصيد العالمى المحدود من هذا الذهب الأسود. أى أن احتمالات تحسن معدل الاستهلاك العالمى من النفط ستظل موضع شك وتساؤل فى السنوات القليلة القادمة.
ولئن كنا لا نستطيع أن نقول القول الفصل فى مستقبل التكنولوجيا التى تقلل احتياجنا للنفط، ولا نمتلك ــ عمليا ــ قدرات تنبؤ عالية ودقيقة فى هذا المجال؛ فإننا نملك العديد من الشواهد والدلائل والحقائق الاقتصادية على أن سمات سوق النفط ستظل على ما بها من قصور وتشوّه وتصارع وتضارب لفترة معتبرة من الزمن. ولكل ذلك، فإننا نتوقع أن تكون المشكلات الهيكلية فى سوق النفط، وليس الطفرات التكنولوجية فى مجالات بدائل الطاقة، هى التى ستقربنا سريعا من نهاية هذه القصة، لتعلن فى وقت ليس ببعيد عن أفول عصر النفط.
***
إنه لأدنى للصواب الآن، وبعد أن تأملنا فى مستقبل النفط كمصدر رئيسى للطاقة، أن نسلط بعض الضوء على مسببات ونتائج الصدمة الأخيرة التى شهدها سعر النفط، لكى نفهم من خلالها ميكانيكية عمل هذه السوق، ثم نحدد ما يمكن أن تتأثر به اقتصادات دولنا العربية (النفطية وغير النفطية) من جراء تلك الصدمات. وفى هذا الشأن، نلحظ أن هذه الصدمة مختلفة نوعا ما عن سابقاتها. فقد تركت وراءها صخبا عالميا لتزامنها مع أزمة جائحة صحية غير واضحة المعالم. وبغض الطرف قليلا عن هذا الصخب، فإننا نرى ثلاثة عوامل أساسية تسببت فى الوصول لمرحلة «النفط الرخيص» التى يشهدها العالم حاليا. إذ تعتبر أزمة «كورونا» العامل الأكثر وضوحا، لتسببها فى حدوث «ركود جامح» فى معظم الأنشطة الاقتصادية المعتمدة على النفط، سواء أنشطة الإنتاج أو التوزيع أو الاستهلاك العالمى. وبشكل مجمل لما فصلناه سابقا، يرجع العاملان الآخران المتسببان فى تلك الصدمة السعرية للصراع المزمن وللقضايا السياسية العالقة بين كبار منتجى النفط (خصوصا منتجى النفط الصخرى)، وللاختلال الجسيم والهيكلى فى سوق النفط الدولى.
وإذا تأملنا فى النتائج التى ستخلفها هذه العوامل الثلاثة على سوق النفط العالمى، سنرى العديد من الرابحين والمنتفعين. فهناك منافع عديدة لجميع الدول المستهلكة للنفط الرخيص فى الأجل القصير، وخصوصا تلك التى تمتلك صناديق سيادية قادرة على توفير التمويل الضرورى لاقتناص هذه الفرص التاريخية، وتلك التى تحوز على إمكانات فنية ولوجستية لاختزان النفط، أو حتى تحويله لمشتقات قابلة للتخزين كلما كان ذلك ممكنا من الناحية الفنية. وبالتركيز على أوضاع الاقتصادات النامية، ستجنى من وراء هذه الأزمة وفورات وفوائض فى موازين تجارتها الخارجية فى النفط، لتنعكس على موازنة الصرف الأجنبى فيها، وتهدئ ــ مؤقتا ــ من عجز موازين مدفوعاتها. وفى المقابل، وعلى صعيد الخاسرين من حالة النفط الرخيص، فإن أوضاعهم جديرة بالتحليل والتأمل.
ذلك أن الشركات المنتجة والناقلة للنفط ستعانى موازناتها التشغيلية والتخطيطية فى الأجلين القصير والمتوسط من وطأة هذه الأوضاع المالية، وستضعف الحوافز الخاصة بالاستكشافات النفطية الجديدة، وستتراجع أرباحها بسرعة أكبر من سرعة التدهور فى الأسعار. وحتى لو ارتفعت الأسعار فى الأجل المنظور، ستحتاج لفترة أطول لكى تستعيد جدوى الإنتاج والتشغيل والتصدير. وما يؤيد ذلك، أن هناك العديد من التقارير الدولية التى بدأت تبرز أخبار عن توقف العديد من حفارات النفط عن العمل فى الولايات المتحدة وفى غيرها من البلدان النفطية الرئيسية.
وكانعكاس مباشر لتدهور موازنات الشركات النفطية، ستتأثر موازنات الدول المنتجة للنفط والتى يتركز اقتصادها فيه، وستزداد الضغوط المفروضة على احتياطاتها النقدية وعلى قدراتها الاستيرادية فى الأجل المتوسط. وإذا استثنينا من هذه النتيجة حالة الاقتصاد الأمريكى لكون الاقتصاد الأكبر إنتاجا واستهلاكا للنفط (نعتقد أن خسائر الشركات النفطية الأمريكية من تدهور الأسعار تعوضها أرباح شركاتها المستهلكة له)؛ فإن التأمل فى أوضاع كبريات الدول العربية النفطية فى ظل هذا النفط الرخيص، فسنجد أن قدراتها الاستيرادية (مثل استيراد العمالة من الخارج) ستتأثر طالما ظلت أسعار النفط أقل من السعر الذى تتعادل عنده موازناتها العامة (لأسباب لا يتسع لها المقام، تجدر الملاحظة أن سعر التوازن فى الدول العربية النفطية مرتفع كثيرا مقارنة بحالتى روسيا والولايات المتحدة). وبتأثر القدرات الاستيرادية لمجموعة الدول العربية النفطية، ستنتج آثارا انتشارية عديدة على شركائها التجاريين. ومن ثم، فواجب من الآن على الدول العربية غير النفطية (وعلى رأسها مصر) أن تعد العدة جيدا لهذه الأوضاع الإقليمية الدقيقة.
***
نستطيع الآن، وقد حللنا ــ بشكل موجز ــ ميكانيكية سوق النفط العالمى، القول بأن المغانم والمغارم داخل هذه السوق وخارجها لا تتوزع بطريقة عمياء، ولا تتجاهل خرائط التنمية والتصنيع العالمية؛ فالمغارم تعرف أهلها تماما مثلما تعرف المغانم أهلها. وبينما كل هذه المغانم والمغارم تحدث من مجرد صدمات نفطية مؤقتة الحدوث، أو تحدث بسبب وصول العالم لحقبة النفط الرخيص؛ فكيف إذن سيكون وضع هذا العالم عندما تنطفئ آخر شعلة نفط دون أن يجد بديله المكافئ؟ أو كيف، يا ترى، سيكون وضعه عندما يضطر للقول: أيها الذهب الأسود.. وداعا؟!

محمد يوسف أستاذ الاقتصاد المساعد
التعليقات