«المايسترو».. غرباء بلا شاطئ! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 مايو 2020 9:34 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

«المايسترو».. غرباء بلا شاطئ!

نشر فى : الخميس 5 مارس 2020 - 10:45 م | آخر تحديث : الخميس 5 مارس 2020 - 10:45 م

تثير هذه الرواية أسئلة التواصل رغم الاختلاف، والغربة رغم الإقامة، والحب رغم الشقاء، والإيمان رغم ثورة الشك، وبينما نظن قبل النهاية أنها أغلقت أقواسها، ومنحت قاربها الشاطئ المنتظر، ينفتح الجحيم من جديد، تتحول اللوحة إلى صورة سيريالية ملونة بالدم والنار، يخرج الثائرون غضبًا وألما، وينطلق الرصاص والبارود، ويشتبك اليخت مع الأرض والصحراء، وبعد أن توهمنا أن اقتراب القارب من اليخت ممكن، تجدد الكابوس انتظارًا ربما لنبى آخر مثل نبى جبران.
رواية «المايسترو» لمؤلفها سعد القرش، والصادرة عن دار العين، تشخص المأزق الإنسانى فى رحلة لا تكتمل، أربعة أشخاص من جنسيات وهويات مختلفة، وقارب من الخشب كاد أن يحترق، ولكن صانعه الخادم الهندى الهندوسى المطرود أنيل، سحبه إلى الماء، واستضاف فيه العامل تسو القادم من التبت، ونواف ابن البلد الخليجى الذى ينتمى إلى فئة «البدون»، والمحامى الزائر مصطفى، وهو مصرى أمريكى، تحمل الرواية لقبه: «المايسترو».
المكان شاطئ بلد عربى يطل على خليج النفط والرعب، والشخصيات كلها مغتربة، إن لم يكن بالمكان، فبالدين والهوية، يفك النبيذ أربطة الألسنة، يتجادل ركاب القارب الأربعة فى كل شىء، يناقشون حتى المسلمات الموروثة، يكتشف كل منهم هوية الآخر، ويحكى كل واحد حكايته، ننتظر رحلة ما للقارب الصغير الذى يبدو أكثر ضآلة بجوار يخوت عملاقة صاخبة، ولكن يظل القارب فى دائرة لا يبرحها، تظل الرحلة إلى ماضى الشخصيات بالأساس، إلى أفكارها وعقائدها وأساطيرها.
يحمل المايسترو اسم مصطفى، ولكنه لا يمتلك حكمة سميّه بطل كتاب جبران خليل جبران، أما عصا مصطفى التى يحملها فهى ليست عصا موسى، إنه شخصية قدريّة تمامًا، حتى قصة حبه مع لورا الأستاذة الأمريكية صنعتها صدفة التواصل الإلكترونى، هذه الحكاية تحتل الجزء الثانى تقريبًا من الرواية، مغزاها هو اكتشاف الحب كيقين وحيد فى عالم بلا يقين، مما يسهل التواصل رغم الاختلاف الثقافى، بل إن الحب يجعل الذات تكتشف نفسها من جديد، وتكتشف الحياة أيضًا، يبدو الحب فى الحكاية هو تمام النعمة، غاية الرحلة ومكافأتها، وأثمن ما يستحق أن تحكيه، أو تدافع عنه فى هذا القارب، العالق بين اليخت والصحراء.
يطلب أنيل عدلًا ووطنًا لا يعرفه، ويطلب تسو بلادًا محجوبة وبعيدة، وخلودا فى أرواح تتناسخ، ويريد نوافا هوية مكتوبة، لا تعترف بها السلطات، وإن كانت تطلب منه أن يمثل بلده فى الخارج، ويريد مصطفى العودة إلى لورا، صارت وطنه سواء فى مصر أو فى أمريكا، نشعر برثاء حقيقى للإنسان، الذى يمتلك قلبا وعقلا وجسدا، ولكنه يتسول المحبة والعدل، لديه بصيرة وألسنة، ولكنه يجد نفسه فى قلب تجارب عجيبة، مثل تجربة مصطفى مع الرجل الثرى وزوجته، شرط هذه الحكاية أن يكون كفيفًا، وجائزتها قطعة من ذهب، تبشر بنعمة قادمة، أثمن من الذهب.
يُدير سعد القرش رحلته بشكل جيد، رغم أنها رحلة لا رحيل فيها، ورغم أن شيئًا لا يحدث فى القارب الخشبى، ولكن العجيب أننا ننتظر هذا الشىء، نحب الشخصيات، ونتعاطف معها، ونجد فى أسئلتها ومناقشاتها التى تخاصم اليقين، أصداء لأسئلة مدفونة، ولذلك لن تكون تحولات النهاية مفاجأة كاملة، وخصوصا مع حضور اليخت العملاق دومًا فى خلفية الصورة، ومع انطلاق الشخصيات إلى آفاق أكثر حرية بالشراب والغناء.
لا يحاول الكاتب تجميل النهاية، ولا التهوين من المأزق، فما أسهل أن ينطلق القارب بأبطاله الأربعة، يخرج من خليج الرعب، إلى فضاء البحر والمحيط، وما أسهل أن يتفق الأربعة على رأى ساذج وبسيط، ولكن قانون الرحلة من البداية هو الصراع، وأساسها طرد الرجل الثرى للخادم أنيل بسبب قاربه، وعنوانها الجدل والبحث وليس الوصول.
كل شخص سيحتفظ برأيه ومعتقده، بأحلامه وأساطيره، والغرباء فى القارب ليسوا بمفردهم، سيخرج غرباء آخرون يطلبون العدل واليقين، لن يستوعب هذا الخروج إلا لوحة سيريالية هائلة.
«المايسترو» أمثولة تنقل أسئلتها إلى كل قارئ، تؤكد من جديد أشواق الإنسانية الأبدية، من أجل الوصول إلى اليقين والعدل والحب والسعادة والخلود والمعرفة، يبدأ الخلاص بالحب، وبالإحساس بالآخر، ولكنها مجرد بداية، فالطريق طويل، والوصول صعب، وقد لا نصل أبدًا، يكفى أن نسأل ونعمل، يكفى أن نخوض التجربة، انتظارًا لأن تكتمل النعمة الذهبية.

التعليقات