لا يجب أن نخشى السعادة - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 16 مايو 2021 2:01 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


لا يجب أن نخشى السعادة

نشر فى : الأحد 4 نوفمبر 2012 - 8:30 ص | آخر تحديث : الأحد 4 نوفمبر 2012 - 8:30 ص

فى أسبوع واحد أعلنت وسائل الإعلام خبر وفاة الموسيقى البارز جيلبرتو جيل عن عمر يناهز السبعين عاما، ثم نشرت استطلاعا للرأى يفيد اختياره كأكثر رجال العالم جاذبية، هذا قدر «تويتر» يحيى ويميت وهو على كل شىء قدير... وكان الموقع الاجتماعى قد تناول يوم الأحد الماضى نبأ موت المغنى الأسمر الذى شغل منصب وزير الثقافة فى بلاده ما بين 2003 و2008، وبعدها تم تكذيب الخبر، وجاء فى عدد نوفمبر لمجلة «جلام ماج» ( Glam mag) أن القراء صوتوا له باعتباره أشد الرجال وسامة للعام الثانى على التوالى.

 

ومن ناحية أخرى ترددت شائعات عن أنه فى انتظار مولود جديد. طبعا هنالك مجال لتوجيه النقد للإذاعات والصحف التى سارعت بنقل المعلومة عن تويتر دون التأكد منها على الفور، وقد تكرر ذلك فى الآونة الأخيرة، بل أصبحت تلك الطريقة فى اعتبار المواقع الاجتماعية مصدرا أساسيا للأخبار شكوى دائمة للمراسلين والصحفيين المخضرمين الذين تعودوا تقاليد أخرى للمهنة..

 

مجرد ملحوظة على الهامش أردت الإشارة إليها قبل الحديث عن جيلبرتو جيل ومشروعه الثقافى الذى حقق قدرا وافيا من اللا مركزية ونشر المعرفة.. هذا الرجل الاستثنائى، الذى تربع على عرش الموسيقى منذ ستينيات القرن الماضى، تنازل عن الوزارة بكامل رغبته لأنه يفضل التفرغ للغناء الذى يستمتع به ويحبه كل الحب، خاصة بعد أن أصدرت لجنة «الأخلاقيات» الحكومية قرارا بمنعه من الغناء طالما هو فى الوزارة، فقد ضج البعض بمنظر جيل وهو يغنى أثناء ممارسة مهامه السياسية كما فعل عند استضافته لكوفى أنان أو كونداليزا رايس. عندما أتى الرئيس لولا دا سيلفا إلى السلطة أراد أن يعطى بُعدا اجتماعيا لحكومته، فأتى بجيلبرتو جيل الذى كان يناضل فى صفوف حزب الخضر، بل وسجن فى أواخر الستينيات لأن موسيقاه أثارت استياء الديكتاتورية العسكرية الحاكمة آنذاك، وهو فى الأساس ينتمى لأسرة من طبقة «العبيد الأفارقة»...

 

●●●

 

المغنى الدارس لعلوم الإدارة زاد من ميزانية الثقافة واتبع برنامجا للثقافة الحية يهدف إلى خلق «نقاط للإشعاع الثقافى» (puntos de cultura ) متباينة الأحجام بحسب الجهة الجغرافية واحتياجاتها، للتوصل إلى توازن معين بين أغنى وأفقر المناطق، وذلك بالتعاون مع المجتمع المدنى والمبادرات المستقلة الموجودة بالفعل.

 

المشروعات التى يتم اختيارها بواسطة لجنة متخصصة ومن خلال المناقصات تحصل على بعض المعدات البسيطة ودعم مادى لمدة ثلاث سنوات، بعدها يسمح إدراجها ضمن «نقاط الثقافة» بالتوجه لمصادر تمويل أخرى. وقد استلهم جيلبرتو جيل الفكرة من وحى نوع من المساج الخاص بشمال الهند، حيث يتم تدليك نقطة محددة فى الجسم حتى تنطلق الطاقة للنقاط الأخرى.. وهكذا وصل عدد نقاط الثقافة حاليا عبر البرازيل إلى أكثر من 3 آلاف نقطة، من بينها 126 نقطة أساسية، وتهدف خطة العمل للفترة 2011 ــ 2020 إلى الوصول بهم إلى 15 ألف نقطة تشمل أنشطة مختلفة كالسينما والمسرح والفيديو والموسيقى والرقص والتراث الشفهى والتعليم الشعبى، وكانت الميزانية المخصصة لبرنامج الثقافة الحية ككل بين 2004 و2009 أكثر من210 ملايين دولار، بواقع 34 ألف دولار لكل مشروع.

 

●●●

 

طبيعة البرازيل كدولة فيدرالية قائمة على تشابك الدوائر المالية والسياسية، الحكومية وغير الحكومية، وعلى تعدد مراكز السلطة (حكومة مركزية، وحكومة لكل ولاية، وحكومة لكل مقاطعة أو بلدية)، جعلت فكرة اللا مركزية من أهم ركائز التنمية منذ الخمسينيات، حتى فى ظل الديكتاتورية العسكرية استمر مثلا تطبيق «منهج تعليم المقموعين» خلسة فى الأحياء الفقيرة والعشوائية... مما ينم على رغبة ملحة فى تبادل المعلومات والتشارك فى المعرفة وتثقيف الناس بعضها البعض لتحقيق مفهوم المواطنة.

 

ومن خلال المؤسسات المختلفة والحركات الاجتماعية تم غرس مفاهيم الديمقراطية وثقافة المشاركة، وكأن المدينة الفاضلة أصبحت حلما واردا تحقيقه على يد الأفراد، فكان مثلا شعار حزب العمال (حزب دا سيلفا الذى أسس فى عام 1979): «لا يجب أن نخشى السعادة»!، هى فى متناول الجميع، دون إقصاء، فدستور 1988 ينص على تحقيق النماء الكامل للشخص وإعداده لتحقيق المواطنة، ومبادرة جيلبرتو جيل الثقافية تقوم على فكرة التشارك فى الإدارة بين الحكومة والجماعات المحلية الشديدة التنوع. من السهولة بمكان نقل تجربة البرازيل إلى دول أخرى، وقد سارت بعض الدول بالفعل على خطى العم جيلبرتو جيل كإيطاليا وإنجلترا والأرجنتين وأرووجواى وباراجواى، فهى شعوب وحكومات لا ترفض السعادة، ولا تلغى برامج كاملة للتنمية لمجرد تغيير الوزراء.

 

 

 

 

التعليقات