أحب توحدى - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 12:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


أحب توحدى

نشر فى : الخميس 5 يناير 2017 - 10:15 م | آخر تحديث : الخميس 5 يناير 2017 - 10:15 م
قبل نحو أربع سنوات ألفت كريستين بارنيت كتابا بعنوان «الشرارة»، والكتاب يحكى التجربة الشخصية لأم أمريكية مع ابنها المصاب بالتوحد وكيف استطاعت هذه الأم أن تكشف مكامن عبقرية ابنها أن تصله بمن يقدر عبقريته إلى حد أسلمه للقول «أحب توحدى فهو جزء من شخصيتى». لجأت الأم فى البداية إلى الأطباء المتخصصين لكنها لم تلمس تحسنا فى حالته بل وجدت ابنها وهو فى الشهر الرابع عشر يتوقف عن الضحك والكلام فقررت بينها وبين نفسها أن تبدأ معه أسلوبا علاجيا آخر اهتدت إليه بفطرتها كأم: أسلوب التركيز على ما يحبه تركيزا يصل إلى حد الإفراط، وأطلقت على هذا الأسلوب اسم Muchness.

لمست الأم فى ابنها جاكوب ولعه الشديد بعلم الفضاء فجارته فيما يحب. ولقد قرأت ما كتبته سارة همبسون عن تجربة هذه الأم مع ابنها فنجحت الكاتبة فى أن تجعلنى أعيش التجربة بكامل تفاصيلها. كانت كريستين تسافر مع ابنها إلى الريف حيث السماء صافية ليشبع من النظر إلى السماء فتنام وإياه على ظهر السيارة ويتأملان معا النجوم فى شغف، كان جاكوب صاحب ذاكرة فوتوغرافية ــ شأن كثير من أطفال التوحد ــ تكفيه نظرة واحدة للنجوم أو لنوافذ البيوت فى ناطحات السحاب حتى يحصى عددها. وكانت كريستين تصطحب طفلها إلى المحاضرات عن الفضاء فتنتشى وهى تجده يهتم ويبهر، ففى إحدى المرات سأل المحاضر عن سر الشكل البيضاوى للأقمار التى تدور حول المريخ ــ فلم يرفع يده إلا جاكوب. تعامل معه المحاضر باستخفاف أول الأمر، لكن الطفل فاجأه بسؤال لم يتوقعه عن حجم هذه الأقمار البيضاوية التى تدور حول المريخ فلما أجابه المحاضر مندهشا رد جاكوب: إذن فإن الحجم الصغير للأقمار وضعف تأثير الجاذبية هما السبب وراء عدم استدارتها. كانت الأم تجلس على مقربة من ابنها فى كل المحافل، عيناها جاهزتان للتفاعل مع عينيه متى احتاج إليهما فأطفال التوحد لا يندمجون اجتماعيا بسهولة.

***

أصيب ابنها الثانى بمرض عصبى عضال، وأصيبت هى نفسها بجلطة دماغية لكنها لم تترك جاكوب وحده، بل أخذت بيده وسارت معه، واستمعت باهتمام إلى أفكاره التى لم يكن يجد من يبثه إياها فى الليل، حتى إذا لمع نجمه كتلك النجوم التى تعلق بها قلبه وصار يشار إليه بالبنان ــ لا بل ويوصف ذكاؤه بأنه أحد من ذكاء أينشتاين، أدركت أنها نجحت وأن حدسها كأم كان أدق من كل ما جاء فى كتب الطب. أنشأت مركزا خيريا لعلاج الأطفال المصابين بالتوحد وذوى الاحتياجات الخاصة، وأطلقت عليه جاكوب.

***

كل أم لطفل متوحد هى كريستين أخرى تعلم أن ابنها حالة خاصة وله قدرات معينة إن هى طورتها اقتربت بابنها من بر الأمان حيث تتركه مرغمة حين تأتى ساعة الرحيل. حكت لى أم عن ابنها المتوحد وكيف أنه مغرم بتكوين الأشكال الهندسية من قطع المكعبات فملأت بيتها بهذه القطع وافترشت معه الأرض ليصنعا سويا البيوت والأهرامات. لم تدعه ينظر طويلا إلى مصدر الضوء ولا تركته يستسلم للأصوات التى تصطخب فى أذنيه ــ بل أخذته من دنياه المغلقة وراحت تغنى له ومعه وتطلب منه ما تشاء فلا يمتنع. وحكت لى أم أخرى كيف اكتشفت فى ابنها موهبة التمثيل فألحقته بإحدى الفرق الفنية ليظهر اهتماما كبيرا بحضور البروفات ويؤدى فيها أداء جيدا حتى إذا عاد إلى المنزل نام هادئا قرير العين.

قبل عدة أيام حضرت مسرحية بعنوان «مصر الجميلة» لفرقة الشكمجية التى كتبت عنها قبل أسبوعين، وهى فرقة جميع أبطالها من ذوى الاحتياجات الخاصة. قدم عرض التنورة شابان فتيان مصابان بإعاقة فى النطق والسمع، وقامت بدور المذيعة صيدلانية مصابة بشلل رباعى، وشارك أكثر من طفل مصاب بالتوحد وبمتلازمة داون فى الغناء والتمثيل ومن هؤلاء صبية فى حدود العاشرة من عمرها حباها الله بصوت قوى راحت تنشد «أنا لحبيبى وحبيبى إلى» رائعة فيروز، حتى إذا جف حلقها أثناء العرض كانت أمها إلى جانبها تروى ظمأها، والحق أن كل الأمهات كن إلى جانب أبنائهن يشرفن على الصوت والإضاءة والديكور والملابس ويؤدين بعض المشاهد التمثيلية، كان فيهن المنتقبة وكانت منهن أم جرجس، والرسالة واضحة.

***

دور الأم إذن مطلوب وأساسى ومصدر لشحنة حب ودعم لا يمكن تصور الشفاء من دونها، لكن هذا الدور وحده ليس كافيا فلابد من مؤسسات تعليمية تعززه وتخرج من كل أصحاب الاحتياجات الخاصة أفضل ما فيهم. نعم نبغ جاكوب لأنه يملك الموهبة ولأن من ورائه أمه كريستين التى تركت العالم كله من أجله، لكنه تألق وأكمل مشواره لأن جامعة إنديانا احتضنته وهو دون العاشرة، ولولا هذا الاهتمام المؤسسى لظل جاكوب مجرد طفل عبقرى له ذاكرة فوتوغرافية. حكت لى أم لشاب مصاب بالتوحد كيف أن المسئولين فى التأمين الصحى قدروا ذكاء ابنها بنسبة ٣٨٪‏ وهى دون النسبة اللازمة لالتحاقه بمدارس التربية الفكرية وحاولوا إقناعها بأنه لا مستقبل تعليميا لابنها فلم تقتنع، عاودت عرض ابنها على جهتين أخريين فقدرتا نسبة ذكائه بما يفوق ٦٠٪‏ فألحقته بالمدرسة ثم بمعهد للتربية الفكرية، لكن ماذا لو استسلمت الأم وأحبطت؟ يفتح هذا السؤال ملف نقص التخصص فيمن يتعاملون مع ذوى الاحتياجات الخاصة، كما يفتح ملف الترفع عن إدماج المتوحدين بشكل خاص فى التعليم الحكومى بل وغير الحكومى أيضا، هذا فضلا عن ملف الدمج التعليمى الخاطئ للمتوحدين فى الحالات التى يتم فيها الدمج، فالمتوحدون لا يشبهون سواهم من ذوى الاحتياجات الخاصة بل لا يشبهون بعضهم البعض بالضرورة، وإهدار الفروق بين الحالات المختلفة يعنى إهدار الفرص المتاحة للتطور.

***

ستبقى مسئولية الطفل المتوحد مسئولية الأم نعم لكن الدولة بإعلامها وتعليمها ومؤسساتها هى التى تفتح الأبواب الملكية لعبور أمثال جاكوب إلى العالمية وتحببهم فى توحدهم، أو هى التى تغلق الأبواب فى وجوههم وترفع شعار «ذكاؤكم دون المستوى» فتتركهم وأهليهم أمام خيارات تتنافس فى البؤس والقسوة معا يدارون توحدهم ومنه يخجلون.
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات