أفغانيات مغمضات العينين - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 8:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

أفغانيات مغمضات العينين

نشر فى : السبت 4 سبتمبر 2021 - 7:00 ص | آخر تحديث : الأحد 5 سبتمبر 2021 - 11:29 ص

كأنهن يرقصن فى سماء كابول.. النساء اللائى ترسمهن فنانة الجرافيتى الأفغانية، شمسية حسانى، منذ العام 2010، بلباسهن التقليدى الأزرق، صار لديهن الحرية فى أن يَجُبْن العالم بخلاف مثيلاتهن فى الواقع. وسائل التواصل الاجتماعى أعطتهن هذه الفرصة، خاصة أن صفحات الفنانة على تويتر وفيسبوك وإنستجرام يزيد عدد مشاهديها كل يوم. دأبت أول رسامة جرافيتى أفغانية على تمثيل نساء بلادها فى لوحاتها منذ احترافها لهذا الفن عقب ورشة فنية شاركت فيها عام 2010، من وقتها أخذت تعبر عن مشاعر هذه المرأة التى تقف وحيدة فى اللوحة ومعالم كابول فى الخلفية، تحلق أحيانا، تخترق جدارا قديما، أو تعزف على البيانو والجيتار، لتبوح الموسيقى بأكثر مما تريد أن تقول. تعمدت منذ ذلك الحين أن تتبوأ النساء صدر اللوحة وتكون أحجامهن مبالغا فيها حتى تعكس واقعا مختلفا تسعى فيه الفتيات لأن يكون لهن صوت مسموع، بعد أن ظللن حبيسات المنازل خلال فترة حكم طالبان ما بين 1996 و2001.
وفى الآونة الأخيرة بعد أن سيطرت حركة طالبان على المدينة المنكوبة وغيرها من المناطق، ارتعب البعض أن تختفى شمسية حسانى، ابنة الثلاثين، إلا أنها استمرت فى نشر لوحاتها.. تحتجب أحيانا لأيام ثم تعاود الظهور من خلال الإنترنت. النساء المبرقعات، المتشحات بالأزرق ومغمضات العينين كالعادة، يعشن «الكابوس» كما عنونت الفنانة إحدى لوحاتها. استلهمت فكرتها غالبا من عمل معروف لرسام الجرافيتى الإنجليزى الشهير، بانكسى، «فتاة البالون» التى صور فيها فتاة صغيرة يفلت بالون أحمر اللون من يدها، كما لو أن المرأة الأفغانية تحاول هى الأخرى الإفلات بحريتها وأحلامها التى تطير وتذهب أدراج الرياح. مقاتلو طالبان الذين يقفون فى الظلام، خلف البطلة ذات الرداء الأزرق، قد يهمون بالانقضاض عليها فى أى لحظة، ويأتى عنوان اللوحة صارخا من القلب «الموت للظلام». بقع اللون الأحمر تلطخ اللوحات أحيانا، وفى مرات أخرى تبدو المدينة من خلفها كأطلال بالأبيض والأسود.
***
شمسية ولدت فى إيران عام 1998، حيث ارتحل أهلها طلبا للجوء بعد الغزو السوفيتى لأفغانستان. كبرت ودرست المحاسبة فى طهران، لكن كان لديها قناعة أنها ستصبح يوما فنانة تشكيلية وهو ما سعت لتحقيقه بالفعل عند عودتها لبلادها سنة 2005، حين التحقت بكلية الفنون فى جامعة كابول وتخصصت فى فن النحت وانضمت فيما بعد لطاقم التدريس. وبعد أن ذاع صيتها كفنانة جرافيتى تعرض أعمالها فى مختلف أنحاء العالم ويتم دعوتها للحديث فى المحافل الدولية أرادت أن ترسم صورة مختلفة لأفغانستان خارج نطاق الحرب والإرهاب والصور النمطية التى تسيطر على الإعلام، فكانت لوحات الشابات المبرقعات اللاتى ابتعدن عن مظاهر الضعف، بل كان لديهن القدرة على خرق الجدار وكسر الصمت، بعضهن ينتمين لنسبة النساء الأفغانيات المتعلمات التى لا تتجاوز 18 % من حجم السكان، وبعضهن يحلمن فى البيوت، وأخريات من بنات جيلها احترفن الموسيقى والسينما مثل المخرجة شهربانو سادات التى ولدت أيضا فى طهران عام 1991 وقررت العودة لكابول فى سن الثامنة عشرة وإنتاج أفلام تحكى واقع المرأة أو مغنية الراب سونيتا عليزاده، وهى من مواليد هرات بأفغانستان عام 1996 فى ظل نظام طالبان. كانت هذه الأخيرة على وشك أن يتم تزويجها وهى فى العاشرة من عمرها، لكنها رفضت وهربت مع عائلتها إلى طهران، وهناك منحتها منظمة غير حكومية حق الوصول إلى التعليم واشتغلت كعاملة نظافة، حتى اكتشفت بالصدفة مغنى الراب الأمريكى إيمينيم وقررت أن تكتب وتغنى لكى تروى قصتها وتندد بالزواج القسرى، وهى تعيش حاليا فى الولايات المتحدة الأمريكية، رغم ضلوع واشنطن فى مأساة بلادها.
***
لا نعلم ما سيكون مصير هذا النمط من النساء اللائى استمرت شمسية حسانى فى رسمهن ولا مصير ائتلاف «برنج» الذى شكلته ليضم مجموعة من أبرز الفنانين. نسمع حكايات مختلفة فى الصحف عن القاضية التى حرقت أوراق ثبوتيتها حتى لا يُكتشف أمرها وتعاقب على أنها ضمن 270 قاضية أفغانية، ونلمح مخرجة شهيرة ضمن من تكدسوا على متن طائرة عملاقة للهروب مع ابنتها وكأننا فى سيناريو حديث لقصة سفينة نوح والطوفان.
شمسية تختبئ حتى الآن بمرسمها الخاص فى مكان ما فى كابول وترسم ما يجرى على طريقتها. لم تكن مهمتها أبدا باليسيرة حتى قبل رجوع طالبان إلى الحكم، فالضغط المجتمعى لم يكن يسمح لها بالتجول فى المدينة حيثما شاءت، بل كانت حركتها دوما محسوبة بدقة. تنزل مرة أو مرتين فى الشهر إلى الشارع لكى ترسم. تتسلل ومعها ألوانها. تنفذ لوحاتها خلسة على الجدران، لكنها كانت تخشى بطش ورقابة المواطنين أكثر من الشرطة. لذا ابتدعت ما أطلقت عليه «جرافيتى الحلم» الذى يمكنها تصميمه دون الخروج من الاستوديو، وذلك من خلال استخدام صور رقمية للمدينة ومعالمها ترسم عليها شخصياتها لتقول ما تقول.
الأفغانيات صرن مثل طيور السنونو المهاجرة التى تفضل الجوع على التهام فرائس لا تروق لها، وشمسية حسانى وزميلاتها يرغبن أن يكن مثلا هذه الطيور التى تبشر بقدوم الصيف بألوانها الجذابة، عسى أن يأتى الصيف القادم بأفضل مما جاء به الحالى.

التعليقات