«سيدات القمر».. كيفما اخترتَ تكون! - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأحد 23 فبراير 2020 12:33 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


«سيدات القمر».. كيفما اخترتَ تكون!

نشر فى : الخميس 4 يوليه 2019 - 10:15 م | آخر تحديث : الخميس 4 يوليه 2019 - 10:15 م

تكشف رواية «سيدات القمر»، الفائزة بجائزة المان بوكر للعام 2019، والصادرة عن دار الآداب ومكتبة تنمية، عن موهبة مؤلفتها العمانية جوخة الحارثى، فى السرد وبناء الشخصيات، وفى ربطِ قصص أبطالها بالتطورات التى حدثت فى المجتمع العمانى، مع تقديم التحية للمرأة والأنثى، واختبار أفكار مهمة، سواء على مستوى الطبقة، أو على مستوى علاقة الرجال بالنساء، وكلها نجاحات ليست سهلة أو ميسورة.
هذه الرؤية الثاقبة للأفراد فى أحوالهم وتغيراتهم المختلفة، لا تتأتى إلا لكاتبة تعرف شخصياتها ومجتمعها ماضيا وحاضرا، ولديها أيضا قدرة على الدراسة النفسية لهذه النماذج الآسرة، الشخوص هم محور الحكاية، ولكن الزمن يمر من خلال الحكى عنهم، وعلى الرغم من أننا نتنقل بين مكانين فقط؛ هما قرية «العوافى»، والعاصمة «مسقط»، فإن المكانين يتحولان إلى مرآة تعكس ما حدث عبر التاريخ القريب والبعيد، أما الفكرتان اللتان تمسكان بهذا السرد المتدفق، الذى ينتقل حرا فى زمن الشخصيات، وزمن الوطن، فهما فكرتا التحرر والتحقق، ولعلهما فكرة واحدة ذات وجهين، تعبران الطبقة والزمان، وتتكرران باختلاف الأجيال.
لدينا، بالأساس، عائلاتٌ ثلاث: عائلة عزان وزوجته سالمة، وبناتهما الثلاث ميا وأسماء وخولة، وهى عائلة من السادة بمقاييس قرية العوافى، وعائلة التاجر سليمان، وابنه عبدالله، الذى سيتزوج من ميا، وهى أيضا عائلة ميسورة، وهناك أيضا عائلة ظريفة، وهى أسرة من عبيد تحرروا بعد إلغاء الرق، ظريفة كانت محظية التاجر سليمان، وهى الأم البديلة لابنه عبدالله.
يقوم البناء على هذه العائلات، ولكنه لا يقتصر عليها، وإنما تحضر القرية كلها طقوسا وخرافات، وحقائق وأوهام، وأماكن وأطعمة، لوحة هائلة ملونة ونابضة بألوان الحياة، لا توجد شخصية ثانوية أو محورية بدون حكاية، ولا حكاية بدون تفاصيل معروفة أو مسكوت عنها، يمكن أن تقرأ الرواية باعتبارها حكاية هذه الشخصيات وأبنائها وبناتها، كما يمكن أن تقرأ الرواية باعتبارها حكاية هذا القرية، التى يخرج أفرادها إلى مسقط، ثم يعودون إلى قريتهم.
وبينما ترسم شخصيات الرجال بدرجة عالية من التفوق، فإن روايتنا فى جوهرها عن بناتِ وفتيات وسيدات، دون الوقوع فى فخ التنميط، ارتباط السيدات بالقمر فى العنوان تعبير عن الأهمية، فكل الكواكب تضع جوهرها فى القمر كما نقرأ فى مقطع من الرواية، والقمر نفسه متغير ويعبر عن أحوال شتى، وهو أيضا ترمومتر النور والظلام، ولذلك يمكن أن يظهر بوضوح معنى البحث عن التحقق واختيار التحرر فى الشخصيات النسائية، ولكنه موجود أيضا عند الأبطال من الرجال.
ميا التى أحبت فى صمت، تصر على أن تسمى ابنتها باسم العاصمة لندن، وأسماء تختار أن تتحقق بالأمومة، وخولة تتمرد على واقعها وتغيره، وعبدالله تثقله سلطة الأب حتى بعد موته، ويضبط نفسه وهو يكرر نفس عبارات القهر والتسلط على ابنه، وابن ظريفة لا يرى أن تحرره يمكن أن يكتمل من دون مغادرة البلد التى شهدت عبودية أمه، وخالد، زوج أسماء، الذى يتحرر بالفن، ويرسم الخيول المنطلقة.
تراجع الروايةُ مفهومى «التحرر» و«العبودية»، على كل المستويات، الحب نفسه يمكن أن يتحول إلى عبودية تعمى عن اكتشاف الحقيقة، كما حدث فى حكاية لندن وحبيبها الشاعر، أو قد يصبح قيدا لا شفاء منه أبدا، كما فى حكاية عزان مع نجية، ابنة البادية والطبيعة.
أعجبنى هذا السرد الحر الذى يعيد تشكيل الزمن، والذى يعرفنا بنهاية الشخصية أحيانا قبل أن نعرف تفاصيل حكايتها، فالتشويق كله فى التفاصيل، والسارد العليم يرى كل حدود وملامح الصورة، ما أتحفظ عليه هنا هو تضفير هذا السرد، بسرد ذاتى يحمل صوت عبدالله، وهو فى رحلة بالطائرة إلى فرانكفورت، صوته مهم، وحكايته مع أبيه مؤثرة، ولكن الشخصيات الأخرى تستحق أيضا أن تكون أصواتا مماثلة، أو فليترك السرد تماما للعين الشاهدة العليمة، التماسا لتماسك البناء، وعمومية الحالة: مجتمع يتغير، وأفراد يتمنون أن يتغيروا.
«سيدات القمر» رحلة عنوانها البشر بتناقضاتهم، والمجتمع بتغيراته، الألم والحلم واحد، مهما اختلفت الطبقة، ومهما اختلف الجنس، كيفما تختَرْ تكنْ، وأينما خضعت صرت عبدا، ولكن هناك أشياء لا اختيار فيها أبدا: المولد، والحب، والممات.

التعليقات