تحفة «شاهين» و«جاهين»! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 21 نوفمبر 2019 11:27 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

تحفة «شاهين» و«جاهين»!

نشر فى : الخميس 4 أكتوبر 2018 - 11:10 م | آخر تحديث : الخميس 4 أكتوبر 2018 - 11:10 م

شاهدتُ فيلم «عودة الابن الضال» لأوّل مرة فى جامعة القاهرة بحضور يوسف شاهين وسهير المرشدى فى الثمانينيات، لم ألحق عرضه الأول فى السبعينيات، فقد كنت وقتها تلميذًا فى نهاية المرحلة الابتدائية بالصعيد، ولم أشاهد عرض الفيلم التليفزيونى الأول، لعلِّى نمتُ مبكرًا يومها، وأعتقد أنهم عرضوه مرةً واحدة لم تتكرر، ولا بد أنهم فتكوا بالنسخة المعروضة بترًا وحذفًا، فما زلتُ أرى الفيلم من أجرأ أفلام شاهين على كلِّ المستويات، شكلًا ومضمونًا، ولم يتغير هذا الرأى مع مشاهدتى الأحدث الفيلم، فى مهرجان زاوية لنسخ أفلام شاهين المرممة.
«عودة الابن الضال»؛ هو الجزء الثالث من ثلاثيةٍ أَطلقتُ عليها «الحساب مع الآخر»، بدأت بفيلم «الاختيار» الذى يحاكم المثقفين، ثم فيلم «العصفور» الذى يتأمل أسباب كارثة يونيو، ثم «عودة الابن الضال» الذى يمكن أن يُقرأ من عدة زوايا؛ أوضحها الإقرار بفشل جيلين سابقين، بعد محاكمة قاسية للغاية، والانحياز بدلًا منهما لجيلٍ شاب قادم..
يُقال ذلك، صراحةً، من خلال أسرة محمد مدبولى (محمود المليجى)، وزوجته (هدى سلطان)، هذا هو الجيل الأول، يليه الجيل الثانى الذى يمثله الابن طُلبة (شكرى سرحان)، والابن العائد على (أحمد محرز)، وابنة الخالة المنكوبة فاطمة (سهير المرشدى). أما جيل الأحفاد فيمثله إبراهيم (هشام سليم)، وحبيبته الشابة تفيدة (ماجدة الرومى).
موقف الفيلم واضح وصريح: لا أمل فى إصلاح ما انكسر فى أسرة مدبولى: الجد متفرج، والجدة متورطة، ومتسترة على المأساة، وطلبة مغتصب، وفاطمة دمرت جسديًّا ونفسيًّا، وعلى لم ولن يستطيع أن يكون مخلّصا للآخرين من مشاكلهم، أقصى ما يفعله أن يثور بأثر رجعى، وكأنه ينتقم ممن ظلموه، «هاملت» معاصر فى تردده وإحساسه العميق بالفشل.
كان يمكن أن يترجم الفشل فى شكل جمل حوارية فحسب، أو يتم الاكتفاء باغتصاب فاطمة، ولكن الفيلم يقدم فى نهايته مشهدا مُروعًا لأسرة تصفّى بعضها البعض، وكأن الماضى ينسحق ويأكل بعضه، ليفتح الباب لإبراهيم وتفيدة للهرب إلى الإسكندرية؛ مدينة شاهين المعشوقة التى تعادل فى أفلامه كل ما هو جميل وحرّ ومتسامح.
الجد العاجز سيقول لهم اذهبوا، والمذبحة تضرب إحدى أيقونات السينما، وهى الأسرة، فى الصميم وبلا رحمة، الماضى فى الفيلم متعفن وفاسد، أو عاجز وفاشل، ولا حل إلا بإزاحته، ليتنفس المستقبل، من خلال إبراهيم الحالم، وتفيدة العملية، هما يكملان بعضهما، وبينهما حب يحطم الصخر.
لا تسليم الجد الخاتم لابنه على نَفَخ فى صورة الابن، ولا تسليم الجدة فستان الزفاف القادم من الماضى، أنقذ فاطمة من المصير، الفيلم يودع كل الأشباح الماضية، يحرقها حرقا، حتى لو اختلطت فيها الأحلام الجميلة، بالخيبات العظيمة، الفيلم فى جوهره عن مفترق طريق لشخصياته، وللوطن كله: الطريق القديم فى «ميت شابورة» لم يعد يصلح، والماضى لا يثقل الحاضر فقط، ولكنه يريد تدمير المستقبل، ووأد أحلام الجيل التالى، وعودة على كانت الفرصة الأخيرة، التى أجّلت الانفجار، ولكنها أبدًا لم تمنعه.
عظمة المعالجة فى أنها تنتقد ضمنيًّا جيل مؤلفى الفيلم صلاح جاهين، ويوسف شاهين، إذا كان على هو اليسارى الخائب، الذى تحولت أحلامه فى التغيير إلى سراب، وهو الذى كان ولا زال يرى فى عبدالناصر الفارس والزعيم (الفيلم يجعل عبدالناصر شخصيًّا وراء الإفراج عن على بعد خطابٍ أرسله له من السجن، ويتضمن الفيلم مشاهد حقيقية صوّرها شاهين لجنازة عبدالناصر)، فإن على يتجاوز شخصه، لِيعبِّر عن جيل الأحلام الكبرى، والخيبات المريرة.
أى إنه يعبر بالضرورة عن جيل «شاهين وجاهين»، والاثنان ساهما بجدارة فى دعم الحلم الناصرى (راجع أغنيات جاهين لعبدالحليم، وراجع فيلم «الناصر صلاح الدين» لشاهين)، لذلك يمكن القول إن تصفية الحساب مع الآخر، قد تضمنت هنا مراجعة الذات وأخطاء الجيل والذات، وإن كانت المراجعة هنا تقف فى المنتصف:
الفرد ممثلًا فى على يفشل فى أن يصلح كل شىء، ولا يستطيع أن يحل مشكلات أمة، هذا معنى خطير وواضح، ولكن عبدالناصر سيظل فردًا عشقته أمة، ووضعت آمالها عليه، وها هى تشيعه فى جنازة أسطورية، بل إن موت ناصر يكاد يؤشر إلى فشل على القادم، وهو فشل مهول ومروّع.
«عودة الابن الضال» لا يحاكم أجيالًا سابقة فحسب، ولكنه يسخر من فكرة الانتظار السلبى، وهو يرفض كذلك الأحلام التى لا تساندها إرادة فعل وتغيير، هناك أيضًا إشارة إلى ما انتهت إليه التجربة:
العمال فى مهبّ الريح، وطُلبة الذى ورث الخواجة لم يصبح رأسمالية وطنية، صار مستغلًا ومغتصبًا، بل إن الثروة نفسها (أرضًا ومالًا) فى مهب الريح، والكاوبوى الأمريكى على حصانه، ينهى أغنية «الشارع لنا»، ويعيد الجميع إلى الشقوق، ميت شابورة وصلت إلى الحافة، وجاءت القارعة من بيت مدبولى بأجياله وتناقضاته وصمته على الاغتصاب القديم.

التعليقات