ترامب والمائة يوم الأولى فى الحكم - ماجدة شاهين - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 مارس 2020 10:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ترامب والمائة يوم الأولى فى الحكم

نشر فى : الخميس 4 مايو 2017 - 9:45 م | آخر تحديث : الخميس 4 مايو 2017 - 9:45 م
فى مقابل ما يردده ترامب بأنه لا يأبه كثيرا بالمائة يوم الوهمية والخادعة، ذهبت وسائل الإعلام إلى ترديد أن ترامب وصل إلى أقل مستوى من الشعبية بين الرؤساء السابقين، حيث لم يحصل إلاّ على اثنين وأربعين فى المائة، بينما كانت شعبية الرئيس السابق أوباما قد ارتفعت إلى أكثر من ستين فى المائة خلال الأيام المائة الأولى. وإننا من ناحيتنا لا نعير اهتماما بمدى ارتفاع أو انخفاض شعبية ترامب على الصعيد الداخلى بقدر ما نحرص فى هذا المقال على عرض ما قام به ترامب فى المنطقة وتقييم دلالته بالنسبة لنا. نتذكر كم رحبت الحكومات والشعوب فى المنطقة بانتخاب الرئيس ترامب، بما كشف عن سبق خيبة أملها إزاء إدارة الرئيس الأمريكى السابق. فهل نجحت الإدارة الجديدة فى طمأنة قيادات وشعوب المنطقة فى المائة يوم الأولى من الحكم؟
لا شك أن اهتمام إدارة ترامب بتحدى قرارات الإدارة السابقة فى المنطقة بل واتخاذ قرارات مضادة كان له وقع إيجابى على الكثيرين. فأعادت وزارة الخارجية بالإدارة الجديدة صفقة الأسلحة مع البحرين، التى قامت الإدارة السابقة بتعليقها بسبب المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان. وبالمثل، أشار وزير الخارجية الأمريكى ريكس تيلرسون إلى عزمه رفع الحظر عن صفقات السلاح والذخيرة الأمريكية إلى المملكة العربية السعودية، وهو ما سبق أن أوقفه أوباما بسبب الهجمات السعودية على اليمن وما أحدثته من إصابات بين المدنيين فى اليمن. وأخيرا، فإن روح التفاهم والاحترام المتبادل بين الرئيسين المصرى والأمريكى تتعارض بشكل صارخ مع الموقف السابق للرئيس أوباما والفتور الذى كان سببا فى توتر العلاقات بين البلدين.
***
وعلى الرغم من نجاح زيارة السيد الرئيس إلى البيت الأبيض، فإن المصريين على حق فى التصرف بقدر من الحذر إزاء هذا التقارب الظاهر منعا لتكرار التجربة السابقة مع الرئيس أوباما عندما جاء ليلقى خطابه فى القاهرة فى 4 يونيو 2009، الذى أبهر المصريين والعالم العربى ببلاغته وشخصيته الكاريزمية وثنائه على الإسلام فى محاولة واضحة للتقارب مع العالم العربى والإسلامى؛ وسرعان ما تحول ذلك كله إلى سراب. وكانت خيبة أمل المصريين مع إدارة أوباما أكبر بعد أحداث الربيع العربى وانحياز الإدارة الأمريكية الكامل حينئذ إلى الإخوان المسلمين حتى بعد أن دحض المصريون نظامهم فى مسيرة لأكثر من مليون مصرى. ويأمل المصريون أن تقدم إدارة ترامب آفاقا جديدة لعلاقة مثمرة وبناءة بين البلدين. وبالمثل، فإن دول الخليج بقيادة المملكة العربية السعودية وجدت فى الرئيس ترامب حليفا لإعادة بناء العلاقة التاريخية مع واشنطن بعد سنوات من اللامبالاة.
ومن غير المسبوق أن يجتمع رئيس أمريكى مع ثلاثة زعماء عرب فى الأيام المائة الأولى من حكمه، وتوجيه دعوة شخصية للرئيس الفلسطينى محمود عباس لزيارة البيت الأبيض ولقائه فى 3 مايو الحالى. وعلى الرغم من أن تقييم نتائج هذه الاجتماعات قد يكون سابقا لأوانه، حيث إن الأفكار الرئيسية التى نوقشت مازالت محل نقاش وبحاجة إلى مزيد من البلورة والتطوير، فهناك ما أشيع من حديث عن عقد مؤتمر الشرق الأوسط فى يوليو المقبل فى واشنطن يضم خمس دول بما فيها مصر والأردن وفلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة، للتوصل إلى اتفاق لحل القضية الفلسطينية. وإن كان ذلك ما زال محل بحث، فإن الاهتمام الذى يوليه ترامب فى مستهل فترة حكمه لإيجاد تسوية شاملة للنزاع الفلسطينى الإسرائيلى يستحق قوة دفع من جانبنا.
كما أنه يبدو أن هناك شبه اتفاق بين المملكة السعودية والولايات المتحدة على إقامة تحالف سنى يشمل الدول السنية فى المنطقة، بما فى ذلك تركيا، وهو موجه ضد إيران. غير أن مبادرة التحالف الإسلامى لم تلق استحسانا فى كثير من دول المنطقة. أضف إلى ذلك العداء بين مصر وتركيا ودوافع الرئيس التركى العدائية تجاه الرئيس المصرى لقيامه بإطاحة جماعة الإخوان المسلمين الذى يتبناها الرئيس التركى ويستمر فى توفير الملاذ الآمن لها وللهاربين المتطرفين من مصر والعالم العربى. وعلاوة على ذلك، فإن مصر مقتنعة اقتناعا راسخا بأن تركيا، وهى دولة خارج منطقتنا، تُؤوى طموحات ملتوية بل شيطانية تجاه المنطقة لإعادة بناء مجد الدولة العثمانية وضرب الاتحاد الأوروبى الذى رفضها كدولة شريك، وهو الأمر الذى يعود بالضرر على الدول العربية وشعوبها. ويكفى مشاهدة الطموحات التركية لتفكيك سوريا وإضعافها وهو ما يجب التصدى له بكل قوة.
***
وعلى الرغم من النجاحات التى حققتها الزيارات العربية المتعاقبة للبيت الأبيض، فإن النتائج العملية لتلك الزيارات لا تزال رهينة لكثير من المتغيرات. ويبقى الرد الروسى ومسار علاقات روسيا مع الإدارة الأمريكية الجديدة مفتوحا. فإن إدارة أوباما وتوجهاتها بفك ارتباطها بمنطقة الشرق الأوسط والتحول إلى آسيا بحجة أن المصالح الأمريكية المحورية أصبحت فى آسيا، وهو ما أعطى روسيا شعورا بالانفراد بمنطقة الشرق الأوسط. كما أن خطاب ترامب أثناء الحملة الانتخابية وما أظهره بإعجاب غير مسبوق بالرئيس بوتين قام بتكثيف هذا الشعور لديها. غير أن استراتيجية الرئيس ترامب الجديدة فى المائة يوم الأولى والضربات العسكرية غير المبررة أحيانا وغير المتوقعة أحيانا أخرى أثارت العديد من علامات الاستفهام لدى الدب الروسى. ولا يزال العالم ينتظر لقاء الرئيسين ترامب وبوتين. هل سيكون هناك اتفاق (سايكس ــ بيكو) جديد للمنطقة بضمان قوى دولية جديدة؟ هل ستفسد القوى غير العربية الناشئة فى إيران وتركيا الطبخة؟
وإن كانت الضربة الموجهة إلى اليمن تحمل رسالة صريحة إلى إيران والوقوف بشكل قطعى مع المملكة السعودية، فإن الضربة إلى سوريا تحمل فى طياتها رسالة مزدوجة إلى كل من إيران وروسيا على حد سواء. فكانت الرسالة بمثابة تحذيرٍ مباشرٍ لروسيا ــ حامية سوريا وحليفتها ــ بعد أن كان الرئيس السابق قد أفسح المجال لروسيا للسيطرة الكاملة على سوريا. ورفضت إدارة ترامب أن تبدو عاجزة بزعمها تخطى سوريا ما يُدعى بالخط الأحمر فيما يتعلق باستخدامها للأسلحة الكيميائية. وأوضحت أنها تعتزم ــ أى الولايات المتحدة ــ أن تكون طرفا أساسيا يعتد به فى الصراع السورى، وأن الولايات المتحدة لن تتراجع أمام توجيه ضربات عسكرية أخرى، إن لزم الأمر. وتهدف بذلك إلى إحداث تغيير كبير فى ميزان القوى على الأرض لصالحها، لتصبح جزءا من المعادلة، وعدم البقاء على هامش أى حل تتخذه موسكو وإيران معا واستبعادا للولايات المتحدة.
***
بيد أن هذا كله لا ينبغى أن يجعلنا نغفل عن طبيعة الرئيس الأمريكى الجديدة، فقد أظهرت المائة يوم الأولى بما لا يدع مجالا للشك أنه شخص متسرع ولا يمكن التنبؤ بما يُقْدِم عليه حتى من جانب أكثر المقربين له. ويبدو أنه لا يعير اهتماما بضم حلفائه أو أصدقائه لدائرة اتخاذ القرار، ناهيك عن شخصيته المتحكمة والانفرادية فى هذا الشأن. كما أدى تعجيل الرئيس إلى توقيع مجموعة من القرارات التنفيذية دون تدارس إلى فشل الإدارة فى متابعتها ووضعها موضع التنفيذ، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فشلت الإدارة مرتين فى إنفاذ قرار وقف المواطنين من ثمانى دول، ثم سبع دول، ذات أغلبية مسلمة (مستثنيا العراق) لدخول الولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن الخلافات العديدة التى تحيط بالرئيس ترامب وعملية صنع القرار لا تقوض حقيقة أن منطقة الشرق الأوسط تقع فى نطاق اهتماماته. فإن الرئيس الأمريكى يبدو حريصا على أن يكون له بصمته فى إيجاد حلول للصراعات الصعبة والمستعصية فى المنطقة. وسيستمر حكم الإدارة الجديدة بحلوها ومرها وما سيعتريها من غموض وحيرة بالنسبة لنا وبالنسبة لوضع سياسة خارجية بشكل عام واستراتيجية واضحة للشرق الأوسط على وجه الخصوص. وتساؤلنا فى النهاية عما إذا كان باستطاعتنا توقع أى سياسات مستقبلية لإدارة ترامب استنادا إلى ما شهدناه وعاصرناه فى المائة يوم الأولى، ما هو إلا سؤال يميل إلى السذاجة وعدم الحرفية فى السياسة الأمريكية.

 

ماجدة شاهين مدير مركز الأمير الوليد بن طلال للدراسات الأمريكية والبحوث بالجامعة الأمريكية
التعليقات