ترحل إلى الوطن أو خارج الطائفة - خولة مطر - بوابة الشروق
الخميس 24 يونيو 2021 4:20 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

ترحل إلى الوطن أو خارج الطائفة

نشر فى : الثلاثاء 4 سبتمبر 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 4 سبتمبر 2012 - 8:00 ص

 هى السابعة والنصف صباحا.. فيروز لم تغرد بعد ولكن تأتى تغريدة صديقتى قبلها.. من هناك حيث الوقت فجرا أو قبله بقليل وبها كثير من الغضب والألم.. كنت أحسبها تجلس على ضفاف الأنهر والبحيرات فى مدن اوروبية مختلفة تبعد بعض الشىء عن هم الوطن.. ربما هو الوهم ان تبعد فيلتصق بك الوطن أكثر.. صديقة منذ سنين العمل الطلابى وسنوات العمل السياسى.. كلما فرقتنا الدروب جمعنا الوطن مرة أخرى.. لم نعرف أى منا تنتمى إلى اى مذهب أو طائفة سوى طائفة الوطن.. كنا نقول معا عندما نسأل «نحن بحرانيات» حتى هذه الصفة اصبحت اليوم مذهبية حتى النخاع.. بحرانية أو بحرينية؟ ولا علاقة للقواعد اللغوية أو أصول العربية بها هى فقط تصنيف حسب الطائفة التى هربت هى منها لتبحث عن عيد آخر.. هى وأنا خرجنا من غرفة الطائفة المظلمة وأوصدنا الباب خلفنا بشدة أو ربما هكذا نتصور!

 

●●●

 

فى العيد تبدو العودة إلى قلب الوطن هى الفكرة الاكثر سيطرة.. كلما اقتربت منه ابتعد عنك أكثر.. كان يسكننى فى القاهرة أكثر لأنه ربما لا تزال صوره الجميلة هى المخزنة فى عمق الذاكرة.. فى الطريق إليه تتداعى الصور.. رائحة كعك أمى فى صباحات العيد الأولى، والأطفال يطرقون بابنا أو نحن نطرق أبواب بيوتهم.. مرددين «عيدكم مبارك عساكم من عواده» وينتظرون بصبر الطفولة الصغير كما هم بالحصول على قطع من الروبيات (هى عملتنا حينها قبل ان تتحول إلى الدينار).. تبدو أيديهم أصغر وأنعم من أن تحمل تلك القطع المعدنية.. والزيارات المستمرة من ساعات الصباح حتى أول الليل.. وكثير من رائحة الهيل والزعفران المنقوعان فى قهوة أمى وحلوياتها.. صور الذاكرة للعيد ملونة برائحة الفرح الطفولى فى دواعيس (أزقة) المحرق والمنامة.. بعد رحيلها وأبى، لم يبقى سوى الوطن.. هو الوطن المنقوع فى الحرف والفكرة الأولى.

 

كل تلك الصور تزدحم حتى تتلاشى فى أول لحظة من حضور الوطن الجغرافى وليس الذهنى والعاطفى. هناك وطن يسكن القلب وهناك قلب يسكنه وطن!

 

●●●

 

صديقتى الراحلة مؤقتا كانت غاضبة جدا من إعلام الطائفة.. ذاك الذى ومنذ أن تحول إلى إعلام الكراهية ونبذ الآخر والتشهير اتخذت القرار الأصعب على صحفية ألا ألوث أيامى به.. أحببت أن أبقى على صورة ذاك الإعلام الذى كان على أيدى رجال ونساء بحجم تلك الجزيرة الصغيرة جدا إلا بأهلها ومواطنيها.. ذاك الذى حول كل مواطن «ليس معى» فهو بداخل الدائرة وراح يرسم الدوائر ويسقط الوجوه بها واحد تلو الآخر.. هو الذى طارد الجميع دون استثناء وراح ينبش فى النوايا والنفوس وابتعد عن الحقائق والأرقام.. فيه تحول الخبر إلى خبر عنى أو بث الكراهية للآخر وإطلاق التسميات والشتائم.. بعض الكتبة فيه تصوروا أن هذا هو الإعلام وتلك هى الصحافة فتلونت العناوين بلون الطائفة، وأصبحت أعمدة الرأى تبث الكثير من السم دون الحاجة حتى إلى قطرة عسل من الموضوعية.. إعلام ينبذ الآخر الذى ليس أنا فقط.. إعلام يردد تعابير لم يعرفها وطنى قبل وها هى تدخل على قاموس اللهجة المحلية بقوة حتى راح يرددها أطفال الطائفة أيضا.. نعم هناك أطفال للطائفة يرقصون حولها بالسيوف والخناجر يعلمونهم فن الكراهية المغلف بالدين والطائفة.. وكيف تكبر لتكفر الآخر.. تذكرت بيروت بل لبنان كثيرا خلال هذا العيد الذى لم يكن.. فهناك أحياء بالكامل للمسيحيين وأخرى للمسلمين ثم تنقسم الطائفة ذاتها على نفسها إلى طوائف وملل ويصبح هناك مارونى وروم أرثوذكس وسنى وشيعى ودرزى.. ويصبح الهم الأول فى حفلات التعارف أن تكثر من الأسئلة حتى تصل إلى معرفة الطائفة.. هناك وصم المواطن بالطائفة واختزلت المواطنة فى الطائفة والولاء أيضا.. وهنا فى البحرين يحدث اليوم أيضا أن تتكرر تلك التجربة المريرة فيما يبدو أنه درس لا تتعلمه الشعوب ولا الأفراد أو الأنظمة والأحزاب!

 

أن تكون سنيا أو سنية أو شيعى أو شيعية اليوم فى البحرين هو أن تدخل دائرة الطائفة.. أما إذا خرجت من الطائفة فيبدو أنهم يريدون إخراجك من الوطن.. عجبى!

 

«خارج الطائفة» هو تعبير استعيره من الصديق على الديرى الذى كتب كثيرا عن الطائفية البغيضة.

خولة مطر  كاتبة صحفية من البحرين
التعليقات