سيناء العصية - طلعت إسماعيل - بوابة الشروق
الإثنين 14 يونيو 2021 3:55 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تقدمت للحصول على لقاح كورونا أو حصلت عليه بالفعل؟

سيناء العصية

نشر فى : الإثنين 4 مايو 2020 - 10:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 5 مايو 2020 - 10:18 ص

خاضت مصر عبر التاريخ القديم والحديث العديد من الحروب على أرض سيناء التى شكلت معبرا للغزاة والطامعين فى خيرات «أم الدنيا»، غير أن رمال شبه الجزيرة كانت مقبرة لكل من سعى لاتخاذها جسرا للنفاذ إلى الوادى الخصيب فى الدلتا والصعيد، صحيح هناك من نجح لفترة من الزمن فى تحقيق أغراضه، لكن سرعان ما تكون سيناء طريقا لهروبه، ورحيله ولو بعد حين.
هذه الأيام، يحتفل المصريون، رغم استحواذ وباء كورونا اللعين على جل المشهد محليا وعالميا، بذكرى نصر العاشر من رمضان «السادس من أكتوبر 1973»، وسط تحديات قديمة وجديدة تجعل من سيناء قبلة، ومحطا للأنظار، كما كانت دائما عبر التاريخ، باعتبارها الشاهد الأهم على تضحيات قدمت، ولاتزال، دفاعا عن قطعة عزيزة من أرض الوطن.
فى رمزيتها تظل سيناء فى أوقات الحروب وأيام السلام، ساحة للنقاش والجدل بشأن كيفية جعلها أرضا لحماية الوادى من الأخطار، وليس خاصرة لعدو يتحين الفرصة للانقضاض، خلف ألف قناع، وإن كان الفعل واحد، غايته إضعاف الجسد وإنهاكه قبل الوثوب عليه وتحقيق الأهداف الخبيثة، لا يهم هنا ما هو الشعار المرفوع، فعلى أرض الفيروز ما يستحق المغامرة.
يحلم المصريون بجعل سيناء قاطرة للتنمية، وأرضا للعطاء بما تحويه من كنوز ظاهرة أو دفينة، بينما يسعى آخرون، من وراء الحدود عادة، ومن الداخل أحيانا، لجعلها بؤرة للتخريب والدمار، وجبهة لحصار مصر وشغلها طوال الوقت، وتعطيل الفرصة تلو الأخرى لتحويل الرمال، التى رويت بدماء ألوف الشهداء، إلى مزارع ومصانع ومدن تضج بالحياة.
تعلقُ المصريين بسيناء، والحساسية المفرطة لديهم فى التعامل مع كل ما يمس مستقبلها، أمر مفهوم، فهى «البقعة المباركة» ودرة التاج، والدفاع عنها تلخيص لجوهر الأمن القومى المصرى فى أعمق أبعاده، باعتبارها خط الدفاع الأول دائما فى معركة الحفاظ على وادى النيل مستقرا، وقد أدرك الفراعنة، وفهم أحفادهم هذه الحقيقة وعملوا بها، ولا تزال كامنة تحت جلودهم.
من هنا ستواجه أى دعوة لسلخ سيناء عن لحم مصر بكل قوة، ولن يحصد أصحابها إلا الفشل المبين، ودروس التاريخ خير دليل إذا ما كانت هناك عيون تقرأ وعقول تفهم جوهر الأشياء، وحقيقتها، فكم من لافتات رفعت، فى ظاهرها الخير وفى باطنها الشر المقيم، لكن سرعان ما يتكشف زيف محتواها فتصبح نسيا منسيا، قبل أن يعاود البعض الكرة مرة أخرى، فتذروه الرياح من جديد.
نقش المصرى قديما على الحجر، وسطر فى العصر الحديث الملاحم دفاعا عن سيناء، وقدم جنود مصر فى كل المراحل دماءهم وأرواحهم فداء فى سبيلها، وضحت جموع المصريين بالغالى والنفيس، من أجل تأكيد سيادتهم على أرض تشكل 6% من مساحة بلادهم، وتشرفت بأن كلم الله سبحانه وتعالى سيدنا موسى عليه السلام، بواديها المقدس طوى، ومر بها العديد من الأنبياء سلام الله عليهم أجمعين.
ولعل شغف المصريين بالأعمال السينمائية والدرامية التى تدور مشاهدها على أرض سيناء المقدسة، وآخرها مسلسل الاختيار، يفسر جانبا من تعلقهم ليس بأرض الفيروز فقط، وهى تستحق، بل بترابهم الوطنى فـ«الأرض عرض»، وهى علاقة من نوع خاص بين المصرى وطينه عندما مزج بين شرفه المادى والمعنوى فى كلمتين.
ستدور المعارك، ويتفجر الجدل، بشأن سيناء ومستقبلها، بين الحين والآخر، وقد يظن المتوهمون أنهم قادرون على جعلها عنصرا فى صفقة يطبخها الكبار مع الصغار، غير أن وجباتهم المسمومة سيلفظها جوف أى مصرى حتى فى أصعب الظروف، ومن هنا سيبقى التخطيط لتلك الصفقات المشبوهة عصيا على التمرير.
تحية لشهداء مصر الأبرار الذين سالت دماؤهم فى جميع الحروب دفاعا عن سيناء وحبات رمالها، وتعظيم سلام لكل جندى يرابط على الحدود كعين ساهرة فى سبيل الله، وحماية لأهله وناسه من المتربصين بغد ستبزغ شمسه من رحم المستحيل.

التعليقات