تطور الديمقراطية في القديم إلى مشارف الأديان الكتابية - رجائي عطية - بوابة الشروق
الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 2:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد تبرع المشجعين والمواطنين للأندية الرياضية للخروج من أزماتها المالية؟

تطور الديمقراطية في القديم إلى مشارف الأديان الكتابية

نشر فى : الأربعاء 4 أغسطس 2021 - 7:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 4 أغسطس 2021 - 7:50 م
من المعلوم أن روما القديمة كانت تتلمذ على بحوث فلاسفة اليونان، ولكن هذه البحوث لم يكن لها أثر فى تقرير نظام الحكومة.
ولكن الشعب قد استطاع أن يحصل على بعض الضمانات التى يعتمد عليها فى مراجعة ذوى السلطان، وأصبحت موافقة وكلائه لازمة على الأحكام الكبرى، ولكنها كانت كلها ضمانات سلبية للمنع والوقاية لا للفعل والتوجيه، وبقى التصرف فى الأموال العامة والسياسة الداخلية والخارجية مقصورًا على النبلاء.
وظل ملحوظًا أن «المواطن الرومانى» هو دون غيره ـ المقصود بالمساواة القانونية، ولم يتعد كلام «شيشرون» عن المساواة الطبيعية بين الناس فى كتابه الموسوم بالقوانين، أن يكون أشبه بالمساواة فى حدود التعريفات المنطقية والصفات الطبيعية، ولم يستوجب العدل والمساواة، وهى نزعة ترددت عباراتها فى أقوال المشرعين والفقهاء، إلاَّ أنها لم تجد مجالا للتطبيق.
ومن الواضح إذن ـ فيما يعقب الأستاذ العقاد ـ أن هذه الديمقراطية لم تقم على الحق الإنسانى المعترف به لكل إنسان، وأنها كانت أقرب إلى الضرورة العملية منها إلى المبادئ الفكرية والأصول الخلقية، ويصدق على هذه الديمقراطية التى تفرضها الضرورة أنه يتساوى فيها فضل التشريع وفضل الطبيعة، وأنها لم تعط حرية ولاحقًّا يمكن لصاحبه أن يأخذه ما لم يعطه أحد من أصحاب السلطة أو يمنعه، وليس هذا هو مقصد بيان تقرير الحقوق وإقامة الدساتير.
الديمقراطية فى الأديان الكتابية
يورد الأستاذ العقاد أنه من تمام البحث فى تطور الديمقراطية قبل الإسلام، الإلمام بسوابقها فى الأديان الكتابية.
ويبدأ الأستاذ العقاد باليهودية باعتبارها الأسبق زمنًا، فيورد أن موسى عليه السلام تلقى أحكام الشريعة وأبلغها إلى جميع إسرائيل فى سيناء، وأمرهم موسى أن يتخذوا لهم كهانًا من قبيلته وهى قبيلة اللاويين، وقال لهم: «إن الرب أفرز سبط لاوى ليحملوا تابوت عهد الرب ولكى يقفوا أمام الرب ليخدموه ويباركوا باسمه» (سفر التثنية 10: 8)
وأمرهم موسى أيضًا أن يتخذوا لهم قضاةً: وعرفاء، وقال مخاطبًا إسرائيل: «لا تحرف القضاء ولا تنظر إلى الوجوه ولا تأخذ رشوة، لأن الرشوة تعمى أعين الحكماء وتعوّج كلام الصديقين» (سفر التثنية 16: 19، 20)
وقال موسى يخاطب إسرائيل: «إذ عسر عليك أمر القضاء بين دم ودم، أو بين دعوى ودعوى، أو بين ضربة وضربة من أمور الخصومات فى أبوابك فقم واصعد إلى المكان الذى يختاره الرب إلهك واذهب إلى الكهنة اللاويين وإلى القاضى الذى يكون فى تلك الأيام واسأل فيخبرونك بأمر القضاء.. والرجل الذى يعمل بطغيان فلا يسمع للكاهن الواقف هناك ليخدم الرب إلهك، أو للقاضى يقتل فتنزع الشر من إسرائيل» (التثنية 17: 8 ـ 12)
وعلم موسى عليه السلام أن قومه سيتشبهون بمن حولهم ويطلبون لأنفسهم ملكًا فقال لإسرائيل: «متى أتيت إلى الأرض التى يعطيك الرب إلهك وملكتها وسكنت فيها فإن قلت اجعل علىّ ملكًا كجميع الأمم الذين حولى فإنك تجعل عليك ملكًا يختاره الرب إلهك من وسط إخوتك.. ولا يحل لك أن تجعل عليك رجلا أجنبيًّا ليس هو أخاك»
وقال «وعندما يجلس على كرسى مملكته يكتب لنفسه نسخة من هذه الشريعة فى كتاب من عند الكهنة اللاويين.». (التثنية 17: 14 ـ 15، 18).
وعلى هذا فارق موسى قومه ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ وهم يدينون لملكٍ غير منظور وهو «يهوا» ملك إسرائيل، ويرجعون فى استماع أوامره ونواهيه إلى الحبر أو القاضى الذى يتلقى الوحى عن عرش الإله، وظلوا كذلك إلى أيام قاضيهم صمويل، يرضون بقضائه ولا يطلبون ملكًا من بينهم لولاية أمرهم، فلما شاخ صمويل وأناب عنه ولديه ـ لم
يسلكا مسلك أبيهما بل مالا إلى الكسب كما جاء فى الإصحاح الثامن من سفر صمويل الأول: «وأخذا رشوة وعوجا القضاء. فاجتمع كل شيوخ إسرائيل.. وقالوا لصمويل: إنك قد شخت وابناك لم يسيرا فى طريقك فالآن فاجعل لنا ملكًا يقضى لنا كسائر الشعوب» (صمويل الأول 8: 3 ـ 5).
وساء الأمر فى عينى صمويل، فتوجه إلى ربه بالدعاء على ما يروى العهد القديم فقال له الرب: «اسمع لصوت الشعب فى كل ما يقولون لك، لأنهم لم يرفضوك أنت بل إياى رفضوا حتى لا أملك عليهم.. فالآن اسمع لصوتهم وأشهد عليهم وأخبرهم بقضاء الملك فيهم» (صمويل الأول 8: 7 ـ 9).
ومضى الأستاذ العقاد حتى لا أطيل عليك، يروى من واقع إصحاحات سفر صمويل الأول ما دار بينه وبين قومه من حوار ومن أخذٍ ورد، وكيف لم يستمع الشعب لنصيحة القاضى الحكيم، وطلبوا أن يكون لهم ملك كسائر الشعوب يقضى لهم ويخرج أمامهم ويحارب حروبهم، فسمع لهم صمويل، وتكلم إلى الرب بما طلبوه، فأجابه بأن يسمع لصوتهم ويملك عليهم ملكًا.
وقد اختار لهم صمويل ـ شاءول ملكًا، ويبدو أن القيادة العسكرية كانت هى المطلب الأول فى الملك المختار؛ حيث بقيت قيادة الرأى والشئون الروحية ـ بعد اختيار الملك ـ من عمل القاضى الحكيم. (الإصحاح العاشر سفر صمويل الأول).
واحتفظ صمويل لنفسه بالسلطان الروحى، ولم يأذن للملك شائول بالنيابة عنه فى أداء مراسمه، وعلى هذا الأساس قامت قواعد الحكومة فيما أثبته كتاب العهد القديم، وبقيت على الشعب الحكومة التى قامت من بيت شائول وبيت داود من بعده، ولم يعترف أحبار اليهود بحكومة شرعية بعد الحكومة التى قامت من بيت داود.
فلما قامت حكومة «الكابيين» ـ كره ولاتها أن يتلقبوا بلقب الملك، ولم تظهر صورهم على مسكوكات العملة حتى الوالى الرابع، فلما قامت حكومة «هيرود» تبرم بها الأحبار والشعب لأنهم «أدوميون» من غير إسرائيل وإن كانوا يدينون باليهودية، وحوكم كبيرهم أمام محكمة الأحبار لأنه قضى بالموت على قطّاع طرق بغير إذن من المراجع الدينية، فظل العداء مستحكمًا مع هذه الأسرة حتى استجابت الدولة الرومانية وعزلت آخرهم «أرشلاوس»، ولم يخلفه أحد.
توصيف هذا النظام.
وجملة ما يقال فى وصف هذا النظام بالوصف العصرى، أنه نظام يجمع بين «الثيوقراطية» و«العنصرية» و«الديمقراطية».
فهو ثيوقراطى لأن الاختيار موكول إلى الأحبار والكهان.
وهو عنصرى لأنه خاص ببنى إسرائيل والكهانة فيه مقصورة هى الأخرى على سلالة معينة.
وهو ديمقراطى لأنه يسمح للشعب ـ بشكل ما ـ بطلب النظام الذى يؤثره ومبايعة الحاكم الذى يرشحه الأحبار.
ويبادر الأستاذ العقاد، إلى بيان أننا سوف نرى حين يعرض للنظام الديمقراطى كما بسطه القرآن الحكيم والسنة النبوية ـ أنه لم يتطور من هذا النظام.
* * *
ومن المؤكد فيما عنى الأستاذ العقاد بإثباته، أنه لم تسبق الإسلام ديمقراطية عربية كما توهم بعض المستشرقين وكتاب التاريخ الأوروبيين، ومن ثم لا فضل فى تقرير الديمقراطية إلاَّ للإسلام الذى لم يسبقه ديمقراطية عربية.
بل وكانت الجزيرة العربية مليئة ــ فيما أثبت ــ بصور العنف والاستبداد والطغيان، لا ينفى ذلك ما بدا أنه حرية على أتمها فى البداوة، فلم تكن صادرة عن مبدأ أو عن فكرة، ولا عن أى معنى من معانى الحقوق الإنسانية، وإنما كانت حرية فى البيداء مصدرها قلة المنازعة عليها، لا قوة المبادئ والحقوق.
والواقع ـ فيما يقول ـ أن الجزيرة العربية عرفت قبل الإسلام ضروبًا من الطغيان والاستبداد لا تقل عن ضروبه المشهورة التى عرفت فى الشعوب الأخرى، فهل يكفى هذا الحكم لنستخلص كيف يحسب السبق للديمقراطية الإسلامية.
قد راودنى هذا الظن، ولكنى بادرت لتنحيته لسببين: الأول أنه يفرط فى إقامة الأدلة ويصادر على المطلوب فيها وما يقتضيه من أن يكون الاستخلاص قائمًا على دليله. والثانى أن ما أورده الأستاذ العقاد ينطوى على معلومات جديرة بالإحاطة لتكتمل الرؤية الموضوعية على ضوء ما كان جاريًا فعلا فى شبه الجزيرة العربية فى الإسلام.
Email:rattia2@hotmail.com
www.ragai2009.com
التعليقات