هل تخرج إيطاليا من اليورو؟ - علاء الحديدي - بوابة الشروق
الأحد 9 أغسطس 2020 1:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

هل تخرج إيطاليا من اليورو؟

نشر فى : الإثنين 4 يونيو 2018 - 9:30 م | آخر تحديث : الإثنين 4 يونيو 2018 - 9:30 م

احتفلت إيطاليا بعيدها القومى يوم السبت ٢ يونيو الماضى، وكان احتفالا خاصا لتزامنه مع تشكيل الحكومة الإيطالية الجديدة وأدائها لليمين الدستورية بعد أزمة سياسية دامت لثلاثة أشهر منذ الانتخابات الأخيرة فى ٤ مارس الماضى. وكانت هذه الانتخابات قد أسفرت عن فوز أكبر حزبين معارضين للاتحاد الأوروبى وسياساته بأغلبية المقاعد، والحزبان هما رابطة الشمال بزعامة ماتيو سالفينى وحركة الخمس نجوم بزعامة لويجى دى مايو (مقالى السابق بعنوان «التمرد الإيطالى على الاتحاد الأوروبى» بتاريخ ١٣ مارس الماضى). وقد رأى البعض فى فوز هذين الحزبين مقدمة لتكرار السيناريو البريطانى الخاص بالخروج من الاتحاد الأوروبى ولكن بشكل مختلف، أى الاكتفاء بالخروج من منطقة اليورو هذه المرة. ونظرا لحجم الاقتصاد الإيطالى الذى يمثل ثالث أكبر اقتصاد فى منطقة اليورو، فإن مجرد التلويح بإمكانية خروجه منها له تداعياته السلبية على الاقتصاد الأوروبى الذى ما زال يجاهد من أجل الخروج من آخر أزمة اقتصادية تعرض لها، ويهدد بأزمة يورو جديدة أكثر قوة وتأثيرا على الاتحاد الأوروبى.
وفى ضوء ما تقدم، فقد تمنى أو راهن البعض على ألا يتفق زعيما هذين الحزبين مع بعضهما البعض، خاصة فى ظل ما هو معروف عن كليهما من طموح وتنافس على زعامة البلاد. إلا أنهما خالفا التوقعات واتفقا على تشكيل حكومة كان المرشح فيها لمنصب وزير المالية شخصية معروفة بعدائها للاتحاد الأوروبى، بل إنه كان قد دعا لإجراء استفتاء حول بقاء إيطاليا داخل منطقة اليورو. وهو الأمر الذى وجد معه رئيس الجمهورية، سيرجيو ماتاريللا، والمعروف بتأييده للاتحاد الأوروبى فرصة لرفض إقرار تشكيل هذه الحكومة بحجة الاعتراض على وزير المالية المرشح هذا. ولم يكتفِ الرئيس الإيطالى بذلك، بل قام من فوره بدعوة كارلو كوتاريللى ــ وهو مسئول سابق فى البنك الدولى ــ لتشكيل حكومة انتقالية من التكنوقراط تمهيدا لعقد انتخابات جديدة.
أدى موقف رئيس الجمهورية هذا إلى اندلاع أزمة سياسية كبيرة بعد تهديد الحزبين الكبيرين بالتصويت ضد حكومة كوتاريللى ودون إعطائها الفرصة لتقلد وزرائها منصابهم ودخول مكاتبهم. بل إن بعض الأصوات بدأت تنادى بمحاكمة رئيس الجمهورية متهمة إياه بالتدخل ضد إرادة الشعب وإعاقة العملية الديمقراطية، الأمر الذى فاقم من الأزمة السياسية وهوى بالبورصة الإيطالية وهبط بأسواق المال الأوروبية الأخرى. ورغم تنامى المؤشرات التى كانت ترجح تعزيز موقف هذين الحزبين تحديدا فى حالة إجراء انتخابات جديدة، إلا أنهما فضلا التراجع عن تمسكهما السابق بمرشحهما لمنصب وزير المالية، وتقدما بمرشح جديد معروف بآرائه المعتدلة حول الاتحاد الأوروبى. وأخيرا تم التوصل إلى اتفاق مع الرئيس ماتاريللا على تشكيل حكومة جديدة برئاسة أستاذ قانون محايد وهو جوزيبى كونتى. كما كان ملفتا للنظر أيضا أن وزير الخارجية الجديد إينزو ميلانيزى معروف بانتمائه للنخبة السياسية الإيطالية التقليدية والوثيقة الصلة بمؤسسات الاتحاد الأوروبى فى بروكسل. فهل يعنى ذلك تخلى رابطة الشمال وحركة الخمس نجوم عن برامجهما الانتخابية المناوئة للاتحاد الأوروبى؟
الملاحظ أن البورصة الإيطالية وأسواق المال الأوروبية الأخرى قد هدأت واستعادت جزءا كبيرا من خسائرها بعد أداء الحكومة الإيطالية الجديدة لليمين الدستورية، إلا أن حالة من القلق ما زالت تساور هذه الأسواق جراء ما تشهده الساحة الإيطالية من تطورات حاليا. فرغم أن طرح مسألة استمرار عضوية إيطاليا فى منطقة اليورو فى استفتاء عام غير وارد الآن، إلا أنه أيضا ليس بالأمر المستبعد. فتجربة بريطانيا بشأن الاستفتاء على البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبى ليست ببعيدة والدرس المستخلص منها أن سيناريو خروج إيطاليا من منطقة اليورو ما زال قائما ولو بعد حين. فقد بدأ الأمر فى لندن بذهاب رئيس الوزراء البريطانى السابق ديفيد كاميرون إلى بروكسل أولا لتعديل الاتفاق الموقع بين بلاده وبين الاتحاد الأوروبى، وبعد خروجه باتفاق جديد قام بإجراء استفتاء حول بقاء بلاده داخل الاتحاد، مراهنا على الفوز فيه، وهو ما لم يحدث كما نعرف. هذا السيناريو مرشح للتكرار مع إيطاليا، فى ظل تعهد الحكومة الجديدة بأن تضع إعادة التفاوض مع بروكسل على بعض البنود الخاصة بعضوية روما فى الاتحاد على رأس أولوياتها، وخاصة فيما يتعلق ببعض الشروط والالتزامات المتعلقة بعضويتها فى منطقة اليورو. وهو ما يكرر سيناريو كاميرون السابق الإشارة إليه، ويفسر كذلك حالة القلق والاهتمام التى تنتاب العديد من العواصم الأوروبية من المسار الذى ستتخذه السياسة الإيطالية خلال الفترة القادمة.
من المفارقات التاريخية أن تكون العاصمة الإيطالية التى شهدت مولد الاتحاد الأوروبى منذ نحو ستة عقود، هى ذاتها العاصمة التى تشهد أول حكومة مناهضة للاتحاد. ورغم أن حركة الخمس نجوم ورابطة الشمال لا يدعوان حاليا للخروج من الاتحاد الأوروبى، إلا أن آراءهما حول الانضمام لمنطقة اليورو ودعوة البعض من أعضائهم للخروج منه معروفة لدى الجميع. فهل تستجيب بروكسل لمتطلبات هذه الحكومة وتعدل من بعض البنود والقيود التى تطالب بها روما الآن، وبما يحقق بعضا من أهداف هذين الحزبين؟ أم ستتمسك بروكسل بشروطها المالية والاقتصادية التى وضعتها لنفسها بدفع من ألمانيا ودول الشمال؟، وهو ما قد يؤدى إلى دفع إيطاليا لاتخاذ خطوة تصعيدية بإجراء الاستفتاء حول اليورو، وبما يهدد بأزمة يورو جديدة، ناهيك عن تداعيات مثل هذا الأمر على وحدة الاتحاد الأوروبى.

التعليقات