الموت حباً - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 1:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الموت حباً

نشر فى : الخميس 4 أكتوبر 2018 - 11:10 م | آخر تحديث : الخميس 4 أكتوبر 2018 - 11:10 م

لأنه عاش قرابة مائة عام فإن أجيالا متتالية تربت على صوته وحفظت كلماته ومنهم هؤلاء الذين هم اليوم في سن المراهقة ، فشارل أزناڤور كان قادرًا دائما على أن يعبّر عن المشاعر الإنسانية بمفردات العصر فإن أنت سمعته تخيلت أنك هو أو أنه أنت . مثله مثل داليدا كانت جذوره غير فرنسية، هو ولد في فرنسا لأبوين أرمنيين فلما اشتهر تغير اسمه الأول من شهنور إلى شارل واسمه الثاني من أزناڤوريان إلي أزناڤور ، وهي ولدت في مصر لأبوين إيطاليين فلما اشتهرت تغير اسمها الأول يولاندا إلى دليلة ولما اشتهرت أكثر تحولت إلى داليدا .عانى أزناڤور في طفولته وشبابه وغنى في الملاهي الليلية حتى التقطته مغنية فرنسا الألمع إديث بياف فانتقل من حال إلى حال، وعانت داليدا معاناة مركبة: في القاهرة حيث ولدت وفي فرنسا التي هاجرت إليها. لم ينس أزناڤور أصوله الأرمنية أبدا، وعندما أتيحت له الفرصة كي يعني بالمهاجرين الأرمن إلى فرنسا لم يتردد، وظلت داليدا تفاخر بشبراويتها حتى بعد أن صارت نجمة فرنسية شهيرة جدا وتغنت حبا لمصر بواحدة من أروع أغانيها "حلوة يا بلدي". تزوج شارل أزناڤور ثلاثا وارتبط عاطفيا بعشرات فسعد وشقي، وتزوجت داليدا أيضا وأحبت فعاشت أياما بمذاقات مختلفة حلوة ومُرّة .
***

هذا المقال بدايته غريبة فالأصل فيه أنه عن سيناترا فرنسا أو شارل أزناڤور الذي غادرنا قبل أيام، فما استحضر ذكرى داليدا التي فارقت دنيانا قبل ثلاثة عقود؟ استحضر داليدا أنه رغم كل عوامل التشابه بينها وبين أزناڤور فإن نهايتهما كانت مختلفة، وسر الاختلاف يكمن في شخصية أزناڤور القوية والمحبة للحياة إلى المدى الأبعد. لم تحتمل داليدا الصدمات العاطفية التي واجهتها فماتت منتحرة في عام ١٩٨٧ تاركة وراءها رسالة تقول "سامحوني الحياة لم تعد تحتمل"، أما أزناڤور فقد واجه أعنف صدمة يمكن لمخلوق أن يواجهها عندما فقد ابنه الشاب على أثر أزمة قلبية، وليس بعد فقد الابن فقد. كان أزناڤور محبا للأبناء حتى أنه حين رفضت إحدى زوجاته أن تنجب حرصا على قوامها لم يحتمل، انفصل عنها وقال: كيف يمكن أن تحتفظ بشجرة ترفض أن تحمل ثمارا؟، هذا الرجل المحب للأبناء تعايش مع موت ابنه فقاوم واستمر. ولم يكن لأزناڤور نصيب من عناصر الجاذبية التي كانت تتميز بها داليدا ومع ذلك فرض صوته، إنه شخص غير وسيم قصير القامة، أقنعته إديث بياف بأن يجري عملية تجميل في أنفه.. وعندما انتظر منها كلمة إعجاب بعد فك الأربطة فاجأته بقولها "كنت أحب أنفك السابق أكثر"، ومع ذلك تقبل بأريحية فشل عملية التجميل. تعرض أزناڤور للنقد فلم ينهزم أمامه بل طوّر نفسه ونقل خبرته لآخرين، فعندما أحبطت قسوة النقد زميله المطرب ميشال ساردو زاره أزناڤور في المسرح وأهداه كتابا فيه كل الانتقادات التي وُجِّهت له شخصيا وابتسم قائلا : "لتقرأ هذا الكتاب في المساء وغدا ستكون أفضل".
***
كان أزناڤور إذن متفائلا ومحبا للحياة حتى النخاع ، ظل يغني ما أمكنه ذلك فقد كان يعتبر أن سكوته والموت سواء، صلاح چاهين كان قد عبّر عن هذا المعنى في إحدى رباعياته مخاطبا العندليب بقوله "الغنوة مش حاتموتك.. إنما كتم الغنا هو اللي حايموتك ". بطبيعة الحال كان چاهين يقصد السكوت خوفا وكان أزناڤور يقصد السكوت مرضا، لكن السكوت هو السكوت. هكذا تألم أزناڤور جدا حين ألغي حفلة غنائية كانت تنتظره في شهر أبريل الماضي وتألم مجددا حين ألغي حفلة أخرى في شهر مايو، لكن ما باليد حيلة فقد أصيب بالتهاب رئوي قبل الحفلة الأولى وأصيب بكسر في ذراعه قبل الحفلة الثانية. لكن رغم ذراعه المكسور قاده حبه للحياة إلى رحلة خارج فرنسا أظنها كانت لليابان، وكان يعد لرحلة أخرى يزور فيها الولايات المتحدة لكن الموت أعاد ترتيب أچندته وغيّر وجهته.
***
كان أزناڤور شديد الصدق في المشاعر التي غنى لها، عندما يكتب مطرب كلمات الأغاني التي يشدو بها يتقمصها أكثر، وفي هذا قال واحد ممن رثوه " إنه يحيي القصص ويصهر قلوبنا "، وقال آخر "إنه يضع نفسه في جلد الآخرين ويكلمنا في آذاننا". و بالنسبة لنا نحن النساء فقد كنا نشعر أنه يضع نفسه في جلدنا تماما، كأنه نزار آخر أو إحسان آخر يعيش في عاصمة النور. لكن لأنه كان يحب الحياة بشدة ففي كل مرة كان يعبر عن الانكسار كان يُوْجِد لنا مخرجا من محنتنا ويجبر كسرنا. في أغنيته الأقرب إلى نفسي "الموت حبا" نجده يعلن فشل حبه لكنه يخرج من تجربته مرفوع الرأس.. منتصرا من هزيمته.. يقلب الأوضاع رأسا على عقب كما يقول. وفي أغنيته "لابد أن نعرف" نتبين أن ما يجب أن نعرفه هو الدمع كيف نخفيه .. وماء الوجه كيف نحفظه.. وقناع المشاعر كيف نُحكِمه. وفي أغنيته عن "البوهيمية" نلقاه يحكي عن معاناة البدايات الأولى لرجل وامرأة أو لرسام وموديل، متعبان كانا لاشك في ذلك ومحرومان أيضا كانا كذلك.. يجوبان الشوارع والحانات ويشتريان الوجبة بلوحة، لكنهما أبدا لا يفقدان الأمل .
***
هذا هو شارل أزناڤور الذي وصف نفسه وصفا شديد البلاغة والبساطة معا " أنا لست قديما .. أنا مسّن وهذا غير ذاك "، أزناڤور الذي غنّى لباريس في شهر مايو حيث الربيع يهّل ورائحة العشب تفوح والبراعم تتفتح ، هذا هو يغادر الحياة في الخريف نائما هادئا مبتسما وربما حتى متفائلا .

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات