«يدى الحجرية».. تفكيك الذات والقبيلة - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الأربعاء 10 أغسطس 2022 6:31 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

«يدى الحجرية».. تفكيك الذات والقبيلة

نشر فى : السبت 4 يونيو 2022 - 7:40 م | آخر تحديث : السبت 4 يونيو 2022 - 7:40 م

هذا النص فائق الجاذبية، لم يستغرق منى سوى يومين من القراءة الممتعة، أما أسرار جاذبيته فمتعددة، أبرزها جرأة كاتبه، وبساطته، وسخريته اللامعة، فى تعريته للذات وللآخر، ورغم هذه البساطة، وذلك التدفق فى الحكايات، فإنه نص مركب ومراوغ، متعدد المفاتيح والأبواب، ويمكن أن يُقرأ على أكثر من مستوى، يستجيب السرد لكل منها، بكل أريحية وكرم، وهذا بالتأكيد طابع النصوص ثرية الدلالات والتأويلات.
رواية «يدى الحجرية» لحمدى أبو جليل، والصادرة عن هيئة الكتاب، أقرب ما تكون إلى سيرة حياة ثرية، تؤرخ للذات بقدر ما تؤرخ للقبيلة، تحكى عن «الأنا» بقدر ما تحاول أن تكتشف «الآخر»، رحلة بحث شيقة فى التاريخى والمعاصر معا.
وبينما يتدفق الحكى، وتتفرع الحكايات، وترسم بورتريهات مدهشة، ويتفاعل البشر على قاعدة المكان والجغرافيا، سواء فى الفيوم أو تولوز، فى الإسكندرية أو الأقصر، فإننا نعود فى كل مرة إلى سؤال الذات والآخر، الفرد والجماعة، الشرق والغرب، والكاتب يعيش الحياة، ويحاول أن يكتبها فى نفس الوقت، فكأنه يعيشها مرتين، والمغامرة تأخذه من بداوة القبيلة، إلى انفتاح الغرب، فيغرق فى العالمين، حياة وكتابة.
لكن منطق السرد هو تعشيق حكايتين كبيرتين، تجمع بينهما ذات حائرة، كتابة تشبه شغل الأرابيسك، تتقاطع فيها سيرة القبيلة، أفرادا ومكانا وأشعارا وأحداثا، مع سيرة علاقة بين السارد وامرأة فرنسية يسميها مراية، اسمها الأصلى على اسم قديسة، ولكنه لا يذكره أبدا، وإنما يراها مرآة لذاته قبل أى شىء آخر، مثلما تبدو قبيلة الرماح التى ينتمى إليها، مرآة لذاته ولجذوره الراسخة، مصرى بدوى، وكاتب، هكذا يمكن أن نقدم السارد، والنص بأكمله مرآة تنعكس عليها ذاته، من القبيلة إلى العشيقة الفرنسية.
لا يسير الحكى بالترتيب، لا مكانا ولا زمانا، ويكتسح السرد حضور الذات، بما يقترب فى بعض الأحيان، من دقة المؤرخ، والعالم بالأنساب، وإن سمح الكاتب لمراية وحدها، بأن تحكى فى لقطاتٍ قليلة عن نفسها بضمير المتكلم.
هناك حرية كاملة فى التفكيك، وفى الانتقال بين سيرة القبيلة، وسيرة العشق، والغريب أن ما نظنه تنافرا فى البداية، سرعان ما يكشف عن تقارب وتقاطع، ليس بسبب ذات حاضرة قوية بتفاصيها الواقعية، ولا فقط لأنها ذات هى ابنة القبيلة البدوية، بقدر ما هى ابنة تجربة العشق والجسد، ولكن أيضا لأن عالم القبيلة، وعالم حكاية مراية الفرنسية، تتردد فيه تيمة التمرد على مستويات كثيرة، سواء تمرد الأفراد، أو تمرد القبيلة، رغم الاختلافات الثقافية، والحضارية.
التمرد إذن أحد مفاتيح النص، والتمرد دليل قلق، وشعور بالوحدة والتفرد، وفيه أيضا الكثير من النظرة الرومانسية للعالم، والرغبة فى تغييره، ورفض السلطة والامتثال، وهذا الأمر يميز السرد سواء عن أولئك البدو الذين احترفوا السطو والنهب، ولم يعرفوا الاستقرار فى الفيوم، ولم يقبلوا أن يمارسوا الزراعة، إلا بعد مذبحة دامية ارتكبها الخديوى سعيد بحقهم، أو سواء فى حكاية مراية ابنة ثورة الشباب فى العام 1968، التى رفضت السلطة والقيم السائدة، وحررت الجسد والعقل معا.
الحرية بالنسبة للبدوى فعل حياة، وكذلك بالنسبة لمراية أو لشخصية مثل الأيرلندى، ورغم سطوة العادات والتقاليد على أفراد القبيلة، فإن النص حافل بالروح الفردية المتمردة والقوية، لرجال أو سيدات، فرسان ولصوص، شعراء يمارسون الهجاء، قصص حب وغرام، وأمهات تظللن على أطفالهن، وشخصيات تراجيدية بامتياز، تذهب إلى حتفها بشجاعة، دون وجل أو خوف.
هنا تقاطع خارق بين عالمين مختلفين إلى درجة التناقض الكامل، ربما أظهره النص بشكلٍ لا شعورى، بل لعل ما جذب المصرى البدوى، ابن القبيلة المتمردة، إلى الفرنسية مراية، هو أنها أيضا تنويعة على مقام التمرد، ولكن على الطريقة الأوروبية، بالإضافة إلى سطوة الجسد والجنس، وهو بدوره تنويعة على التحرر والتمرد والاختيار الفردى المطلق.
ولكن النص أيضا عن الكتابة كفعل وجود، هذا كاتب يريد أن يترجم الواقع إلى سرد، ويربط فكرة النجاح بأن يستعيد القدرة على كتابة الحياة، وليس أن يعيشها فحسب، وعنوان «يدى الحجرية» يشير إلى تمثال ليد الكاتب نحته ابن شقيقته، هذه اليد سيهديها الكاتب إلى مراية، اليد الحجرية تعبر عن كاتب نسى مهمته، لم يعد كاتبا، والنص يتمرد على الحجر، ويستعيد الذات والكتابة، ويتغلب على الفشل، بل ويعوض انهيار العلاقة مع مراية، التى قامت على الجنس وحده، ولكن لقاء العالمين صنع تجربة ومادة للكتابة.
الكتابة حاضرة طول الوقت: فى مشروع لم يتم بين السارد ومراية لوصف المدن المصرية، فى تحية خاصة لكتابات وأشعار أسامة الدناصورى، فى دروس وتمارين اللغة العربية التى يعلمها الكاتب لمراية، والكتابة هى التى ستحفظ الحكاية: حكاية القبيلة وشخصياتها وتاريخها، وحكاية مراية وعالمها وعشاقها وأصدقائها.
لقاء الشرق والغرب فى هذا النص ليس سطحيا أو مبسطا، وإنما لقاء فى العمق، هناك بالتأكيد انفصال وحالة من التعالى من طرف مراية، والحكاية تبدأ بمشهد تأفف مراية، وكشف ساقها أمام البدو احتجاجا وتحديا، وتنتهى بصدام أثناء لقاء جنسى، احتجاجا على يد البدوى السارد، ولكن النظرة المتأففة للآخر حاضرة أيضا، فى نظرة البدوى للفلاح، رغم أن الفيوم جمعت بين الاثنين فى واحة مشتركة.
إنه الإنسان بكل تناقضاته وتعقيداته، بامتثاله للعالم، ثم بتمرده عليه، برغبته فى أن يتحقق، مهما كلفه ذلك من ثمن، بتواصله مع الآخر، وبرفضه أن يذوب تماما فى داخله، وقد أجاد حمدى أبو جليل التعبير عن هذه الحالات المتقلبة، فى مجتمع القبيلة، وفى مجتمع تولوز.
ومن فصحى سلسة تأخذنا أحيانا إلى محكية بدوية، ومحكية قاهرية، ينطلق النص فى بناء مركب ومتداخل، ليصبح سؤالا صعبا، عن الفرد والمجتمع، ماضيا وحاضرا، شرقا وغربا، حضرا وبداوة، وينقل بذلك حيرة وقلقا وتمردا، دون أن يقدم إجابات جاهزة.

التعليقات