صناعة السيارات وحملات المقاطعة - مدحت نافع - بوابة الشروق
الجمعة 6 أغسطس 2021 2:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد الأداء المتميز.. هل يحقق منتخب اليد المصري ميدالية أوليمبية في طوكيو؟

صناعة السيارات وحملات المقاطعة

نشر فى : الثلاثاء 5 فبراير 2019 - 12:15 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 5 فبراير 2019 - 12:15 ص

بالتأكيد كلنا تابعنا حملة مقاطعة السيارات الجديدة «خليها تصدى» والتى أطلقها بعض النشطاء بسبب مغالاة مستوردى السيارات فى تحديد هامش الربح. على الرغم من كون هذه الحملة ليست جديدة، وأنها كانت حديث مواقع التواصل الاجتماعى منذ نحو عامين أو أكثر لكنها اليوم أكثر تأثيرا من أى وقت مضى. ارتفاع سقف التوقعات لدى المستهلكين على خلفية الجمارك الصفرية على السيارات الأوروبية المستوردة والتى اتضح وفقا لكثير من التصريحات المسئولة أنها لن تؤثر كثيرا فى الأسعار! على الرغم من كون النسبة الكبرى من سعر السيارة يتمثل فى الجمارك أو ما يجب أن نسميه الضريبة الجمركية والتى يعتقد المستهلك أن استبدالها بضرائب أخرى هو بمثابة تحايل على اتفاقات التجارة أو أن استمرار الأسعار المرتفعة سواء للسيارات أوروبية المنشأ أو تلك التى يجب أن تتأثر بالمنافسة ولو كانت من منشأ مختلف هو ببساطة تجسيد لطمع التجار الذين يريدون الحفاظ على أسعار المركبات عامة عند مستوى مرتفع خشية أن يتغير الاتجاه السعر price trend إلى الهبوط للمرة الأولى منذ عقود. لأن سابقة التحول فى اتجاه الأسعار سوف تكون قابلة للتكرار كما أن المرونة السعرية فى الاتجاه الهابط ستكون ملحوظة مع رفع القيود الجمركية.
المسألة لها عدة جوانب، فمن ناحية يتطلع مجمعو السيارات فى مصر سواء بطريقة CKD أو SKD (وهى مصطلحات يفهمها المختصون وتميز فقط فى نسبة المكون المحلى فى عملية التجميع) إلى درجة من الحماية الجمركية والتى يرى الكثيرون أنها لم تؤثر إيجابا على الصناعة المحلية بالشكل الذى يسمح لنا بتصنيع سيارة محلية ولو بنسبة ٥٠٪‏ (مع استثناءات قليلة فى بعض المركبات التجارية والنقل العام). من ناحية أخرى يرى مستهلك سيارات الركوب أنه يدفع ثمنا للسيارة أكبر من أى نظير له فى العالم، وأن الحماية المطلوبة لم تطور صناعة محلية كاملة للسيارات التى مازالت تنتج حتى يومنا هذا. النصر لصناعة السيارات كان لها تجارب ناجحة عبر تاريخها لتصنيع بعض الموديلات بنِسَب وصلت إلى ١٠٠٪‏ ! أى إن المحرك نفسه تم تصنيعه داخل الشركة مثال ذلك السيارة ١٢٥ ولكن إجمالى ما تم تصنيعه وتجميعه داخل النصر للسيارات لا يصل إلى ٤٠٠ ألف سيارة من مختلف الموديلات وعلى مدى حياة الشركة منذ نشأتها عام ١٩٦٠، وهو حجم تصنيع كان مناسبا لاحتياجات السوق المحلية ولم يكن يستهدف التصدير ويذكر كل بيت أن بعض موديلات السيارات كان يحجز مقدما قبل التسليم بشهور، كما أن مراكز الخدمة التابعة للشركة كانت تؤدى دورا مهما لخدمة ما بعد البيع.
***
الشركة تم تأسيسها ضمن مجموعة من الشركات الشقيقة التى تتكامل معها أفقيا ورأسيا مثل شركة النصر للمطروقات والتى تعمل اليوم لخدمة السكك الحديدية بشكل شبه حصرى. الملفت أن صناعة السيارات فى العالم من الصناعات التى يجب أن تقوم على سلسلة العرض supply chain حيث يتم تصنيع مكونات السيارة فى أكثر من شركة داخل الدولة على أن تتم عملية التجميع فى النهاية بنسب معنوية للمكون المحلى.
رفع القيود الجمركية على السيارات التى تعمل بالوقود الأحفورى (البنزين والديزل حتى الغاز الطبيعى) يجعل منافسة المنتج المحلى للشركات الكبرى ذات الإنتاج الضخم (ما يزيد عن ٥٠٠ ألف سيارة سنويا) شبه مستحيلة. اقتصاديا نصيب الوحدة المنتجة من إجمالى التكلفة يتجه إلى الانخفاض مع زيادة الإنتاج، ولا يتصور أن تنشأ صناعة محلية جديدة فى أى مكان بحجم إنتاج ضخم mass production إلا لو تمكن الصانع من تدبير عدد من عقود بيع مقدمة سابقة على عملية التصنيع، وهنا يأتى دور كبار المصنعين حول العالم لإنشاء صناعة جديدة فى دولة ناشئة، لاسيما لو كانت سوقها المحلية محدودة نسبيا.
الحوافز التى يتوقع أولئك المصنعون الكبار تلقيها من الدولة الناشئة تتراوح بين إعفاءات جمركية وضريبية على المكونات، وعقود شراء للهيئات والمحافظات والوزارات (يذكر أن سيارة رئيس وزراء مصر كانت فئات ١٢٨ تصنع بشركة النصر).. فضلا عن شروط تتعلق بالعمالة والطاقة الرخيصة وسعر الفائدة المنخفض على الاقتراض المحلى.
***
فى سياق متصل علت خلال الأسابيع الماضية صيحة السيارات الكهربائية وهى بالفعل مضمار يمكن لمصر أن تنافس فيه نظرا لكون صناعة هذا النوع من السيارات مازالت ناشئة وغير مستقرة فى الدول المتقدمة ذاتها وداخل المصانع العالمية الكبرى. المنطق المجرد ينظر إلى الأمر من زاويتين، إحداهما تدور حول تساوى الفرص بين المصنع الناشئ وذلك المتطور فيما يخص التعامل مع صعوبات صناعة البطاريات ومراكز شحنها ومختلف احتياجات البنية الأساسية لتصنيع مركبة تعمل بالطاقة الكهربائية. الزاوية الأخرى ربما تنظر إلى الأمر باعتبار تصنيع سيارات تعمل بالطاقة الكهربائية هو تطور يجب أن نصل له فى مرحلة لاحقة بعد تصنيع سيارة بمكون محلى يتجاوز ٤٠٪‏ وبالتالى فمن المبكر تصنيع هذا النوع من سيارات الركوب وأتوبيس النقل العام نظرا لأنه مازال يحظى بدعم كبير من الدولة ومازال المنتجون جميعا يحققون خسائر ولا يمكنهم الاستمرار دون هذا الدعم. الأتوبيس الذى يعمل بالطاقة الكهربائية مازال حلا أكثر عملية من سيارات الركوب نظرا لكونه يمر بمسارات معروفة ويمكن توفير محطات الشحن بشكل أفضل على طول المسار. لكنه بدوره يحصل إلى يومنا هذا على دعم خاص من الحكومة البريطانية على سبيل المثال نظرا لكون تكلفة التشغيل لهذا النوع من المركبات تزيد حاليا على ٣.٥ ضعف عن المركبات التقليدية، وهو ما يجهله الكثيرون الذين تصوروا أن تكاليف تصنيع السيارة الكهربائية capex أكبر من تكاليف التشغيل المقارنة opex وأن تلك المعادلة مقلوبة مع سيارات الوقود الأحفورى. ربما يصح هذا فى الأجل الطويل وبعد أن تستقر تلك الصناعة وهو ما لم يحدث حتى اليوم. لذا فإن كثيرا من مصنعى السيارات الذين اقتحموا مجال تصنيع السيارات التى تعمل بالطاقة المزدوجة hybrid أى بالوقود الأحفورى والكهرباء معا أو مجال تصنيع محرك يعمل بالكهرباء فقط لا يعتبرون خط الإنتاج هذا أساسيا ولا مستقرا، هو إذن خط إنتاج تجريبى الاستثمار فيه يكون أقرب إلى مخصصات البحث والتطوير.
كذلك يجب أن يستلهم قرار تصنيع مركبة تعمل بالكهرباء من استراتيجية تخطيط الطاقة. الطاقة الكهربائية التى يتم توليدها فى مصر مثلا تنتج بنسبة غالبة عن طريق الغاز الطبيعى والديزل الأمر الذى يجهل الكهرباء المنتجة رهنا بسعر ووفرة منتجات الوقود الأحفورى التقليدية بنسبة كبيرة، وهو ما يجعل التحول فى استهلاك منتج طاقة بديل محدود العائد الاقتصادى وإن كان العائد البيئى ملحوظا من حيث نظافة محركات الكهرباء وكذلك كفاءة المحركات فى زمن التسارع.
كذلك يجب الالتفات إلى مبادرة جيدة لتشجيع ثقافة ركوب السيارات الكهربائية من خلال إلغاء جميع الجمارك عليها، لأنها فى وجهها الآخر تؤثر على تجميع وتصنيع هذا النوع من السيارات فى مصر، حيث إن مكونات التصنيع يتم استيرادها بغير إعفاء ضريبى مناظر!
الحاجة ملحة لتنسيق استراتيجيات الطاقة والتصنيع خاصة الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة وتلك التى يقوم عنصر تشغيل المنتج فيها على وفرة بدائل الطاقة المختلفة. كذلك لابد من التوسع فى إنتاج بدائل الطاقة النظيفة لمزيد من الاعتماد عليها فى السنوات القادمة.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات